; معالم على الطريق آلام وآمال على الطريق | مجلة المجتمع

العنوان معالم على الطريق آلام وآمال على الطريق

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 17-مايو-2003

مشاهدات 60

نشر في العدد 1551

نشر في الصفحة 49

السبت 17-مايو-2003

 عشنا الآلام الكثيرة التي مرت بالأمة، وشهدنا تقسيم الاستعمار لها إلى دويلات ثم ابتلاعها دولة بعد الأخرى، وصار يولي ويعزل السلطات والحكام كما يحب ويهوى، حتى كان المندوب السامي يأمر فلا مرد لقوله وينهى فلا عاصي لنهيه، يقرب العملاء ويقتل الأحرار، يحاسب من يشاء ويعفو عمن يشاء، ويأخذ ما يشاء ويدع ما يشاء، حتى دار الناس من الذل والقهر حوله، وقصد القاصي والداني فلكه، والتفوا حول فتاتة، وسيمت الشعوب الخسف والجور وحلبوا كما تحلب الشاة، وسحبوا كما تسحب الأنعام للذبح والسلخ فكم مات منهم في أعمال السخرة؟ وتحت القمع وفي الحروب التي لا ناقة لهم فيها ولا جمل؟ وكم خدموا الاستعمار وأعوانه، وعملوا لإسعاده ورفاهيته، وما نالهم إلا القهر والذل والحرمان الذي كان أهون منه الموت الزؤام.

   ذل من يغبط الذليل بعيش ****رب عيش أخف منه الحمام 

مرت هذه الحقب العجاب ثقيلة بكلكلها، كسيفة الشمس خسيفة الأقمار، تتلاطم في ليلها ظلمات بعضها فوق بعض حتى ظن الناس أن الهلكة آتية وأن الحاقة قادمة، فإذا بالمارد الإسلامي يتحرك، وينفخ الروح في الجسد المتهالك والأمة المترنحة، ويتمثل في النهضة الإسلامية والشبيبة المؤمنة، وحركات التحرر الإسلامية التي طوت جحافل الاستعمار الغربي إنجليزيًا وفرنسيًا وإيطاليا وإسبانيًا، إلخ. 

ولكن للأسف لم تستطع الأمة المحافظة على هذا الزخم الروحي والحضاري، ولا على هذه الفتوة الناهضة فسمحت للدكتاتوريات التي تبنت الشيوعية دينًا أو الاشتراكية مذهبًا، أن تتسلم دفة الرئاسة في الأمة، ودفعها الاستعمار المتربص من جديد إلى خدمة أغراضه، فانفصلت عن شعوبها، فغازلها رويدًا رويدًا إلى أن دخلت شباكه وصارت لحمة منه يحميها ويدافع عنها، حتى صار سندها الوحيد وعقلها المدير، ولما اطمأن إلى ذلك امتدت يده إلى كل مقدرات الأمة، وإلى كل ثوابتها ومقدساتها، رضي من رضي وهلك من هلك.

 وبدأت حقبة جديدة اليوم، وعدنا والعود غير أحمد، وواجهنا تحالف القيادة الغربية مع العنصرية الصهيونية، وبدأت مرحلة احتواء الشرق الإسلامي ومغالبة المقاومة الإسلامية التي تريد أن تنهض من جديد لدفع هذا الخطر الداهم، ومواجهة هذه الفاجعة التي تتصاعد من سياسة القوة إلى سياسة غطرسة القوة إلى مرحلة جنون القوة، التي لا يقف أمامها قانون ولا دستور، ولا حتى قوى دولية في شهوة تنفيذ مطامعها الشخصية والعنصرية.

وهي في سبيل ذلك تسقط من تشاء وتولي من تشاء، وتأخذ ما تشاء بمزاعم مفضوحة وكاذبة عند الجميع، ولكن من يردعها؟

 أهي الشعوب المقهورة المظلومة المستباحة من سلطاتها، أم السلطات التي ترزح تحت أثقال من المظالم والمطامع التي لا حل إلا بتغيير جذري لا تريده ولا تسعى إليه، ودونه خرط القتاد؟، وفي النهاية الكل خاسر وضائع، وإذا سأل سائل ما الحل؟ وماذا ينبغي السير في ركابها؟، نقول له وبكل عفوية وبداهة: حل الأزمات بيد الشعوب والأمة الإسلامية تعرف الحل، وتاريخها المجيد يلوح به، وما حك جلدك مثل ظفرك، وما يدفع البلاء إلا السواعد الفنية والعزائم القوية فالباطل هو الباطل، وإن اختلفت أساليبه والحق هو الحق وإن كثر أعداؤه وتنوعت ألاعيبه. 

فالحق دائما منتصر إذا حمله ﴿ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ ﴾ (الاحزاب: ۲۳)، ﴿ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ۚ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ ( الأنبياء: ١٨) ﴿ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ۚ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾، ( الرعد: 17).

وهل جال بخلد أحد يوم بدأ الإسلام دعوته في مكة أن أعلام أبي جهل وأبي لهب ستنكس وتنحدر، وأن أعلام ياسر وبلال ستعلو وترتفع؟ وهل ظنت قريش أن اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ستهوي وتندحر، وأن صوت بلال سيعلو فوق ربى مكة مدويًا في أرجائها مجلجلًا في جنباتها مناديًا الشرق والغرب أنه لا إله إلا الله محمد رسول الله؟ لا أظن ذلك، ولكنها الحقيقة التي مازالت ماثلة للعيان، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله، والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون.

 وليس في الإسلام إذا بغي عليه إلا النصر أو الشهادة ﴿ وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (الأنفال: 16)، ولا يعيش المسلم أو يموت إلا مرفوع الرأس أمام خصمه، خفاق الراية في دياره ووطنه ليس هذا فقط بل إن المسلمين أصحاب أهداف يسعون إليها ولا يقيمون وزنًا للأشواك التي تتعلق بثيابهم أثناء المسيرة، ولا بالعوائق والصخور التي توضع في طريقهم، ولا بالجيوش والكتائب التي تملأ الآفاق حولهم ﴿ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾(البقرة: 249).

 والمؤمن له مكنوناته التي لا تنفصل عنه.. منها:

-1  أنه لا يستهين بنفسه ولا تقعده قوة عدوه والحياة حركة والتوقف موات والتراخي فوات وما بعد التحفيز إلا الجنة، وما بعد القعود إلا النار ﴿ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ﴾ (غافر: 31). 

 -2أن الجهاد جزء من كيانه ودينه، وأن مقارعة الباطل تؤهله لأعلى درجات الجنان والجهاد درجات وأنواع، فالاهتمام بأمر المسلمين جهاد والأمر بالمعروف جهاد ومساعدة المجاهدين والعاملين لله جهاد، وجهاد العدو من أعلى درجاته ﴿ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ۚ هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾  (الحج: ۷۸).  

-3 أن المسلم صاحب أمل عريض، فهو مبلغ عن الله  ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ۚ ﴾ (الانفال:39) ومبعوث العدالة المكلف بإقامتها حتى يزال الظلم وينعم الناس بالحياة الكريمة ﴿ كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ﴾ (النساء : ١٣٥).. فهل ترى معي أن قومة المسلم اليوم هي الأمل بعد الألم إن شاء الله؟.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل