العنوان معالم على الطريق: الهجوم على الإسلام.. خطاب العصر المهزوم!!
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 06-سبتمبر-1994
مشاهدات 87
نشر في العدد 1115
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 06-سبتمبر-1994
مما هو معروف أن الهجوم على عقائد الأمة هذه الأيام أصبح موضة العصر
العربي المهزوم نفسيًا وقوميًا في ذلك الزمن البئيس الذي أجهضت فيه كل القيم وكل
التوجهات الفاعلة وكل المشروعات القومية والتحررية والتكنولوجية والاقتصادية في
وطننا الحبيب، ومن المعروف كذلك أن الإرهاب الفكري المسلط على الوطن العربي وعلى
القوى الفاعلة فيه بنوع خاص إسلامية وغير إسلامية، لم يترك بابًا إلا سده، ولا
نافذة إلا أغلقها في وجه أي توجه فاعل، فضلًا عن سماع الرأي الآخر، أو حتى حرية
اختيار البديل لهذا الضياع القومي والفكري والإنساني والعلمي والحضاري الذي تعاني
منه الأمة من زمن بعيد، ومن المعروف أن التوجه الديمقراطي في المنطقة -إلا من رحم
ربك- معطل منذ زمن بعيد، تاركًا مكانه للدكتاتورية والسلطوية في عصر بلغت فيه
الأمة الذروة في استثمار آراء بنيها في كل اتجاه والإفادة من كل طاقة عندها، حتى
جعلت الرأي الآخر مرآة تكشف الخلل والعيوب قبل وقوع الكوارث والنكبات التي تحل
بالأمم والشعوب نتيجة أخطاء أو تجاوزات معينة قد تؤخر الأمة زمنًا أو تقضي على
تقدمها لحساب أشخاص أو أمم أو توجهات.
ومن المعروف كذلك أن التوجه في هذه الأيام ينطلق ضد الهوية الجامعة
للأمة لحساب الانهزاميات والإركاسات التي تعد للأمة في هذه الأيام، والتي يتولاها
كهنة ليس عندهم إلا الخراب والسب والارتماء في أحضان هذا أو ذاك، ولا يعلم أحد إلا
الله ما وراء ذلك من مقابل، كما أنه من المعروف أن الاعتزاز بالأصالة في هذا
البغام والعويل غير المسؤول أصبح جريمة يحاسب عليها أحرار الأمة وأصلاؤها هذه
الأيام، وهذا إذا كان الرجوع إلى الأصالة في الخلق والتاريخ والتراث والشجاعة
والحفاظ على شرف الأمة وحضارتها، أما إذا كان الرجوع إلى الأصالة في الهزر واللهو
واللعب فأهلًا به وأهلًا ومرحبًا به وسهلًا، حتى تزداد الأمة تفسخًا في وقت تحتاج
فيه إلى الجد، وضياعًا في زمن تحتاج فيه إلى الإنتاج والتقدم والنهوض، وفي هذه
الأيام ومع تسارع الخطو إلى هزيمة العصر في تلك الصفقات الاستسلامية التي يتسابق
فيها فرسان النكسات والعمالات يقوم فرسان آخرون للتوهين فيغيرون على معاقل الأمة
الفكرية والعقائدية الحصينة حتى تجتمع على الأمة النكسات من كل جانب سياسية،
ونفسية، واجتماعية، وكأنهم لم يكفهم وضع الأسافين بين القادة والأمم العربية حتى
تمزقت وواجهت مصارعها القومية والسياسية أمام "إسرائيل"، مختلفة متناحرة
فأرادوا أن يمزقوا الشعوب فكريًا ونفسيًا وعقائديًا واجتماعيًا حتى لا تقوم للأمة
قائمة، أو يكون لها مرجعية أو هوية تعمل في يوم من الأيام على النهوض أو الارتفاع
من تلك الكبوات القاتلة التي انحدرت فيها بفعل هؤلاء وهؤلاء وأولئك من التائهين
والغرباء والمهزومين الذين ينعمون بهذا بعد انقلاب السحنة وتبدل الطبيعة، ومسخ
الهوية. وتطالعنا الصحف بين الحين والحين بتلك الأفكار التائهة التي تدل على شيئين
إما على سطحية وعدم فهم للأمور، أو تقدير لها أو حتى فهم للتاريخ أو الواقع
المعاصر، أو على التربص بالأمة والانفلات من هويتها كما تدل على تآمر مفضوح على
مستقبلها ونهضتها الحضارية والفكرية، كما يلاحظ أن هذا النفر يطلق السهام في وجهات
مختلفة منها لمز الإسلام والطعن في تعاليمه وإلصاق كل نقيصة بالمخلصين والعاملين
له أو لأمتهم والمتحملين للتبعات في سبيلها.
هذا المخطط المكشوف والمفضوح إن دل على شيء فإنما يدل على تعاهد
وتعاقد بينهم في هذا الشأن، كما يشير إلى أن هذا صار أسلوبًا دائمًا ما يلتزمه
أصحاب هذه الأقلام الذي يطالعنا الكثير منهم هذه الأيام باللمز في الإسلام
وتعاليمه فيهرطق ويشكك ويفتري على الحدود في الإسلام وكأن الحدود الإسلامية منفذة
الآن أو هي المسؤولة عن تأخر الأمة وعن ضياع شخصيتها وعزتها، ومسؤولة عن تفشي
الجريمة في المجتمع وعن سقوطه إلى الهاوية وانحدار الأخلاق والأذواق، والغريب أنك
تجد في مجتمعاتنا اليوم من يدافع عن الجريمة ويخشى حتى على المجرمين من العقاب حتى
قبل أن يوجد، فهو مثلًا يدافع عن السارق ولا يدافع عن المسروق، ويخشى على اليد
النجسة ولا يميل إلى الأيدي المتوضئة، وحد السرقة هذا الذي يهرفون فيه لا يعرفونه
ولا يدرون كيف ينفذ، فمثلًا لا ينفذ حد السرقة على السارق المحتاج ولا على السارق
من مال له فيه شبهة ملك ولا على مال ليس في حرز، ولا على مال صغير... إلخ.
وكل ذلك له عقوبات نعم... ولكنها عقوبات تعزيرية حسب ما يراه أهل
الرأي والقانون في الأمة، إذن لا يقام حد السرقة أو جملة الحدود إلا في مجتمع
تحققت فيه الرفاهية والكفاية وامتنعت فيه المظالم، وحجبت فيه الشهوات، وتطهرت فيه
النفوس، وعدلت فيه الأخلاق، وانتظمت فيه العادات وصارت الرذيلة نشازًا يستقذر
وتعاف، وأصبحت الجريمة تعديًا لذات التعدي، وإجرامًا لذات الإجرام، وصار الإجرام
حرفة وتعديًا على الحقوق والأعراض، إذن فلا بد أن يوقف ويردع أم يترك مثلا
المجرمون وعصابات السرقة تدخل البيوت وتكسر الخزائن وتروع الآمنين، ويصل الأمر إلى
القضاء ثم تتدخل الرشوة والمحسوبية ويعمل الفساد عمله في الحفاظ على هذا البغي
وإحاطته بالرعاية على حساب الضعفاء والمقهورين والمغمورين.
وأخيرًا.. هذا شرعنا، وهذا قانون العدل للمنحرفين الذي ارتضاه ربنا
إذا تحققت شروطه، وبرزت أسبابه، والأمة لا تبغي بدلًا، فهل تستشار الأمة في ذلك أم
أنكم تريدون إجهاض شرع الله وإجهاض رأي الأمة، وإجهاض أمنها؟ نعم.. ولحساب من؟!!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل