; معالم على الطريق.. الديكور الحزبي في مفترق الطرق | مجلة المجتمع

العنوان معالم على الطريق.. الديكور الحزبي في مفترق الطرق

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 08-يونيو-2013

مشاهدات 68

نشر في العدد 2056

نشر في الصفحة 37

السبت 08-يونيو-2013

الأحزاب كانت فيما مضى تماثيل منصوبة وخُشبًا مسندة، وطـبـولًا مـخـروقـة، وصورًا باهتة، وظلالاً شاردة، وزعماؤها قططاً أليفة، ومخلوقات مدجنة، وظهوراً وطيئة، ومراكب مُسرَّجة، وببغاوات ملقنة، تأليف وتلحين السلطات، وصناعات واختراعات الأنظمة وتربية وتعليم للسادة، ورعاية وعناية لأولي الأمر، لا تشتغل بالسياسة، وإنما تشتغل بالقيافة والعيافة والهيافة ولا تشغل نفسها بتدبير الأمور، وإنما تشغل نفسها بإطلاق البخور، وقياس الأتور، لا تستشار في صغير أو كبير، ولا يُسمع لها في جليل أو حقير. 

ويقضى الأمر حين تغيب تيم *** ولا يــســتــأمــرون وهــم شـهـود

لا تحظى بتداول السلطة، ولا بالوصول إلى سدة الحكم، وإنما ترضى أن تكون وصيفات أو غلماناً للسادة، لا تستطيع أن تنكر منكرًا، أو تعترض على فساد، أو تمنع جريمة، أو تدافع عن مظلوم، لأنها لا تسمع ولا تنطق ولا ترى، لا تقدر أن تطالب بإصلاح، أو ترسم طريق فلاح، أو تقترح خطة رشاد ؛ لأنها غير مؤهلة لذلك، ولا مدربة عليه، ولا وُجدت لأجله، ولهذا نعمت حياتنا السياسية بالفشل، وسعدت بالتأخر، وهنئت بالثورات الباطلة والانقلابات البائرة وحكم العسكر، وفازت بالعنف والضرب في المليان!

نعم، لقد غابت شعوب العالم الثالث أو غُيبت، فصنعت لها أحزاب باسمها، وهيئات بتوقيعها، وحكومات تتكلم بلسانها، وترى بعيونها، وبرلمانات ومجالس تتحدث بأمرها وتنطق بإرادتها، وتعرف مصالحها، وتكتم أنفاسها، والحقيقة أن أسوأ نوع من أنواع الاستبداد هو الذي يأتي عن طريق مظاهر تمثيلية أو نيابية، أو ديكورات حزبية، لأنه يكون نظاما مشوها معسولا لقيطا يستبد بالشعب باسم الشعب، ويقتل الأمة باسم الأمة، ويحطمها ويحجب المبدعين ويطلق السفلة والغوغاء وقطاع الطرق فيتكون منهم رأس نظام، ويتألف منهم عقل أمة: 

أي دهر نحن فيه مات فيه الكبراء 

هذه السفلة والغوغاء فينا أمناء 

ما لنا شيء من الأشياء إلا ما تشاء

ضجت الأرض وقد ضجت إلى الله السماء 

رفع الدين وقد هانت على الباغي الدماء

يجب أن تترك الشعوب لتكون هي الأحزاب، لتدافع عن حقوقها، وتحمل توجهاتها، وتحافظ على مصالحها، يجب أن يفسح المجال للشعوب لتتحمل تبعات اختيارها، وتحاسب ممثليها، وتناقشهم وتسقطهم إن أرادت، وتعاقبهم إن رأت ذلك، إن أماتت دور الشعوب أصابها بالإحباط، ووصمها بالسلبية، وحكم عليها باللامبالاة، وحطم فيها الإرادة، وسلبها الهوية والتميز، لقد ألفت حكومات كثيرة أحزابًا مصنوعة حسب إرادتها وشهواتها وخبلها، وسمتها أسماء ما أنزل الله بها من سلطان، وصنعت لها برامج، ودبجت لها أهدافاً عديدة، أحزاباً سميت باشتراكية وقومية وشيوعية، وتحريرية، وتقدمية.. إلخ، وذهبت كأمس الدابر مخلفة وراءها الجراح والخراب والتأخر؛ لأنها من بنات الأهواء والشطحات ولا تمت إلى الأمة بصلة أو نسب، وهل يتصور أن تكون هناك أحزاب وحريات ومعارضة في ظل الأحكام العرفية أو قانون الطوارئ؟ وهل يتصور إنسان أن تجرى انتخابات حرة في ظل حكم عسكري أو سلطوي أو مباحثي أو إرهابي يملك كل شيء حتى الأرزاق، ويعامل الناس بالحديد والنار؟

وقيل انتخاب قلت في الشكل وحده *** كشوف وأصوات وكل معين!

فما ناجح إلا الــــــــراد نجـاحـه *** ولو أنه كل على الناس هين!

لقد بات أمر الناس نهبا مقسمًا *** ولا تطلبوا البرهان فالأمر بين!

فهل يتصور أن تعيش بلاد تحت الأحكام الاستثنائية ستة عقود من الزمن، يقهر فيها الإنسان، وتجهض ملكاته، وتؤكل حقوقه، وتبدد مقدراته، ولا حسيب أو رقيب أو رحمة؟ هل يتصور أن تبلغ هذه البلاد شيئا، أو تنال منالًا، أو تحقق هدفا، أو تبني صناعة، أو تصنع حضارة، أو تكسب رخاء؟

فمثلاً عاشت أرض الكنانة تحت فساد الحكم ردحاً من الزمان، ثم جاء الاستعمار فملك الرقاب وأذل العباد، وأفسد الحياة، ثم جاء بعده الحكومات الوطنية! فسارت على نفس النهج، وقطعت نفس الطريق، وتسببت بكل سبب، وتذرعت بكل وسيلة لتكبل الأمة، وتلغي شخصيتها، فمثلا قانون الطوارئ (رقم ٦٩ الصادر في ٢٥ أغسطس ١٩٣٩م)، صدر بسبب دخول الحلفاء الحرب، وتصور أننا عشنا في بركته حتى الثورة، ونهلنا من عطاءاته حتى قضى الله أمراً آخر، ولقد استمر هذا القانون حتى عام ۱۹۷۲م، باسم «قانون الطوارئ»، وحماية حريات المواطنين ضمن القانون (رقم ۷۳ لسنة ١٩٢٧م)، ثم جاء قانون العيب، ثم قانون الطوارئ ومحاربة الإرهاب، الذي استمر حتى اليوم، ثم لم يكتف بهذه القوانين، فصدرت قوانين أخرى مكملة مثل قانون النقابات والمحاكم الاستثنائية وقانون الصحافة.. إلخ، ثم لا قانون والضرب في المليان، ثم لا تنفيذ لأوامر القضاء والمجلس سيد قراره، ثم.. ثم.

وقد تسأل فتقول: وأين الشعب؟

فأقول: إن الشعوب موجودة وحية وهويتها وعمقها زاهر ومضيء، ولكنها كانت تريد القيادة المخلصة، فحينما طلب من الشعب المصري بعد إلغاء معاهدة ١٩٣٦م مقاطعة الإنجليز ترك ١٠ ألف عامل العمل في معسكرات الإنجليز بغير تردد، دون أن يعلموا شيئا عن مصيرهم المجهول، وهم في حاجة إلى لقمة العيش وحينما قامت الثورة لتحارب الظلم هَبَّ الناس لتأييدها بالنفس والنفيس، ولكنهم بعد ذلك خاب فألهم، وضاع أملهم. 

وتسألني: وأين القيادة الحزبية التي تتصدر العمل الوطني؟

أقول: القيادات الموجودة وقعت في مصيدة التدجين، ونسيت لغة الكفاح الشريف وأصيبت بالحقد على العاملين المخلصين، ولم تتعاون معهم، فهل ستظل أم تتنحي؟

 تنحي فاغربي عني بعيدًا ***  أراح الله منك المؤمنينا

أغربالًا إذا استودعت سرًا *** وكانونا على المتحدثينا 

حياتك ما علمت حياة سوء *** وموتك قد يسر العالمينا

وأما القيادة التي كانت في ظهر الغيب وأرادها الله للأمة اليوم، فهي والحمد الله مؤمنة شريفة كبيرة القلب، حانية الجوانح كثيرة العطاء، شجاعة النفس، متفتحة العقل، تراقب الله في كل شاردة وواردة وتحاسب نفسها قبل أن يحاسبها ربها، وتتأسى بالصالحين في أفعالها وأعمالها، نسأل الله لها التوفيق والسداد .. آمين.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 43

472

الثلاثاء 12-يناير-1971

الشورى أم الاستبداد؟ (3)

نشر في العدد 38

0

الثلاثاء 08-ديسمبر-1970

الشورى  أم الاستبداد!