; حول الفارس الذي ترجل | مجلة المجتمع

العنوان حول الفارس الذي ترجل

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 24-يناير-2004

مشاهدات 69

نشر في العدد 1586

نشر في الصفحة 47

السبت 24-يناير-2004

موت رجل فذ في أزمنة النخاسة رزء كبير، ورحيل فارس صلب في ساحات الانبطاح خسارة فادحة، وفقدان قائد عظيم وسط النكسات والملمات خطب جلل تراع له الأمة، وتذهل له الجماهير، ولهذا كان فقد المرشد العام للإخوان المسلمين المستشار محمد المأمون الهضيبي فاجعة أصابت الجموع بالهلع فسارعوا إلى وداعه، كما تقول وكالات الأنباء رغم عدم تمكن الآلاف من أنصار الجماعة من حضور الجنازة بسبب الوفاة المفاجئة للمرشد العام فجر الجمعة التي كان الوداع في صبيحتها خصوصًا جموع المحافظات المصرية المختلفة، فقد حضر الجنازة حشد كبير من أنصار الجماعة ومحبيها الذين تدفقوا لوداع الرجل من كل حدب وصوب. على الرغم من إغلاق قوات الأمن المصرية العديد من الطرق الرئيسة حول مسجد الوداع.

وقد تفاوتت تقديرات الإعلاميين المشاركين في تغطية الجنازة حول عدد المشيعين، حيث قدرت أعداد المصلين بين نصف المليون والمليون، وقد حرصت قوات الأمن على تطويق مكان الجنازة، ومكان المقابر بشكل دقيق بآلاف الجنود والسيارات، ولو تأخر تشييع الجثمان قليلًا للحق بالمودعين للرجل ملايين أخرى. فكان هذا علوًا في الحياة وفي الممات لحق تلك إحدى المكرمات. ولقد كان للرجل نفس أبية سلكت به طرق الكفاح والنضال من أجل دينه وعقيدته، وانطلق على سجيته يحمل دعوته بعزة وأنفة، لا يتكلفها ولا يقلد فيها أحدًا، فهو من بيت أراد المسيرة الخيرة وتحمل في سبيلها ما تنوء منه الرواسي ولم يطأطئ للظلم رأسًا، أو يحني له هامة، بل عايش الإسلام الجريح يكفكف دمعه ويطبب جراحه ويحمل همه ويحوطه ويفديه حتى تخطى العقبة الكؤود، فلا عجب أن يكون الشبل من الأسد، والشيء من معدنه لا يستغرب ولا غرابة أن تركل الرجال بأقدامها المناصب والوجاهات الفارغة، وتترفع عن الإغراءات المادية الفارهة لتعيش لفكرة ورسالة، وترفع وعي أمة. وترد هوية جيل ليعيد المجد التليد، ويتصل اللاحقون بالسابقين لتسمع قول الشافعي مرة أخرى في مواقف الإباء:

أمطري لؤلؤًا سماء سرنديب                       وأخرجي آبار تكرور تبرا

أنا إن عشت لست أعدم قوتًا                       ولكن من لست أعدم قبرا

همتي همة الملوك ونفسي                    نفس حر ترى المذلة كفرا

لقد عاش الهضيبي سنين خداع، وأزمان فساد، وبغي ونكران للرجال والعزائم، فما لانت لهم عريكة، أو تضعضع لهم عزم، وهذا بلا شك قدر الرجال، وميدان الهمم وصدق رسول الله rإذ ينبه إلى ذلك فيقول: إنها ستأتي على الناس سنون خداعة يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق يؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة قيل وما الرويبضة؟ قال: السفيه يتكلم في أمر العامة، وقد جمعت أزماننا هذه للأسف - كل ذلك، وعليه مزيد من الظلم والبغي والوضاعة والانحلال والانحدار، والتفتن في الأذى والفساد الذي قد فاق أعمال الأبالسة والشياطين وصدق الشاعر:

وكنت أمرًا من جند إبليس فارتقى 

 

بي الدهر حتى صار إبليس من جندي

 فلو مات قبلي كنت أحسن بعده

 

طرائق فسق ليس يحسنها بعدي

فهؤلاء الأبالسة والشياطين هم الذين أضاعوا الهمم، وعلموا الناس القعود عن المكرمات وكانوا أمثلة سوء وبهتان لا يحرصون إلا على الكراسي يبيعون في سبيلها كل شيء، فنبذتهم الشعوب فهربوا منها إلى الأعداء، وكانوا مثلما قال ابن حزم في ملوك الأندلس المندحرين الحريصين على ملذاتهم وعروشهم المنهارة: والله لو علموا أن في عبادة الصلبان تمشية أمورهم لبادروا إليها، فنحن نراهم يستمدون النصارى فيمكنونهم من حرم المسلمين وأبنائهم، وربما أعطوهم المدن والقلاع طوعًا، فأخلوها من الإسلام، وعمروها بالنواقيس» انظر رسائل ابن حزم ٣/٧٦

حتى قال قائلهم: رعي الخنازير أولى من رعي الجمال، ويا بئس ما صاروا وصار أمرهم ويا بئس ما حلوا وحل بنا حتى رأينا من هو أحط من ابن عبد الله الصغير الذي ضاعت على يديه الأندلس فبكي، وقالت له أمه ابك بكاء النساء على ملك لم تحافظ عليه مثل الرجال ونحن نرى اليوم من يهرول إلى إسرائيل أو إلى المستعمرين حتى جاءونا بالعار:

 جاؤوا يسوقهم الأعادي عنوة                  فهم لهم بين الأنام ذيول 

جاؤوا ويا بئس المجيء كأنهم                 حمر تساق إلى الردى وعجول

فمن لهذا الكم الخبيث إلا الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلًا، وبعد الانحدار والهبوط والضياع يكون الجهد والعمل والكفاح، وهو بلا شك عراك شديد ومغالبة طاحنة، يستعمل الباطل فيها كل الأسلحة، كما يقول الإمام البنا  استقف في وجوهكم كل الحكومات على السواء. وستحاول كل حكومة أن تحد من نشاطكم وتضع العراقيل في طريقكم وسيتذرع الغاصبون بكل طريق لمناهضتكم، وإطفاء نور دعوتكم، وسيستعينون في ذلك بالحكومات الضعيفة، والأيدي الممتدة إليهم بالسؤال، وإليكم بالإساءة والعدوان إلخ، حتى يقول ستسجنون وتعتقلون وتنقلون وتشردون وتصادر مصالحكم وتعطل أعمالكم، وتفتش بيوتكم وقد يطول بكم مدى هذا الامتحان

فأي رجال هؤلاء الذين يصمدون أمام هذا الصراع الطويل الشاق الذي دام نحو ٦٠ عامًا، وأي قيادة تلك التي تصارع الأهوال والعواصف الهوج وتترك المغريات لتقاوم حتى الجاهلين من المتدينين الذين حسبوا الإسلام ركعات خاوية، واستغفارًا يحتاج إلى استغفار عن أبي مسعود مرفوعًا سيكون في آخر الزمان قوم يجلسون في المساجد حلقًا حلقًا إمامهم الدنيا فلا تجالسوهم، فإنه ليس لله فيهم حاجة صحيح، لقد قاد الإمام حسن الهضيبي السفينة في وسط العواصف الهوج، وتسلمها الرجال بعده فأحسنوا ووفوا وصدقوا وتسلمها الأستاذ مأمون الهضيبي رافع الرأس شديدًا في الله، ضعيفًا في حظوظ النفس غير هياب، ولا وجل، فقالوا شديد فقلت في الحق وعلى الباطل، فلا تلوموه، لأن القيادة هي الحزم مع الرأفة، والشدة مع اللين، حتى يستقيم المعوج وينهض الكسول.

 دعوه لا تلوموه دعوه                          فقد علم الذي لم تعلموه

رأى علم الهدى فسما إليه                    وطالب مطلبًا لم تطلبوه

بنفسي ذاك من فطن لبيب                    تذوق مطعمًا لم تطعموه

أخي وحبيبي عزيز على فقدك والحاجة إليك ماسة، والكفاح يحتاج إلى عزمك وبطولتك وحزمك، ولكنها إرادة الله وحسبنا أنك لقيت ربك مجاهدًا إلى آخر دقيقة في عمرك المجيد، لقيته وأنت تحمل أشرف رسالة، وأعظم تبعة، فهنيئًا لك هذا التكريم الذي حباك الله به، وهنيئًا لك جوارك مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا، والحمد لله رب العالمين وإنا لله وإنا إليه راجعون.

الرابط المختصر :