العنوان الإسلام والمستقبل
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 08-نوفمبر-1994
مشاهدات 65
نشر في العدد 1124
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 08-نوفمبر-1994
عجيب
ذلك المنهج الإسلامي السامق، وتلك التعاليم الرسالية الكريمة الَّتي تحمل في
جنباتها طوفان القوى الهادرة، ودوي العزائم الفائرة التي لا تعرف الملل أو تجنح
إلى الكلل، تأخذ الصبر زادًا يوصل إلى الفلاح ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
(آل عمران: 200)، وتجعل الكفاح سبيلًا يسلم إلى الفوز ويطرد اليأس ﴿وَلَا
تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا
الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (يوسف: 87)، وتتزود بالإيمان عدة تكتسح العقبات
﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ
الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ
مَا يَشَاءُ﴾ (إبراهيم: 27)، وتعتصم بالعدل والإحسان والفضيلة جنة تثلج الصدر
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا
وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (النساء: 58)، وتتسلح
بالأخوة والاعتصام بحبل الله درعًا يحفظ الكرامة ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ
جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ
أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾
(آل عمران: 103).. على هذه المبادئ القرآنية طاردت الأمة الوثنية المخرفة في جزيرة
العرب وبلاد الفرس فقضت عليها وطاردت اليهودية الماكرة فحصرتها في نطاق ضيق وقضت
على سلطانها الديني والسياسي قضاء تامًا وصارعت المسيحية حتى انحسر ظلها عن قارتي
آسيا وأفريقيا، وانحازت إلى أوروبا في ظل الدول الرومانية الشرقية بالقسطنطينية،
وتركز بذلك السلطان الروحي والسياسي للدولة الإسلامية في القارتين العظميتين وألحت بالغزو على القارة الثالثة من
الشرق، وأتتها من الغرب ففتحت الأندلس ووصل جنودها المظفرون إلى قلب فرنسا وإلى
شمال وجنوب إيطاليا، وأقامت في غرب أوروبا دولة شامخة البنيان مشرقة بالعلم والعرفان، وتم لها بعد ذلك فتح
القسطنطينية نفسها وحصر المسيحية في جزء محدود من قلب أوروبا، وصارت البحار بحارًا
إسلامية وتم للأمة السيادة البرية والبحرية على العالم، وما جاء هذا النصر صدفة أو
خبط عشواء، وإنما جاء بفكرة ورسالة صالحة ربانية، قوى الإيمان بها وتوفر الإخلاص
في سبيلها وازداد الحماس لها، ووجد الاستعداد والتضحية لتحقيقها، وتصدر كل ذلك
قيادة مؤمنة مخلصة حازمة واثقة، فكانت بشائر النصر ومخايله وإشراقاته ظاهرة حتى
قبل الفتح والكفاح والجهاد بشر بها القائد حتى في أحلك الظروف وأشد العقبات، فنرى
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في مكة والمسلمون تحت العذاب قولته
المشهورة: «والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يصير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا
يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون».
هذا
ولما كانت عناصر القوة هذه ستظل في الأمة مذخورة وموجودة رغم طغيان الفساد في
فترات معينة بشر الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يعلم أن الزمان سيتمخض عن كثير من الحوادث الجسام..
إن
الفرصة ستسنح للمسلمين مرة أخرى لأن منهجهم في أعماقهم، وأن الدور سيأتي عليهم في
قيادة الأمم وسيادة الشعوب ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾
(آل عمران: 140)، وتتوالى مبشراته صلى الله عليه وسلم الَّتي تحقق منها جزء والزمان ينتظر تحقق الجزء الآخر يحسن أن نذكر بعضًا
منها في القرآن والسنة: قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ
بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ
الْكَافِرُونَ﴾ (التوبة: 32)، ويقول تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا
مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا
اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي
ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ (النور:
55) ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (التوبة:
33). ويعلق الرسول صلى الله عليه وسلم على تلك الآية فيقول: «سيكون من ذلك ما شاء
الله»، ويقول صلى الله عليه وسلم: «إن الله زوى (أي جمع وضم) لي الأرض فرأيت
مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زُوي لي منها»، وفي هذا دليل على
انسياح الإسلام في جميع الديار، ثم يقول صلى الله عليه وسلم: «والله ليبلغن هذا
الأمر ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله الدين
بعز عزيز أو بذل ذليل عزًا يعز الله به الإسلام وذلًا يذل الله به الكفر».
وعن
عبدالله بن عمرو بن العاص أنه قال: بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم
نكتب، إذ سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي المدينتين تفتح أولًا، أقسطنطينية
أم رومية؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مدينة هرقل تفتح أولًا» یعني
«قسطنطينية». ورومية هي روما كما في معجم البلدان، وهي عاصمة إيطاليا اليوم، وقد
تحقق الفتح الأول وهو القسطنطينية -على يد محمد الفاتح- وقد بشر الرسول صلى الله
عليه وسلم بفتحها في حديث مستقل فقال: «لتفتحن القسطنطينية، ولنعم الأمير أميرها..
ولنعم الجيش ذلك الجيش»، وقد تحقق كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم فتح القسطنطينية -عام 1453م وسيتحقق الفتح الثاني وهو رومية، وأحاديث
البشريات كثيرة وهي ليست من أحلام اليقظة، وإنما قد بُنيت على حقائق في هذه الأمة
ستبلغها يومًا.
يقول
روجيه جارودي: «منذ عدة قرون والغرب يسيطر على العالم، ولكنه سيعلن إفلاسه قريبًا؛
لأنه أصبح عنصر إهلاك ودمار لا عنصر حضارة، لقد أنفق في العام الماضي تسعمئة بليون دولار على الأسلحة وفى العام نفسه مات
جوعًا بسبب الفقر وسوء التغذية ثمانون مليون نسمة في مختلف أنحاء العالم، فالجشع
والجنس والعنف والمال، والقومية غدت غايات بذاتها وبتعبير آخر أصبحت آلهة مزيفة
لتلك الحضارة، فإذا نحن انقدنا لتلك الحضارة سنقوم باغتيال أنفسنا وأحفادنا، ولن
نكون قد أنجزنا مهمتنا الَّتي قد أوكلها الله إلينا، وهي خلافته في الأرض، بل نكون
قد خلفنا الشيطان».
والكل
اليوم يرشح الإسلام لتلك الخلافة فهل ستأتي الأمة الَّتي تقوم بالدور الرسالي
الإسلامي ونسمع من جديد قول الحق سبحانه: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ
اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ
الْوَارِثِينَ﴾ (القصص: 5)؟
نسأل
الله ذلك.