; السيرك الشرق أوسطي يعمل بكفاءة | مجلة المجتمع

العنوان السيرك الشرق أوسطي يعمل بكفاءة

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 24-فبراير-1998

مشاهدات 62

نشر في العدد 1289

نشر في الصفحة 49

الثلاثاء 24-فبراير-1998

     السيرك الشرق أوسطي مازال يعمل بكفاءة عالية، والأمم من شرقها إلى غربها تتفرج على آخر رواياته، وأصحاب السيرك المساكين رغم أنهم جادون في ألعابهم الهزلية، ويحاولون إخراجها إخراجًا يلفت الأنظار، ويثير المشاعر- لا يكسبون شيئًا بل يخسرون، ويضربون ويلعنون، وتضيع مقدراتهم وأموالهم، هذا ورغم أن مسارح السيركات قد ولت وتقدم الناس، وكذلك تكنولوجيا السيركات، فصارت هناك سينما وخيالات وفيديوهات وتلفازات، وقصص وروايات تلفت الأنظار، وتبهر العقول، وتسوق القضايا لصالح صانعيها، إلا أننا ما زلنا نلعب السيرك الهزيل، ونوظف فيه القرود والكلاب والفئران بالأدوار القمينة بدلًا من الممثلين الكبار.

     فهل نستطيع بسيركنا هذا وبنوعية اللاعبين فيه دخول القرن الحادي والعشرين، والسير نحو النهضة المرتقبة والتي تداعب كل عربي ومسلم؟ إن الأمم لا ترتقي أو تنهض إلا بعقول مبدعة تستطيع أن توجد الحلول لكل مشكلة، وما أكثر مشاكلنا، بدل أن تزيد المشاكل وتراكمها حتى ينوء تحتها كاهل الأمة وفي أحسن أحوالها قد تخلق المشاكل، ثم تجلس لحلها وتدعو الناس إلى الصبر والأناة حتى تزول غمتها، وينقشع ظلها، وأمتنا قد ملت الكوارث، وتعبت من تحملها ومن لعن المتسببين فيها والعاملين عليها، والحقيقة أننا برعنا في إيجاد المشاكل، وتفوقنا في تخصصات الكوارث، وأبدعنا في خلق الأزمات، وتركنا كل وسائل العيش الهادئ والتفكير المستقيم، وأصبحنا نحس ويشعر معنا العالم أننا مشكلة أو «أرتكاريا» حياتية لا علاج لها.

     لقد مر على الأمة هذا القرن وهي في نحس دائم، تقوم من داهية لتقع في مصيبة، وتنهض من حفرة لتقع في بئر، وقعت في ظلم العهد التركي، وتخلصت منه بغباء لتجلب الاستعمار الإنجليزي والفرنسي وإخوانه، وتجاهد لتتخلص من هذا الاحتلال فتبتلى بالاحتلال الصهيوني، وتحاول التخلص منه فتقع في العمالة والنفوذ الأمريكي، هذا على الصعيد القومي، وأما على الصعيد القطري فإنها تتململ من المظالم في الحكم فتقع في قبضة الملوك، فتثور عليهم وتتهمهم بالفساد، فتقع في قبضة العسكر، ثم في قبضة الدكتاتوريات، ثم في الديمقراطيات المزورة، أو في سلطات مدجنة، أو في سيركات كاريكاتورية هزلية مضحكة.

إنها لعنة الخمول والجهل وضياع الهوية، ومحنة فقدان الحرية والكرامة والعدل وحقوق الإنسان، إنني أحس أن الإنسان المسلم اليوم قد تجمعت عليه -رغم محنه الكثيرة، وأمراضه المتنوعة- وحوش الغرب، وذئاب الشرق، وكثير من سلطاته التي تتولى أمره وتمسك بزمامه، وكثير من منحرفي مفكريه وفاسقي بني جلدته، ومنافقي بني جنسه وسماسرة بني قومه، وأحيط بسور باطنه فيه الشقوة، وظاهره من قبله العذاب.

     ولقد ساهمت الولايات المتحدة -كطرف أساسي في نظام دولي معاد في الإجمال- في سلب العرب نفطهم بأرخص الأثمان لسنوات طويلة وما زالت، وفي اللعب بمصائرهم بشكل يومي، بفرض سلطات لا تحظى بثقة الشعوب، وليست مؤهلة لإدارة منزل فضلًا عن أمة، وبالدفاع عن آخرين فقدوا تلك الثقة وعم فسادهم وطم، واعتبرت واشنطن كامل المنطقة مزرعة لعسكرييها ولشركاتها الجشعة، أو ضيعة تدر عليهم غلتها وأصحابها إجراء أو عبيد عند الأسياد الأمريكان الذين ما انفكوا ينهبون الموارد، ويهددون بالتدخل هنا وهناك لكسر الإدارات والتلويح بالعقوبات، وكان لواشنطن خلال العقود الأربعة المنصرمة دور أساسي وفعال في كسر وحدة الرأي للمواقف العربية في كل مرة اقتربت هذه الوحدة من التحقق.

     فقسم مشروع إيزنهاور العرب، ثم جاء مشروع روجرز وشرذمهم أيما شرذمة، ثم جاءت سياسة كسينجر واتفاقية كامب ديفيد، وجعلتهم أعداء يلعن بعضهم بعضًا لم احتضنت السياسة الأمريكية المشروع الصهيوني الذي عمل على احتلال أرضهم، وتهديد مقدساتهم احتضانًا لم يسبق لأي دولة في العالم، وجعلت ذلك المشروع ضد العرب وعدوهم الأول، ودججت إسرائيل بالأسلحة الحديثة من الترسانة الأمريكية مباشرة وبحرية مطلقة، بل أصبحت الإدارة الأمريكية رهينة الرضا الصهيوني. 

     وها نحن اليوم يتقدم بنا هذا القهر كل يوم، وكأننا نرجع مستعبدين قرونًا إلى الوراء في عصر تحررت فيه حتى عبدة البقر والحمير، فهل ينفع في مقابل هذا الإذلال سيرك هنا وسيرك هناك، وعنتريات كرتونية غبية هنا أو هناك؟ وهل يجدي قهر الشعوب وإذلالها، أو حرقها وتدميرها هنا وهناك إرضاء لزعامة كذوب أو قيادة لعوب؟ وهل تنفع التصريحات والتلويحات الخاوية من المعنى أو العقل أو الاستعداد، لا وألف لا، إننا نحسب المخلصين بالأعمال الفاعلة العظيمة التي تؤدي ولو إلى كسب (10%) من معركة النهضة أو (15%) من إزاحة كابوس التخلف والقهر والإذلال، وهذا في رأيي لا بد له من خطوات فاعلة: 

أولًا- تفعيل الشعوب بتثبيت كرامتها وإعطائها حريتها، وتفعيل ثقافتها، وظهور حريتها.

ثانيًا- بقيادات لا تخاف أحدًا إلا الله، تمتاز بالعقل والإبداع، والقدرة على مواجهة الشدائد.

 ثالثًا- الوحدة العربية والمساندة الإسلامية، ومؤازرة المخلصين لتفعيل دور الأمة في التضحيات والعطاءات، ولقد أثبتت التجارب، وشهد التاريخ مرارًا أن الأعداء لم يستطيعوا أن ينالوا من الأمة الإسلامية والعربية إلا بعد تفرقها وتنازعها، وهذا ما أثبته ربنا سبحانه: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ (سورة الأنفال: 46)، ولله در القائل:

تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسرا

                              وإذا افترقن تكسرت آحادا

     يجب أن يكون الرد الإستراتيجي على هذا الانهزام هو الوحدة العربية، أو على الأقل التضامن العربي القومي، ويجب أن ينسى الكل نزعاته العنصرية، ويتغلب على صفاته الدونية في سبيل المصلحة العليا، ولقد كان من آخر الكوارث للفرقة والعداوة والتمزق حرب الخليج بين الجار وجاره، والأخ وأخيه، ومجيء العدو ليقوم كاذبًا بدور الصديق، فعمق العداوات، واحتل الديار، وقهر الناس، ولعب على الجراح والآلآم ليحقق أطماعه، ويأخذ ما يريد، ويفعل ما يشاء بغير استحياء. 

     هذا ومازال السيرك حتى كتابة هذه السطور منصوبًا يعمل، ولا أحد يدري متى يسدل الستار، وعلى أي شيء، ولكن متى ستظل الأمة صامتةـ والزمان صامتًا؟ لا أظن، وإن غدًا لناظره قريب.

الرابط المختصر :