العنوان في ضوء التصعيد الإعلامي والتحركات العسكرية- معالم الحرب القادمة بين العرب وإسرائيل
الكاتب عاطف الجولاني
تاريخ النشر الثلاثاء 22-أكتوبر-1996
مشاهدات 86
نشر في العدد 1222
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 22-أكتوبر-1996
● «إسرائيل» تواصل تطوير إمكاناتها القتالية لاعتقادها الجازم بمواجهة عسكرية قادمة بينها وبين العرب
● «إسرائيل» تواصل ضغوطها لقناعتها بعدم استعداد العرب للقتال في الوقت الراهن.
حالة التوتر التي تشهدها المنطقة أثارت مخاوف العديد من الأطراف من احتمالات تطور حالة التصعيد القائمة إلى ما هو أبعد من مجرد التحذير والتهديد الذي تبعته استعدادات وحشود عسكرية على الحدود من قبل بعض دول المنطقة، ولعل أدق وصف يمكن أن يعبر عن الظروف التي تشهدها المنطقة، هو أنها تمر بحالة من عدم الاستقرار والتأزم المشوب بكثير من التوتر.
الشهور العشرة الماضية شهدت العديد من التطورات المتسارعة التي تدفع باتجاه المواجهة والتصعيد، لا التهدئة والاستقرار كما كان عليه الحال في الفترة السابقة فخلال الأشهر الأولى من هذا العام تعرض الكيان الصهيوني لموجة انفجارات عنيفة هزت أركان المجتمع «الإسرائيلي» وأثارت مخاوفه، وجعلته يعيش أيامًا ربما تكون الأشد قلقًا وخوفًا منذ عدة سنوات.
ثم جاء الغزو «الإسرائيلي» الواسع على لبنان ليعيد المنطقة إلى أجواء الحرب، وليوجه طعنة قوية للمسيرة السلمية التي بدأت تتخبط في ظل الضربات المتلاحقة، وبعد ذلك جاء فوز حزب الليكود اليميني والأحزاب الدينية المتطرفة التي تتبنى برامج أكثر تشددًا في الانتخابات الإسرائيلية، ليدخل المنطقة في حالة تصعيد سياسي، وليضيف عقبة جديدة أمام تقدم عملية التسوية التي كانت قد قطعت شوطًا واسعًا على عدة مسارات
فوز نتنياهو بالانتخابات «الإسرائيلية» ووصوله إلى سدة الحكم في «إسرائيل» أثار مخاوف الأطراف العربية وبخاصة سورية ومصر اللتين أظهرتا منذ البداية انزعاجًا شديدًا من وصول المتشددين الإسرائيليين إلى موقع صنع القرار، وقد عبرت قمة القاهرة التي دعت إليها مصر وسورية والسعودية عن المخاوف العربية من أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة تدعو إلى عدم الاطمئنان ورغم كل المحاولات التي بذلتها الولايات المتحدة وبعض الأطراف العربية في المنطقة للتقليل من حجم المخاوف وتجنب حالة التصعيد، فإن ذلك لم ينجح في تخفيف حالة الاحتقان، بل إن الأوضاع اتجهت نحو المزيد من التوتر في ظل المواقف السياسية المتشددة للغاية لرئيس الحكومة «الإسرائيلية» الجديد، حيث شهدت المنطقة تحركات عسكرية في سورية، ومصر، وإسرائيل، دفعت المراقبين إلى التساؤل عما إذا كانت المنطقة مقبلة على مواجهة عربية- إسرائيلية عسكرية.
مناورات مصرية وقلق إسرائيلي
«إسرائيل» كانت قد أبدت قلقًا واضحًا خلال الأسابيع الماضية من المناورات العسكرية التي أجراها الجيش المصري مؤخرًا وشارك فيها سلاح المشاة والبحرية والطيران والمدفعية والمظليين وقالت الصحف الإسرائيلية: إن نتنياهو اعترض على قيام الجيش المصري بمناورات عسكرية اعتبرها موجهة ضد إسرائيل، وقال: إنها شملت تدريبات على حرب مع دولة جارة، على حد تعبيره، وكان وزير الدفاع المصري أعلن أن القوات المسلحة المصرية تجري مناورات ضخمة المواجهة أي احتمال لهجوم نووي تشنه دولة مجاورة.
تحركات سورية
كما أسهمت التحركات السورية العسكرية في لبنان قبل أسابيع قليلة في زيادة حدة التصعيد في المنطقة، فقد أجرى الجيش السوري عملية إعادة انتشار لجزء من قواته الموجودة في لبنان والتي يقدر عددها بنحو ٣٠ ألفًا، وشملت عملية إعادة الانتشار والتموضع ١٢ ألف جندي سوري وأشارت وسائل الإعلام إلى أن الجيش السوري استدعى مؤخرًا قواته الاحتياطية.
هذه التحركات السورية أثارت استياء إسرائيل، والتي اعتبرت الخطوة السورية محاولة الممارسة ضغوط سياسية عليها، فقد علق نتنياهو على التحركات السورية بقوله إنه من الواضح أن ما تحاول سورية أن تفعله هو ممارسة ضغوط نفسية على «إسرائيل» وعلى حكومتها الجديدة، وهذا لن يجدي ولن نرضخ لضغوط تهدف إلى حملنا على أن نقدم من جانب واحد تلك التنازلات التي ربما تكون الحكومة السابقة قد عودت سورية عليها.
وقال منسق النشاطات «الإسرائيلية» في لبنان أوري لوبراني إن السوريين أرادوا عبر تحركاتهم العسكرية الأخيرة إظهار استيائهم، مما يعتبرونه جمودًا في عملية السلام مع إسرائيل، وهو ما أيده رئيس الوزراء الأردني عبد الكريم الكباريتي الذي قال: إن التحركات السورية هي بمثابة محاولة
الإعادة الاهتمام بالدور السوري في المنطقة ولكن وزير الدفاع «الإسرائيلي» إسحاق مردخاي الذي لم يستبعد أن تكون التحركات السورية تهدف إلى الضغط على «إسرائيل» لتقديم تنازلات سياسية، قال: إن سورية ربما كانت تخشى. من عملية إسرائيلية واسعة ضد حزب الله في جنوب لبنان، ولم يستبعد أن يكون الهدف من الخطوة السورية التحضير لهجوم ضد الجيش «الإسرائيلي» في لبنان.
بعض المحللين قالوا: إن التحركات السورية ربما كانت رسالة موجهة للإدارة الأمريكية من أجل دفعها الممارسة ضغوط أكبر على الحكومة «الإسرائيلية» لتليين مواقفها التفاوضية، وأضافوا أن سورية ربما تكون قد أرادت إعطاء انطباع بأن البديل عن التقدم في المسيرة السلمية سيكون صعبًا.
سورية من جانبها قالت: إن إعادة انتشار قواتها في لبنان جاء لأسباب دفاعية، حيث أكد- وزير الإعلام السوري- محمد سلمان أن التحركات الأخيرة للجيش السوري تأتي في إطار سياستها الدفاعية، واعتبرها إجراءات وقائية لمواجهة التهديدات «الإسرائيلية» المتكررة، ونفى أن تكون لدى سورية نية للقيام بعمل عسكري ضد «إسرائيل» في جنوب لبنان، وقللت الولايات المتحدة وفرنسا من أهمية التحركات العسكرية السورية، وقالت: إنها إجراءات دفاعية.
«إسرائيل» لا نريد حربًا مع سورية.
في مواجهة التحركات السورية قامت «إسرائيل» بدورها بتحركات مقابلة، حيث عززت قواتها العسكرية في المنطقة الأمنية بجنوب لبنان وبررت ذلك بأنه يأتي في سياق خطواتها الاحترازية وأكدت أنها لا تنوي خوض مواجهة مع سورية.
وزير الدفاع «الإسرائيلي» مردخاي علق على التحركات «الإسرائيلية» بقوله: ليس من مصلحتنا محاربة سورية، بل إن مصلحتنا في التفاوض معها ولكنه وجه تحذيرًا لسورية من التفكير بمهاجمة إسرائيل، وقال: إن دولة «إسرائيل» وقوات أمنها قوية وقادرة على تحقيق أهدافها، وبررت صحيفة هآرتس، «الإسرائيلية» تحركات الجيش «الإسرائيلي» بأنها جاءت تحسبًا لأي هجوم سوري مفاجئ.
وكان نتنياهو ومردخاي قد وجها تحذيرات شديدة السورية ولبنان من استمرار هجمات حزب الله على الجنود الإسرائيليين في الجنوب اللبناني وتعقيبًا على تصريحات رمضان شلح- الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي– التي أعلن فيها أن حركته ستواصل مهاجمة الأهداف «الإسرائيلية» وقال وزير الأمن الداخلي «الإسرائيلي» أفيغدور کهلاني: إن على «إسرائيل» أن تجد وسيلة لتدمير قواعد المجموعات الإرهابية حتى لو كانت داخل الأراضي السورية.
وقد رد وزير الدفاع السوري مصطفى طلاس على التهديدات «الإسرائيلية» ضد سورية بتحذير نتنياهو من أنه إذا أقدم على تنفيذ تهديداته وقام بمغامرة عسكرية ضد سورية فسيندم على ذلك، وأن «إسرائيل» ستتكبد خسائر فادحة لا قبل لها بتحملها.
الحرب مستبعدة ولكن.
ورغم أجواء التصعيد السياسي والإعلامي وإلى حد ما العسكري في المنطقة، فإن المواقف المعلنة لمختلف الأطراف المعنية تستبعد اللجوء إلى الخيار العسكري وتفجير الأوضاع خلال فترة قصيرة منظورة.
رئيس الوزراء الأردني قال: «إن حالة التصعيد القائمة في المنطقة لن تؤدي إلى مواجهة وحرب عربية– إسرائيلية» وأكد أن الحرب لن تكون خيارًا عربيًّا، وأضاف أنه لا يعتقد أن هناك دولة عربية تطرق الخيار العسكري المسلح بديلًا عن العملية السلمية، وردًا على سؤال لصحيفة يديعوت أحرونوت «الإسرائيلية» حول احتمالات نشوب حرب جديدة بسبب تراجع العملية السلمية وتوتر الأوضاع في المنطقة استبعد وزير الخارجية المصري عمرو موسى اندلاع حرب جديدة في المنطقة، وقال: إن الحرب أصبحت شيئًا من الماضي، وليست من الحاضر أو المستقبل. وأضاف: لا أريد الحديث عن حروب كما استبعد سفير الولايات المتحدة في لبنان ريتشارد جونز إمكانية نشوب حرب في المنطقة وقال: «إن وقوع حرب بين «إسرائيل» وسورية أمر مستبعد جدًّا وأضاف لا أتوقع شيئًا من هذا القبيل»
ومع أنه استبعد احتمال قيام حرب على المدى القصير، فإن وزير الدفاع «الإسرائيلي» أكد أن «إسرائيل» تأخذ استعداداتها تحسبًا لجميع الاحتمالات، وقال: إن هناك الكثير من الاحتمالات التي قد تؤدي أو لا تؤدي إلى الحرب، ولكننا نضع كل الاحتمالات في الحسبان، وكان رئيس شعبة التخطيط في الجيش «الإسرائيلي» قد صرح قبل عامين بأن أي شرخ في العملية السياسية قد يقود إلى حرب محدودة.
الرئيس المصري حسني مبارك الذي عبر عن أمله بأن تكون حرب أكتوبر هي آخر الحروب قال: نحن نعيش في منطقة لا تزال عرضة المخاطر عديدة تعرض المنطقة كلها لتهديدات خطيرة وأضاف «سوف يكون من خداع النفس أن نركن إلى حسن النوايا في قضايا مصيرية» ومع أن تصريحات المسؤولين في الأطراف المختلفة تعطي انطباعًا بعدم رغبتها في دفع الأمور نحو المواجهة العسكرية، وهو ما يرجح بالتالي التقليل من احتمالات اندلاع حرب واسعة في المنطقة، فإن من الخطأ المراهنة بصورة كلية على تلك التصريحات لسببين:
السبب الأول: أن جميع الأطراف في المنطقة تحرص في مواقفها المعلنة على إظهار رغبتها بالسلام وعدم توتير الأوضاع، ويسعى كل طرف إلى تحميل الطرف الآخر مسؤولية أي تعثر في عملية التسوية، ولذلك فإن الاعتماد على مثل هذه التصريحات التي تكون في كثير من الأحيان للاستهلاك الإعلامي ولا تعبر بالضرورة عن المواقف الحقيقية للأطراف، قد يقود إلى الخروج باستنتاجات غير دقيقة ومضللة.
السبب الثاني: أن اندلاع مواجهة عسكرية ليس بالضرورة أن يكون نتيجة إعداد وتخطيط مسبق من أحد الأطراف، بل ربما تدفع ظروف طارئة الأمور نحو التأزم، وبالتالي الانفجار بصورة مفاجئة، ولعل المواجهات الدامية المحدودة التي حصلت في الأراضي الفلسطينية المحتلة عقب فتح نفق الأقصى مؤشر على ذلك، حيث كانت توقعات الأجهزة الاستخبارية «الإسرائيلية» أن تكون ردة الفعل الفلسطينية على فتح النفق أضعف كثيرًا مما حصل على أرض الواقع.
وعند الحديث عن احتمالات اندلاع حرب في المنطقة ينبغي التمييز بين حرب شاملة عربية إسرائيلية، وبين مواجهة عسكرية محدودة، كما حصل قبل أشهر في لبنان حينما شنت «إسرائيل» حربًا عنيفة ضد لبنان.
فإذا كان احتمال حرب شاملة بين «إسرائيل» والأطراف العربية غير مرجح في المرحلة الراهنة فإن احتمالات تكرار «إسرائيل» لشن حرب جديدة ضد لبنان قوية ومتوقعة، وقد عبرت الأوساط السورية واللبنانية عن توقعها بقيام «إسرائيل» بشن هجوم على الجنوب اللبناني لضرب حزب الله وفرض الخيار «الإسرائيلي» لبنان أولاء بالقوة وتوقع أنطوان لحد قائد مليشيات جيش لبنان العميلة ل«إسرائيل» أن يقوم الجيش «الإسرائيلي» بضربة عسكرية ضد لبنان.
وإذا كان دخول العملية السلمية في مأزق حرج وتوجه المجتمع «الإسرائيلي» نحو التشدد، كما أظهرت ذلك نتائج الانتخابات «الإسرائيلية» الأخيرة، وتصاعد حدة الخلاف بين «إسرائيل» وكل من مصر وسورية كلها عوامل تدفع باتجاه ترجيح أن المنطقة مقبلة خلال المرحلة القادمة على معطيات جديدة تعزز من احتمالات حدوث مواجهة مستقبلية، فإن أحد أهم الأسباب التي تدفع إلى التقليل من حجم مثل هذه الاحتمالات هو عدم توفر إرادة عربية للقتال والمواجهة على الصعيد الرسمي.
وفي حين أن «إسرائيل» قد واصلت بناء قدراتها العسكرية خلال السنوات الماضية التي شهدت عملية التفاوض والسلام المزعوم، فإن الأطراف العربية أظهرت استرخاء واطمئنانًا غير مبرر.
وقد أكد الفريق سعد الشاذلي- رئيس أركان حرب أكتوبر في الجيش المصري- أن الخيار العسكري كان يجب أن يكون أمرًا أساسيًّا في ظل المفاوضات «لأن أي طرف يفاوض ما لم يكن الخيار العسكري في جيبه وهو جالس على طاولة المفاوضات فإنه لن يحصل على شيء».
ميزان القوى يميل لصالح إسرائيل
يرفض المسؤولون الإسرائيليون إحداث أي تخفيضات على الموازنة العسكرية رغم أي عجز يحصل في الموازنة، وتشكل موازنة النفقات العسكرية نحو %۱۷ من الميزانية الإسرائيلية، حيث تبلغ ٨.٥ مليار دولار من أصل ٥٠ مليارًا قيمة الموازنة الكلية.
وتشير الدراسات المتخصصة إلى أن «إسرائيل» ما تزال تتفوق على الأطراف العربية في ميزان القوى العسكرية، وأنها تأتي في المرتبة الأولى في المنطقة من حيث التصنيع العسكري وقد أجرت المجلة العسكرية المتخصصة جينس مقارنة بين القوات الجوية «الإسرائيلية» والقوات الجوية السورية، وقالت: إن ميزان القوى في هذا الجانب يميل لصالح إسرائيل.
وأشار تقرير المجلة الذي صدر قبل أسابيع إلى أن عدد أفراد سلاح الجو «الإسرائيلي» يصل إلى (٨٦) ألف جندي من بينهم (٥٤) ألفًا في الاحتياط في حين يبلغ عدد أفراد سلاح الجو السوري إضافة للدفاع الجوي نحو (١٠٠) ألف جندي.
أما بالنسبة لعدد الطائرات فيبلغ تعدادها وفق التقرير نحو (٩٨٩) لدى الجانب «الإسرائيلي» من بينها (٦٩٠) طائرة مقاتلة، في حين يبلغ عدد الطائرات السورية نحو (٩٤١) من بينها (٥٧٥) طائرة قتالية، مع أفضلية كبيرة للطائرات «الإسرائيلية» من حيث المستوى الفني والكفاءة والأسلحة المستخدمة.
ولكن ميزان القوة العسكرية ليس هو العامل الوحيد في تحديد نتائج أي معركة، وتدرك «إسرائيل» أن مصر وأطرافًا عربية أخرى لن تقف مكتوفة الأيدي في حال خوض معركة مع سورية، وهو ما سيدفعها للتردد طويلًا قبل التفكير بخطوة كهذه.
«إسرائيل» ما زالت رغم كل الاتفاقيات والمعاهدات ترى نفسها كجزيرة صغيرة مهددة وسط بحر من الأعداء العرب، وانطلاقًا من هذا الشعور فهي تواصل بجدية كاملة تطوير إمكاناتها القتالية استعدادًا لأي احتمالات قادمة، وخاصةً في حال فشل عملية التسوية السياسية، فهل يمكن النظر إلى التحركات العسكرية العربية الأخيرة على أنها بداية شعور بخطورة التهديد «الإسرائيلي» وضرورة عدم إغفال الخيار العسكري؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل