العنوان ألا هل من همة بدرية تكشف الأذى
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 06-فبراير-1996
مشاهدات 51
نشر في العدد 1187
نشر في الصفحة 51
الثلاثاء 06-فبراير-1996
رأيت الإيمان يصنع الرجال ويبني الأمم وينشئ الأبطال، ويربي العزائم، ويقلب موازين القوى، يعز ذليل ويذل عزيز، ويهدم طغاة، ويبني هداة رأيت ذلك رأي العين خلفه التاريخ، وعاصره وعايشه وعاينه، يصنعهم الإيمان من شتات وبنيهم الإسلام من مزق، ويربيهم الوحي من يأس وضياع، ويعزهم الحق من حطام، لا يطمع إلا في النجاة من التهلكة، ولا يستشرف إلا في الفرار من العذاب، وهذا هو عظمة الإيمان وسر الوحي وجلال الرسالات روى البيهقي وغيره عن أبي بن كعب- رضي الله عنه- قال: «لما قدم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- المدينة وأوتهم الأنصار، رمتهم العرب واليهود عن قوس واحدة، وشمروا لهم عن ساق العداوة والمحاربة، وصاحوا بهم من كل جانب، حتى كان المسلمون لا يبيتون إلا في السلاح، ولا يصبحون إلا فيه»، فقالوا: ترى نعيش حتى نبت مطمئنين لا نخاف إلا الله- عز وجل- فأنزل الله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور: ٥٥)، ولقد كان إيذاء المشركين واليهود للمسلمين بغير حدود، وبدون حياء أو رادع، ولكن إرادة الله ما فتئت تجري سنتها على المؤمنين وتعدهم للشدائد والعزمات فتأمرهم بالصبر والتحمل حتى يصلب العود ويقوى الساعد ﴿۞ لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا ۚ وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (آل عمران: ١٨٦).
وكان العجب كل العجب بعد ذلك كيف انتصرت هذه القلة المستضعفة؟ وكيف تمكنت من بناء نفسها وهزيمة الباطل؟ إنه الإيمان والتربية الربانية والنفحات القدسية التي تسمعها وتراها في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (الأنفال: ٢٦) إنها الدروس التي يجب أن يفقهها أصحاب الإيمان، وأن يتعلمها أهل الدعوات:
تعلموا بني الإسلام سيرتهم
وجددوا ما محا من رسمها القدم
تعلموا كيف تبني مجدها الأمم
وكيف تمضي إلى غاياتها الهمم
تعلموا وخذوا الأنباء صادقة
عن كل ذي أدب بالصدق يتسم
أمن يقول، فما ينفك يكذبكم
كمن إذا قال لم يكذب له قلم
فلما تمكن الإيمان، وقويت الشوكة، واشتد الجناح، أذن للمؤمنين بالتحرك لصد العدوان، ومكافحة البغي، ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ (الحج: ٣٩-٤٠)، وشاء الله أن يكون أول لقاء مع الكفر والبغي نصرًا مدويًا، وفوزًا ساحقًا يعز فيه جنده، ويحقق فيه وعده، وذلك في غزوة بدر الكبرى، ليكون ذلك معلمً ضخمًا في طريق الإيمان، وراية شامخة في التاريخ الإيماني، وقد سمى الله سبحانه يومها «يوم الفرقان» يوم التقى الجمعان.
لقد كان هذا اليوم بحق، يوم انتصار الإرادة الإيمانية، ويوم تحرير الإنسان في الأرض من العبودية، العبودية الوثنية، والعبودية الجاهلية للضعفاء، وعبودية الإنسان للطواغيت، وإخراج الناس من العبودية للعباد إلى العبودية لله وحده بلا شريك، وقد عبر عن هذا بصدق من فهموا هذا الدرس حتى بعد وفاة الرسول- صلى الله عليه وسلم- حيث يقول ربعي بن عامرا لرستم قائد جيش الفرس وهو يسأل ما الذي جاء بكم؟ فقال: «إن الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام»، تخرج الفئة المؤمنة وهي لا تظن حربا، ولكن الله يريد أن يحق الحق بكلماته، ويقطع دابر الكافرين تخرجا إلى المعركة وهي محتسبة متوكلة على الله بفقرها وجوعها وعربها، ولكن معها ربها ورسولها وعزمها، وتخرج الفئة الكافرة ظالمة أشرة بطرة، يقول أبو جهل: «والله لا نرجع حتى نرد ماء بدر فنقيم عليه ثلاثا، فننحر الجزر ونطعم الطعام، ونشرب الخمر، ونعزف القيان وتسمع بنا العرب، فلا يزالون يهابوننا أبدا» يظن بسفهه أنه ما زال ينازل قوما مستضعفين وما علم أن الكتيبة المؤمنة قد تكونت وتدربت وأخذت الإذن الإلهي والتصريح النبوي بالقتال وأن العزائم تتفجر في القلوب، والهمم تغلي في الدماء، ولهذا نرى أولئك الصحب المؤمن في مشاورات الرسول.- صلى الله عليه وسلم- له على صدق النية، وقوة النفس، وصلابة الإيمان، حين يقول الرسول- صلى الله عليه وسلم- أشيروا علي أيها الناس فقال المقداد بن عمرو: يا رسول الله امض لما أمرك الله، فنحن معك، والله لا نقول لك كما قال قوم موسي لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون، ولكن نقول لك اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلو فو الذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك دونه حتى نبلغه»، ثم طلب الرسول مشاورة الانصار فقال سعد بن معاذ: «لقد أمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، إنا لصبر في الحرب، صدق عند اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك فسر على بركة الله.
ونزل الرجال المعركة كأنهم ليوث كواسر في شوق إلى الجنة، ويرمي عمير بن الحمام تمرات كانت في يده قائلًا: «لئن عشت حتى أكل هذه التمرات إنها لحياة طويلة»، ثم ينشد:
ركضا إلى الله بغير زاد
إلى التقى وعمل المعاد
والصبر في الله على الجهاد
وكل زاد عرضة النقاد
غير التقى والبر والرشاد
وتبدأ المعركة، ويتلاطم صناديد قريش بصناديد الإيمان وجباله، وينشد أبو جهل مختالًا قائلًا:
ما تنقم الحرب الشموس مني
بازل عامين حديث سني
لمثل هذا ولدتني أمي
فيعرض له فتى مسلم في سن الرابعة عشرة فيرديه قتيلًا، وتدور الدائرة على المشركين ويهزم الجمع، ويولون الدبر، وياسر المسلمون ويقتلون، ويذل الله الكفر والكافرين، ويعلو الإيمان والمؤمنين، ويولد الجيش الذي سينتصر على العالم، وتتكون الدولة التي ستنشر الحضارة والنور في ربوع الآفاق، ويفرح المؤمنون بنصر الله، ويتحقق وعد الله للمؤمنين، فهل نستطيع أن نسير على السنن ونأخذ العبرة لتاتي الهمة؟:
ألا همة بدرية تكشف الأذى
وتشفي من الهم الذي اهتاج داخله
ألا أمة تنهى النفوس عن الهوى
وتصغي إلى القول الذي أنا قائله
إذا نحن لم نرشد ولم نتبع الهدى
فلا تنكروا يا قوم ما الله فاعله
نسأل الله إيمانًا يشرح الصدر، وبشرى تثلج القلب، ونصرًا يسعد النفس، إنه سميع مجيب (آمين).