العنوان كيف سترفع أعمالنا في شعبان؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 01-سبتمبر-2007
مشاهدات 81
نشر في العدد 1767
نشر في الصفحة 37
السبت 01-سبتمبر-2007
إن الأوقات المباركة التي تظلنا هذه الأيام تحتاج منا إلى العمل الصالح، وتقتضي وقفات ومراجعات للنفس، ثم لأعمالنا وأفعالنا، لأنها ستكون شاهدًا لنا أو علينا عند الله وعند الناس، وشهر شعبان فيه من الوقفات ما يسترعي الانتباه؛ حيث ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، ويكتب الله فيه آجال الأنفس ويغفر فيه للتائبين.
وقد ورد أن الحق سبحانه وتعالى ينزل في هذه الأوقات إلى السماء الدنيا، ويقول ألا من مستغفر فأغفر له؟! ألا من مستزرق فارزقه؟! ألا من مبتلى فأعافيه؟ ألا كذا ألا كذا حتى يطلع الفجر.
أما رفع الأعمال فقد روي عن أسامة بن زيد قال قلت يا رسول الله لم أرك تصوم في شهر من الشهور ما تصوم في شعبان؟ «قال ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى الله، وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم».
ولا أدري والله ما تلك الأعمال التي سترفع من أمتنا!! أهي الغش والزور والمظالم؟! أهي أعمال التعذيب للناس حتى الموت؟! أهي ركل العدالة، وضرب القضاة؟! أهي فتح السجون والمعتقلات للشرفاء والنبهاء المخلصين؟! أهي المحاكمات الظالمة والقضايا الملفقة؟! أهي الاستيلاء على أموال الناس ظلما وبهتانا؟! أهي بيع فلسطين والارتماء في أحضان إسرائيل؟! أهي ضرب المقاومة وتصفية المدافعين عن المسجد الأقصى؟! أهي إرسال الأسلحة إلى الخونة والعملاء؟! أهي أعمال الجبن والانتكاس عن أفعال الخير؟! أهي خراب البيوت وتيتم الأطفال وتشتيت الأسر وضياع الأمن الاستقرار؟! أهي زوار الفجر والصبح والظهر والحرمات المباحة؟! أهي قطع الألسن وكبت الحريات؟! أهي بيع المؤسسات وتشريد العاملين؟! أهي الدساتير والقوانين التي تكرس الفساد وتحمي الفجار والمجرمين؟! أهو الغلاء والإهمال وترك الناس للمجهول؟! هذا وغيره الكثير الذي يستجلب غضب الحق سبحانه ويستنزل نقمته وعذابه.
إذن فالسعيد من فعل الخير، وقدم البر ورفعت له الأعمال الصالحة والشقي من أتعس نفسه بالأفعال الخبيثة، والأعمال السيئة، على هذا فتلك الأعمال إما أن تسعد الأمة، وإما أن تتعسها، فمن أراد أن يرى مستقبل أمة وينظر إلى واقعها، فلينظر إلى أعمالها، ويقرأ صحيفتها، ولا يظلم ربك أحدًا.
وأما كتابة الآجال، فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ كان يصوم شعبان كله فقالت: قلت يا رسول الله أحب الشهور إليك أن تصوم شعبان؟ قال: «إن الله يكتب فيه كل نفس ميتة تلك السنة، فأحب أن يأتيني أجلي وأنا صائم».
ولا ندري، ولا يدري أحد إلا الله، من من هؤلاء المتحكمين في رقاب الناس قد قضي أجله، وهو لا يدري وقد جاءت ساعته وهو تائه مغرور.
كم من فرعون حين وافاه أجله قال: تبت الآن، وقال له عمله ورد عليه ربه ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (يونس: 91) قد غرتك دنياك الظالمة، ونفسك اللعوب، وهواك الجامح، فنسيت الموت ونسيت العهد الذي علق في رقبتك والميثاق الذي أخذ عليك.
وقيل: إن الله تعالى أسر إلى عبده سرين على سبيل الإلهام: أحدهما، إذا خرج من بطن أمه يقول له عبدي قد أخرجتك إلى الدنيا طاهرًا نظيفًا استودعتك عمرك وائتمنتك عليه، فانظر كيف تحفظ الأمانة وانظر كيف تلقائي. والثاني عند خروج روحه يقول عبدي ماذا صنعت في أمانتي عندك؟ هل حفظتها حتى تلقاني على العهد، فألقاك على الوفاء أو أضعتها فألقاك بالمطالبة والعقاب؟ وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾(البقرة: 40)
وبقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ (المؤمنون: 8)، فهل حفظ الظالم الأمانة، وهل يدري وهو في شهر شعبان الذي تكتب فيه الآجال، هل سيمر عليه العام أم أن أجله قد سجل في كشوف الأموات وهو لا يدري؟!
وعلى هذا فليرفع كل مسلم من الآن وطوال شهر رمضان بل طوال حياته أكف الضراعة إلى الله داعيًا:
اللهم لك الحمد يا ذا المن والطول والآلاء والسعة، إليك توجهنا وبفنائك أنخنا ولمعروفك تعرضنا، وبقربك نزلنا يا حبيب التائبين، ويا سرور العابدين، ويا أنيس المستوحشين ويا حرز اللاجئين، ويا ظهر المنقطعين، ويا من حبب إليه قلوب العارفين وبه أنست أفئدة الصديقين، وعليه عطفت رهبة الخائفين، ويا من أذاق قلوب العابدين لذيذ الحمد، وحلاوة الانقطاع إليه، يا من يقبل من تاب ويعفو عمن أناب، ويدعو المولين كرما، ويرفع المقبلين إليه تفضلا، يا من يتأنى على الخاطئين، ويحلم عن الجاهلين، ويا من حل عقدة الرغبة من قلوب أوليائه، ومحا شهوة الدنيا عن فكر قلوب خاصته وأهل محبته، ومنحهم منازل القرب والولاية، ويا من لا يضيع مطيعًا، ولا ينسى صبيا، يا من منح بالنوال ويا من جاد بالاتصال، يا ذا الذي استدرك بالتوبة ذنوبنا، وكشف بالرحمة غمومنا، وصفح عن جرمنا بعد جهلنا، وأحسن إلينا بعد إساءتنا، يا أنس وحشتنا، ويا طيب سقمنا يا غياث من أسقط بيده، وتمكن حبل المعاصي وأسفر خدر الحيا عن وجهه، هب خدودنا للتراب بين يديك، يا خير من قدر وأراف من رحم وعفا.
اللهم اجعلنا من الذين سرحت أرواحهم في العلا، وحطت همم قلوبهم في مغلبات الهوى حتى أناخوا في رياض النعيم وجنوا من ثمار التسنيم. اللهم اجعلنا من الذين شربوا بكأس الصفا فأورثهم الصبر على طول البلاء، حتى توليت قلوبهم في الملكوت وجالت بين سرائر حجب الجبروت ومالت أرواحهم في ظل برد نسيم المشتاقين الذين أناخوا في رياض الراحة ومعدن العز وعرصات المخلدين.. اللهم آمين.