العنوان معالم المنهج الإسلامي لجيل التمكين (1)
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 30-نوفمبر-1999
مشاهدات 70
نشر في العدد 1378
نشر في الصفحة 51
الثلاثاء 30-نوفمبر-1999
موضوع كبير، ولكنه يجب أن تحمله ذهنية كل فرد في الأمة الإسلامية، كما أنه يحتاج إلى دراسات مستفيضة وعميقة ومتخصصة يقوم عليها رجال مخلصون عاملون محتسبون.
ومعالم هذا المنهج يجب أن تسبقه مباحث مهمة أولها: أسباب تراجع المسلمين اليوم عن دورهم الحضاري، وما العلل والمعوقات التي تقف أمام جيل اليوم وتمنعه من القيام بواجبه في إنهاض الأمة؟ يجب أن تخضع تلك الظواهر وأمثالها لخطوات البحث العلمي الرصين، حتى ينبني على ذلك خطة المعالم منهج معين، وفي نظري ينبغي أن تطبق على تلك الظاهرة الخطوات التالية:
رصد الظاهرة أو المشكلة والبحث عن الحقائق المتصلة بها مع ضرورة التقصي في البحث عن الحقائق وتبويبها بدقة وتقسيمها إلى ما يلائمها من أقسام نظرة إلى واقع الأمة الإسلامية.
تحليل الأسباب التي آنت إلى المشكلة تحليلًا دقيقًا يستقصي كل ما له علاقة بذلك الأسباب.
أثار الانحراف في حياة الأمة ومقداره، وكمية التدمير الذي أحدثه، ويمكن أن يحدثه.
معوقات النهوض خارجيًا وداخليًا، وتقدير حجم تلك المعوقات ومعرفة أساليبها وخططها.
معالم منهج الإنقاذ وخطوات العلاج، ووصف الدواء لهذا الجسد حتى يتعافى.
المنهج المقترح للانطلاق الجيل التمكين والمنافسة، وتصور تنفيذ ذلك برواد، وأساتذة مبدعين، وفاعلين، وقادرين.
أما عن الخطوة الأولى: فهل صحيح أن الأمة المسلمة كان لها دور حضاري، وأن هذا الدور كان باهرًا وفاعلًا ومؤثرًا في العالم قبل ذلك؟
هذا شيء لا يستطيع أحد إنكاره أو تجاهله يقول جورج سارتون: حقق المسلمون عباقرة الشرق، أعظم المآثر في القرون الوسطى، فكتبوا أعظم المؤلفات قيمة وأكثرها أصالة، وأغزرها مادة باللغة العربية، وكانت لغتهم من منتصف القرن الثامن حتى نهاية القرن الحادي عشر، لغة العلم والارتقاء للجنس البشري، حتى كان ينبغي لأي إنسان كان إذا أراد أن يلم بثقافة عصره وبأحدث صورها، أن يتعلم اللغة العربية، ولقد فعل ذلك كثيرون من غير المتكلمين بها.
ويقول جون درابر: «عندما كانت أوروبا لا تعرف شيئًا، كان العرب المسلمون يعملون على تهذيب العلوم وترقيتها، بل كانوا يخترعونها، إن انتصاراتهم العلمية في الفلسفة والرياضيات والفلك والكيمياء والطب أثبتت أنها أبقى وأعظم من انتصاراتهم الحربية، ومن ثم أهم منها وأروع».
ويقول ريتشارد كوك: «تدين أوروبا بالشيء الكثير للمسلمين، إذ حملت قرطبة وغيرها من بلاد المسلمين مصباح العلم وضاء في زمان كان العلم فيه في بلدان أوروبية معدومًا، أو خافتًا كبصيص نار مختنق إن التصور الخلاق الذي استطاع أن يقيم صرحًا كقصر الحمراء، ويبني مسجدًا للعبادة كجامع قرطبة، إنما يعطينا مثلًا للفارق البعيد بين هؤلاء والهمجية الطليقة التي كان يتردى فيها الفرنجة والتورمان بما فيها من غليظ الأخلاق وفظاظة المزاج، والميل الشديد نحو القذارة، وخشونة العيش ولقد أستطاع نظام الحكم الإسلامي أن يخلق طرازًا من المدنية كان نسيجًا وحده في أوروبا، حتى لقد هيا لإسبانيا أن تكون الدولة الوحيدة في أوروبا التي أفلتت من عصور الظلام».
هذه الأحاديث وأقوال العلماء التي ملأت مجلدات عن فضل المسلمين، وتحدث بها القاصي والداني، والعدو والصديق، وهذه العلوم التي ما زالت تملأ المكتبات في الدنيا، شاهدة بحق على عظمة الإسلام، وروعة الدور الحضاري الإسلامي الذي بهر العالمين، وأضحى كالشمس في رائعة النهار، لا يعشو عنها إلا فاقد البصر والبصيرة.
إذن فقد تأكد دور المسلمين الحضاري والحضارة تخلق المدنية، وكلاهما يقابل الهمجية والوحشية والحضارة تعني مرحلة راقية من مراحل التطور الإنساني، وتتمثل في إحراز التقدم في ميادين الحياة الإنسانية بعامة، وفي مظاهر التقدم الفكري والعلمي والأدبي والفني، وتستطيع أن تنتقل بكل هذه المعطيات من جيل إلى جيل كما قرر ذلك علماء الاجتماع، كما أنه من المسلم به لدى العارفين من علماء الاجتماع أن الحضارة الإسلامية نسيج وحدها، وأنها إسلامية في ذاتها وجوهرها، لا دخل فيها لأي مؤثر غير إسلامي في أصلها وأساسها، لأنها حضارة أصلها رباني والدليل على ذلك التميز والتفرد واضح في ثنايا تلك التعاليم التي نلحظها في تضاعيفها، تذكر بعضًا منها:
تكوين العقيدة الصحيحة في الإلهيات والنبوات والسمعيات بما لا يعنت العقل أو يشقي الروح
تكوين العقيدة الصحيحة في الشياطين وقوى الشر وصلتها بالإنسان وكيفية تفاديها.
تصور صحيح للحياة الدنيا وغايتها، والمراد منها، ووضع ميزان صحيح لتلك الحياة.
وضع منهج سليم ومستوعب التربية الأفراد وتزكية الإنسان بدون إغفال ملكاته ونوازعه
وضع نظام راشد وصحيح للنظام الاجتماعي في صورته العامة وفي تفصيلات هذه الصورة
وضع نظام شامل ودقيق للتعامل مع الأديان ومع الآراء، ومع الحريات ومع البشر.
نظام للحكم والشورى والعدالة بين الناس والمساواة بين الجميع بلا فروق، أو عصبيات، أو ألوان، أو أوضاع اجتماعية من غنى وفقر، أو حاكم ومحكوم.
هذا وخلافه مما ميز المسلمين والمنهج الإسلامي عن غيره من مناهج البشر التي بنيت على الظلم وعلى القهر، ولقد كان هذا المنهج الإسلامي متميزًا؛ لا في تعاليمه المستورة فقط، ولكن في تنفيذه وجعله واقعًا معيشًا أيضًا، وتربية أمة على هذا المنهج الفريد، ثم تبليغه إلى العالم أجمع، ثم تراجع المسلمون عن تلك القيادة وأسلموا زمامهم لغيرهم.
هل تراجع المسلمون حقيقة عن هذا الدور؟
يجب رصد هذه الظاهرة أيضًا، ورصدها للوهلة الأولى ليس صعبًا أو عسيرًا، أو يخفى على كل ذي عينين، لأن حال المسلمين أصبح مفضوحًا ومكشوفًا وعلى كل لسان، وأمام كل عين والتفاتة واحدة إلى واقع المسلمين اليوم في مطلع القرن الخامس عشر الهجري، وأواخر القرن العشرين الميلادي تؤكد لنا صحة ما نقول: واقع التشتت في أكثر من خمس وأربعين دولة لكل منها حدود و سدود تمثل مخافر لمنع المسلمين من عبورها، ولكل منها نظام سياسي ورؤساء متشاكسون واقع الغنائية التي أخبرنا عنها رسول الله ﷺ في قوله: «بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل» لا قدرات علمية، ولا اقتصادية، ولا تكنولوجية، ولا حربية ولا ثقافية. ولا إعلامية، ولا حضارية، أمة تعيش فتات غيرها، وتتسكع في دروب الحياة اليوم.
هذا وللحديث بقية.... نسأل الله العون والتوفيق.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل