; معالم المنهج في العقيدة عند الإمام البنا.. دراسات في فقه الدعوة | مجلة المجتمع

العنوان معالم المنهج في العقيدة عند الإمام البنا.. دراسات في فقه الدعوة

الكاتب د.عصام البشير

تاريخ النشر الثلاثاء 05-ديسمبر-1989

مشاهدات 71

نشر في العدد 944

نشر في الصفحة 47

الثلاثاء 05-ديسمبر-1989

  • مباحث العقيدة نالت اهتمامًا بالغًا في الأصول العشرين.
  • المعرفة النقلية مصدرها الوحي بشقيه الكتاب والسنة.
  • العقيدة في منهج الإمام البنا لا تؤخذ أجزاء بل هي منهج عضوي في إطار بناء متكامل.

الدعوة إلى بناء العقيدة باعتماد منهج السلف الصالح: أما حثه عليها فقد قال في الأصل السابع عشر «العقيدة أساس العمل، وعمل القلب أهم من عمل الجارحة وتحصيل الكمال في كليهما مطلوب شرعًا وإن اختلفت مرتبتا الطلب». قال تعالى ﴿وَلَقَدۡ أُوحِيَ إِلَيۡكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكَ لَئِنۡ أَشۡرَكۡتَ لَيَحۡبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ بَلِ ٱللَّهَ فَٱعۡبُدۡ وَكُن مِّنَ ٱلشَّٰكِرِينَ﴾ (الزمر: ٦٥– 66)

وأما عمل القلب فقد قال تعالى ﴿لَّا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغۡوِ فِيٓ أَيۡمَٰنِكُمۡ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتۡ قُلُوبُكُمۡۗ﴾ (البقرة آية ٢٢٥) وإذا حلت الهداية قلبًا نشطت للعبادة الأعضاء.

بيان أهمية رباطها:

«وأريد بالإخوة أن ترتبط القلوب برباط العقيدة، والعقيدة أوثق الروابط وأقواها»(1).

«إن أول درجة من درجات القوة العقيدة والإيمان»(2).

بيان أهمية دعوة الناس إليها:

«لب دعوتهم فكرة وعقيدة يقذفون بها نفوس الناس، ليتربى عليها الرأي العام وتؤمن بها القلوب وتجتمع من حولها الأرواح»(3).

أصدر -رحمه الله- رسالتين، كانت إحداهما حول «العقيدة في الله» والثانية رسالة العقائد كان من المقرر أن تحتوي على أربعة أقسام رئيسة وهي:

1- الإلهيات: وتبحث فيما يتعلق بالإله سبحانه وتعالى من حيث صفاته وأسمائه وأفعاله وما يستلزمه اعتقاد من العبد لمولاه.

2- النبوات: وتبحث في كل ما يتعلق بالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم من حيث صفاتهم وعصمتهم ومهماتهم ورسالاتهم.

ويلحق بهذا القسم ما يتعلق بالأولياء والمعجزة والكرامة.

3- الروحانيات: وتبحث فيما يتصل بالعالم غير المادي كالملائكة عليهم السلام والجن والروح.

4- السمعيات وتبحث فيما يتعلق بالحياة البرزخية كأحوال القبر والدار والآخرة كعلامات الساعة، والبعث والموقف والجزاء.

 والرسالة المطبوعة باسم «العقائد» اشتملت على القسم الأول فقط وهو قسم «الإلهيات».

اهتمام وتركيز

تركيزه عليها من خلال الأصول العشرين:

- الناظر المتأمل إلى الأصول العشرين يدرك أن مباحث العقيدة قد نالت اهتمامًا بالغًا، وتركيزًا مكثفًا بتوضيح معالمها، وتأسيسها وأهميتها.

ففي الأصل الأول: موقع العقيدة في إطار المنهج الشامل.

وفي الأصل الثاني: بيان الأصلين اللذين تستقي منهما العقيدة والأخلاق والعادة والتشريع.

وفي الأصل العاشر: ذكر التوحيد بأنواعه – الربوبية – الألوهية – الأسماء والصفات.

وفي الأصل الرابع والحادي عشر والرابع عشر ذكر ما يخل بتوحيد العبادة.

وفي الأصل الثالث والسابع عشر ذكر أثر العقيدة في النفوس وبيان لارتباط العقيدة بالعمل.

وفي الأصل الثامن عشر والتاسع عشر – ذكر طريقي المعرفة الشرعية، والوضعية.

وفي الأصل العشرين: - نواقص الإيمان والعقيدة.

وفي الأصل الثالث عشر: - في الأولياء والصالحين.

وفي الأصل التاسع: - تقرير منهج السلف في السكوت عما لا يبنى عليه عمل.

سمات منهجه في عرض العقيدة

أولًا: اعتماده منهج القرآن الكريم والسنة المطهرة والسلف الصالح بعيدًا عن اصطلاحات الجدليين والكلاميين. وقد تعددت أقواله واستفاضت في تأكيد هذا المنهج.

أ- يقول رحمه الله «لن ألجأ إلى المصطلحات الفنية التي تواضع عليها العلماء المختصون بعلم الكلام، ولن أحاول الخوض في النظريات الفلسفية، أو الأساليب المنطقية التي درج عليها المتكلمون حين يعالجون مثل هذه الموضوعات، ولكني سألجأ إلى القرآن الكريم، وإلى السنة المطهرة، وإلى ما عرفنا من سيرة الصدر الأول من المؤمنين بهذا الدين، وهم لا شك أصفى الناس فطرة وألينهم قلوبًا، وأدقهم إدراكًا للمقاصد وأعرفهم بمواقع الألفاظ، والجمل والتراكيب، وأعذبهم تذوقًا لدقائق المعاني والمشاعر».

ب- ويقول في موضع آخر: وأعتقد أن من واجبنا أن نعود سريعًا إلى ما كان عليه سلفنا الصالحون وأن نستقي العقيدة من هذا النبع الصافي الذي لا لبس فيه ولا غموض»(4).

ج- ويقول «وعمادنا في ذلك كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه والسنة الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والسيرة المطهرة لسلف هذه الأمة»(5).

د- ويرى «الاعتماد على طريقة الكريم والرسول صلى الله عليه وسلم في توصيل العقائد الدينية إلى النفوس، واستيلائها على المشاعر والقلوب دون تعمق في الألفاظ أو تشعب في البحوث، أو إيراد للآراء والمذاهب أو خوض في مصطلحات الفلاسفة والمناطقة والكلاميين والجدليين، وتلك طريقة السلف الصالح رضوان الله عليهم»(6).

بيان أثر العقيدة

ثانيًا: الاهتمام ببيان أثر العقيدة على النفوس فقد كان يرى ضرورة «العناية ببيان آثار هذه العقائد في النفوس ليعلم القارئ، أين نفسه من درجة استيلاء العقيدة الإسلامية عليه، فإن كانت متأثرة بها حمد الله على نعمته، وإن كانت هذه الآثار ضعيفة في نفسه عمل على علاجها وتقوية إيمانه. فقد كانت العقائد عند إسلامنا عواطف مستقرة في القلوب، ومشاعر مستولية على النفوس، فلما أن صارت عندنا جدلًا وكلامًا، ضعف إيمان الأمة، وتسرب إلى دينها الخلل والوهن»(7).

ثالثًا: رد الشبهات العقائدية الحديثة وهذا في الحقيقة إعمال لمنهج السلف الذين جابهوا تحديات عصرهم وزمانهم، وسنتبع ذلك عند مناسباته، برد الشبهات الحديثة»(8).

المعرفة النقلية والعقلية

رابعًا: اعتماده طريقي المعرفة، النقلية والعقلية؛ إذ هما مصدرا المعرفة فالمعرفة النقلية مصدرها الوحي بشقيه الكتاب والسنة. والمعرفة العقلية مصدرها الكون بشقيه الطبيعي والبشري. وذلك وفق قاعدة موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول، ودرء تعارض العقل والنقل يقول في الأصل الثامن عشر (والإسلام يحرر العقل، ويحث على النظر في الكون، ويرفع قدر العلم والعلماء ويرحب بالصالح النافع من كل شيء. «والحكمة ضالة المؤمن أنّى وجدها فهو أحق الناس بها».

وفي الأصل التاسع عشر «وقد يتناول كل من النظر الشرعي والعقلي ما لا يدخل في دائرة الآخر، ولكنهما لن يختلفا في القطعي، فلن تصطدم حقيقة صحيحة بقاعدة شرعية ثابتة. ويؤول الظن منهما ليتفق مع القطعي، فإن كانا ظنين فالنظر الشرعي أولى بالإتباع حتى يثبت العقلي أو ينهار».

وهذا خلاصة ما انتهى إليه أهل التحقيق في هذه المسألة. وقد أفاد رحمه الله من الحقائق العلمية المعاصرة في الاستدلال بها على سبيل الاستئناس والاستنباط أخذًا بقوله تعالى ﴿وَفِيٓ أَنفُسِكُمۡۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ﴾  (الذاريات: ٢١) وقوله ﴿سَنُرِيهِمۡ ءَايَٰتِنَا فِي ٱلۡأٓفَاقِ وَفِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمۡ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّۗ﴾ (فصلت: ٥٣) والآيات نوعان تنزيلية في كتاب الله المقروء، وكونية في صفحة الكون المنظور وكلاهما مطلوبان في التسخير إلى عبادة الله تعالى، وإقامة الحجة على الخلق، وتثبيت أهل الإيمان، فإن الإيمان يتضافر بتضافر الأدلة قال رحمه الله «ويجب أن تعلم مع ذلك أن كل هذه العقائد يؤيدها العقل، ويثبتها النظر الصحيح. ولهذا شرف الله تعالى العقل بالخطاب، وجعله مناط التكليف، ونبهه إلى البحث والنظر والتفكير قال تعالى ﴿قُلِ ٱنظُرُواْ مَاذَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَمَا تُغۡنِي ٱلۡأٓيَٰتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوۡمٖ لَّا يُؤۡمِنُونَ﴾ (يونس: ١٠١).

خامسا: تقوية الصلة بين الوجدان الإنساني والخالق جل وعلا حتى يصل الإنسان بذلك إلى نوع من المعرفة الروحية القلبية هي أصدق وأعذب أنواع المعرفة. قال الحسن البصري «العلم علمان: علم في اللسان فذاك حجة الله على ابن آدم، وعلم القلب، فذاك العلم النافع»(9).

فالعلم بالله والمعرفة بأسمائه وصفاته، هي أجل أنواع العلوم لأنها تثمر الحقائق الإيمانية والمعارف الوجدانية التي تصل الأرواح بالملأ الأعلى.

مبدأ الشمول

سادسا: أخذه بمبدأ الشمول: فالعقيدة لا تؤخذ عنده أجزاء تفاريق، ولا تقبل عضين، بل هي منهج عضوي في إطار بناء متكامل أو لا تنفصل العقيدة عن الحياة، لتبقى في إطار تجريدي بل يراد منها أن تكون منهجًا للحياة وأساسًا للنظم ولكن فتن الناس في بعض العهود بشرك الأوثان والأموات، فإن شرك الأحياء والأوضاع والنظم قد عظم خطرها، واستطار شررها.

قضية التكفير

سابعا: البعد عن مداحض التكفير ومزلة التضليل،

قال في الأصل العشرين: «لا نكفر مسلمًا أقر بالشهادتين وعمل بمقتضاها وأدى الفرائض –برأي أو معصية– إلا إن أقر بكلمة الكفر، أو أنكر معلومًا من الدين بالضرورة، أو كذب صريح القرآن، أو فسره على وجه لا تحتمله أساليب اللغة العربية بحال، أو عمل عملًا لا يحتمل تأويلًا غير الكفر» وقال في موضع آخر: «ونحن نعتقد- إلى جانب هذا- أن تأويلات الخلف لا توجب الحكم عليهم بكفر ولا تفسیق»(10).

متى يكفر المسلم؟

إن تكفير المسلم إنما يكون بأمر قاطع، لا احتمال فيه ولا اشتباه، أو مثله يكون من المحكمات الواضحات، والأحكام الجليات وكل من أتى بالشهادتين فقد عصم دمه إلا بحقها المنصوص عليها والدلائل في ذلك كثيرة مستفيضة، والحكم بالكفر تترتب عليه آثار جد خطيرة أشار إليها الدكتور القرضاوي منها:

1- أنه لا يحل لزوجته البقاء معه ويجب أن يفرق بينهما.

2- عدم بقاء أبنائه تحت سلطانه خشية أن يؤثر عليهم بكفره.

3- فقدان حق الولاية والنصرة على المجتمع الإسلامي.

4- ينفذ فيه حكم المرتد بعد استتابته وإزالة الشبهات عنه وإقامة الحجة عليه.

5- لا تحل ذبيحته.

6- إذا مات لا تجرى عليه أحكام المسلمين. فلا يغسل ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يرث ولا يورث.

7- موته على الكفر يستوجب لعنة الله وطرده من رحمته والخلود في النار(11).

ويقول ابن تيمية: «ليس لأحد أن يكفر أحدًا من المسلمين وإن أخطأ وغلط حتى تقام عليه الحجة، وتبين له المحجة، ومن ثبت إسلامه بيقين، لم يزل ذلك عنه بالشك بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة»(12).

فأهل السنة والجماعة عندهم الكفر كفران كفر يوجب لصاحبه الخلود في النار وهو الكفر الأكبر المخرج عن ملة الإسلام وكفر لا يستوجب صاحبه الخلود في النار وهو الكفر الأصغر الذي يسمى كفر النعمة أو المعصية، وهذا يستحق صاحبه الوعيد دون الخلود والوعيد قد يتخلف إما لحسنات صاحبه أو مصائب يبتلى بها، أو شفاعة، وأعظم من ذلك رحمة الله تعالى.

كما أنهم يطلقون التفريق بين القول الذي قد يكون كفرًا وبين قائله الذي لا يحكمون عليه بالكفر إلا بعد إقامة الحجة عليه وتعليمه وإزالة الشبهة عنه.

يقول ابن تيمية: «وأصل ذلك أن المقالة التي هي كفر بالكتاب والسنة والإجماع يقال هي كفر قولًا يطلق، كما دل على ذلك الدلائل الشرعية فإن «الإيمان» من الأحكام المتلقاة عن الله ورسوله، ليس ذلك مما يحكم فيه الناس بظنونهم وأهوائهم ولا يجب أن يحكم في كل شخص قال ذلك بأنه كافر حتى يثبت في حقه شروط التكفير، وتنتفي موانعه، مثل من قال إن الخمر أو الربا حلال لقرب عهده بالإسلام، أو لنشوئه في بلدة بعيدة، أو سمع كلامًا أنكره ولم يعتقد أنه من القرآن ولا من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم»(13).

تحذير من تكفير علماء الأمة

وفي تحذير من تكفير علماء الأمة بسبب اجتهاد يقول رحمه الله: «إن علماء المسلمين المتكلمين في الدنيا باجتهادهم لا يجوز تكفير أحدهم بمجرد خطأ أخطاه في كلامه، فإن تسليط الجهال على تكفير علماء المسلمين من أعظم المنكرات، وإنما فصل هذا من الخوارج والروافض الذين يكفرون أئمة المسلمين وقد اتفق أهل السنة والجماعة على أن علماء المسلمين لا يجوز تكفيرهم بمجرد الخطأ المحض، بل كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس كل من يترك بعض كلامه لخطأ أخطأه يكفر ولا يفسق»، «وإني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية، والمسائل العلمية»(14).

هذه أبرز سمات المنهج الذي سلكه البنا في تأصيل العقيدة موافقًا لما سلكه الأعلام ممن ساروا على منهج السلف الصالح رضوان الله عليهم.

 ______________

1- مجموعة الرسائل ص ٢٢

2- المصدر السابق ص ١٣٥

3- المصدر السابق 

4- الله في العقيدة الإسلامية ص ٩٢٨

5- مجموعة الرسائل ص ٨٤

6- العقائد ص 4

7- العقائد ص 4، 5

8- السابق 

9- فضل علم السلف على الخلف ص 6٨

10- العقائد ص76 

11- ظاهرة الغلو في التفكير ص ٢٤،٢٣

12- الفتاوى ١٢ / ٤٦٦

13- الفتاوى ٣٥ / ١٦٥ ١٦٦٠

14- الفتاوي ٣/٢٢٩ - 231

الرابط المختصر :