; أفهؤلاء المسلمون؟!! | مجلة المجتمع

العنوان أفهؤلاء المسلمون؟!!

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 03-مايو-1994

مشاهدات 61

نشر في العدد 1098

نشر في الصفحة 37

الثلاثاء 03-مايو-1994

المتفحص والمتتبع والمراقب الراصد لأحوال أمتنا اليوم يجد أن هناك خليطًا من الأحاسيس وكثيرًا من التوجهات وعددًا من الأمزجة يسترعي الانتباه ويدعو إلى وقفة مع هذا الخليط المحزن، يجد المتتبع مثلًا نفرًا غير قليل مهزوماً، فكرًا ونفسًا وشعورًا وعزمًا ساقط الهمة هابط الكرامة، منحرف التفكير يقول أنا مع الناس إن أحسنوا أحسنت وإن أساءوا أسأت، ويفلسف هذا الزعم ويضرب له الأمثال العربية والعامية ويدلل عليه بواقع الحياة المعاشة، وحوادث الأيام النحسات.

ونجد صنفًا آخر لا يلفته إلا بطنه وفرجه ومتاعه ورياشه، ومكانته ومنصبه، يفعل في سبيل ذلك الأفاعيل ويبيع من أجل ذلك كل مرتخص وغال، وهؤلاء كثرة كاثرة اليوم، من مثقف متغرب يرسخ خطة التفسيق وينتظر الانفتاح والتطبيع ليملأ بطنه وجيبه ويشبع نهمته ومن أديب مرتزق يعيد للأذهان قصة المتزلفين من الشعراء الهائمين في كل واد وناد، ومن ثائر يحترف النضال في المقاهي، ويلملم شعث الشعوب ليسلمها إلى من يدفع أكثر، ومن طغاة خنقوا الهمة في الشعوب ومرغوا كبرياءها في الحضيض والذل والهوان حتى غدت:

رمل تداخل بعضه في بعضه ** حتى غدا كالصخرة الصماء

لا الريح ترفعها إلى الأعلى ولا ** النيران تمنعها من الإغفاء

وتجد صنفًا آخر قد تدين بالشعائر وكفر بما عداه وسبه وجرمه، فإذا خوطب بالقرآن الشامل والمنهج الكامل قال قولة السالفين المكذبين:

﴿مَا سَمِعۡنَا بِهَٰذَا فِي ٱلۡمِلَّةِ ٱلۡأٓخِرَةِ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا ٱخۡتِلَٰقٌ﴾(ص: 7) وصنف آخر وآخر، فقلت:

 أهؤلاء المسلمون؟!

 أبدًا تكذبني وترجمني الحقائق والظنون

أبدًا وكيف وفي يمينهم كتاب لا يهون

أبدًا وكيف؟ ودون سطوته وتنتحر القرون

ويبيد طغيان العتاة ويهلك المتجبرون

ويخر بين يديه من وهج الضياء الغاشمون

الفاسدون المفسدون الظالمون المظلمون

الشاربون الدمع ممن في المجازر يصرخون

السائقون الخلق كالقطعان ساجدة العيون

مبهورة منهورة بالسوط تجهل ما يكون

بلهاء روعها الصدى واجتاح قينتها الجنون

وأحالها عدمًا يكبر للردى.. لو تسمعون

من هؤلاء الخانعون أفهؤلاء المسلمون؟!

أبدًا تكذبني وترجمني الحقائق والظنون

أنا منهمو لكنني نغم بسمعهم شريد

ربضت به الأصفاد طحنته غمغمة العبيد

وجؤار شرق مبدئ بأنين أمته معيد

أبكي عليهم أم على غد يكبلني شديد!

عات تروضنا حضارته لكل هوى مبيد

ولكل من يحيي لنا الإسلام في كفن جديد

نسجته أخيلة العصور السود من زمن بعيد

لتحيل دين محمد وهمًا على نعش مجيد!

من هؤلاء الهالكون؟ أفهؤلاء المسلمون؟

أبدًا تكذبني وترجمني الحقائق والظنون

من كان للإسلام فليضرب بمعوله الفساد

ويصيح باللص العتي كفاك من شبع وزاد

ويصيح بالفساق إياكم وأعراض العباد

ويصيح بالطاغين أسرفتم لكل مدى نفاد

ويصيح بالباغين ويحكم لقد ذهب الرقاد

ويصيح بالغادين ويلكم إذا حان الحصاد

وطواكم حد المناجل بين أذرعة شداد

ونظرتم فإذا الظلام عليكم حنق السواد

ريح مصرصرة الزئير كأختها في يوم عاد

تسقيكم من ويلها وخرابها حمم الرشاد

من هؤلاء التائهون الضائعون الخانعون الهالكون الصاغرون؟ أفهؤلاء المسلمون التائبون العابدون الراكعون الساجدون؟؟

 أبدًا تكذبني وترجمني الحقائق والظنون.

نعم فمن يحمل النور إلينا؟

 ويناجي في زمان الجدب غيمًا؟

 ويشق الصخر نصفين، ويخطو في ضجيج الليل ضيًّا؟

 ديننا نور يحول هذي الأرض ريًّا.

هدينا جداول من حروف الأنبياء وثمار من حقول الأتقياء الأنقياء!!

فهل تسمع الأمة صوت الداعية الأول من جديد يناديها بصوته الحبيب ونبرته الحانية: «أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب»، وهل تتنادى الأمة في الملمات ويتجمع الأنصار من جديد في الأزمات على صوت المتقدم الفاتح: «يا أصحاب بيعة العقبة يا أصحاب بيعة الرضوان يا أصحاب سورة البقرة» فتتقدم العزائم المخلصة، لأنه عندما ينهزم الكم ويجرف السيل الغثاء لابد وأن يبحث عن الكيف وأن يعتمد على اللبنات المخلصة فتهب ملبية للنداء:

جئنا بكل عيوبنا وذنوبنا مستغفرين

جئنا برغم جراحنا نرضى به دنيا ودين

نسجت خيوط جناحنا آمال كل المسلمين

فحياتنا وهم بدونك أمتي لو تعلمين

حينئذ سيأتي المسلمون من كل فج يهرعون من حيث تعلمون أو لا تعلمون إلى العلا مشمرين فتنطق الأزمان والأكوان: أهؤلاء هم المسلمون.. المسلمون القادمون!

 

الرابط المختصر :