العنوان معالم التغيير في حياة الأمة
الكاتب الشيخ نادر النوري
تاريخ النشر الثلاثاء 27-سبتمبر-1994
مشاهدات 68
نشر في العدد 1118
نشر في الصفحة 57
الثلاثاء 27-سبتمبر-1994
بعد غيبة قسرية فرضتها ظروف غير اعتيادية، حجبت هذه الزاوية في
إطلالتها الأسبوعية من خلال رسائلها إلى القراء على صفحات مجلة «المجتمع» الغراء.
نعود مرة أخرى لجديد العهد، ونحث الخطى، لنرسم معاً معالم الطريق
الشائك الطويل الذي يجتازه حداة الأمة، وشداة العزة والنصر والتمكين - بإذن الله -
رغم المعوقات والآلام.
وحديثنا في هذه السلسلة الجديدة سيدور حول معالم التغيير الإسلامي
المرتقب، من خلال استعراض لاجتهادات أئمة الدين، وقادة المؤمنين، والله الموفق
والهادي إلى سواء السبيل.
نعلم أن القرآن هو سجل البشرية الخالد، فيه خبر من قبلكم، ونبأ من
بعدكم، وحكم ما بينكم، فكان ما فيه من عبر وأمثال سنناً لا تتبدل ولا تتغير في أهل
طاعته وأهل معصيته، والمتتبع لجزئيات التاريخ الإسلامي يخرج بنتائج ومعالم واضحة،
تفيده في حياته المعاصرة، وتحول دون تخبطه؛ لأن إيمانه بهذه السنن المستقرة يحول
دون الخطأ في مبدئه، أو الانحراف عنه، أو المساومة عليه، أو الخديعة بغيره.
فهذه الأمم الغابرة التي بطرت معيشتها، وابتعدت عن منهج الله، أصابها
الدمار والهلاك ﴿أَلَم تَرَ كَيفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ
ٱلعِمَادِ * ٱلَّتِي لَم يُخلَق مِثلُهَا فِي ٱلبِلَٰدِ * وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ
جَابُواْ ٱلصَّخرَ بِٱلوَادِ * وَفِرعَونَ ذِي ٱلأَوتَادِ * ٱلَّذِينَ طَغَواْ فِي
ٱلبِلَٰدِ * فَأَكثَرُواْ فِيهَا ٱلفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيهِم رَبُّكَ سَوطَ
عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِٱلمِرصَادِ﴾ (الفجر: 6-14).
وكيف غُلبت الروم وهم أهل كتاب من الفرس المجوس ﴿غُلِبَتِ ٱلرُّومُ *
فِي أَدنَى ٱلأَرضِ وَهُم مِّن بَعدِ غَلَبِهِم سَيَغلِبُونَ * فِي بِضعِ سِنِينَ
لِلَّهِ ٱلأَمرُ مِن قَبلُ وَمِن بَعدُ وَيَومَئِذٍ يَفرَحُ ٱلمُؤمِنُونَ *
بِنَصرِ ٱللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ ٱلعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ﴾ (الروم: 2-5).
وما كان تحول الخلافة الراشدة إلى ملك عضوض فيه قسوة وظلم من جانب،
وفيه قوة وجهاد لأعداء الله من جانب آخر، جمع عملاً صالحاً وآخر سيئاً، فكان
نتيجته هذا التحول في عدم استحقاق الأمة للنصر والتمكين، فتسلط عليهم من الداخل
الفرق المنحرفة الضالة كالفوارج، والقدرية، والمعتزلة، وغلاة الصوفية والمتفلسفة؛
حتى مهد ذلك لنكبات عظيمة بليت بها الأمة، وشغلتها قروناً متطاولة، كاستيلاء
التتار على بلاد المسلمين في فترة خمود السنة، وشيوع الفلسفة، وضعف الشريعة، وسقوط
الأندلس بعدما ولع الناس بالترف والفساد، فكان ذلك من علامات الاستيلاء كما يرى
ابن خلدون (2 / 511).
يقول ابن تيمية في الفتاوى (35 / 120): "ومصير الأمر إلى الملوك
ليس لنقص فيهم فقط، بل لنقص في الراعي والرعية، فإنه كما تكونوا يولَّ
عليكم"، ﴿وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا﴾ (الأنعام:
129)، وفي كل مرحلة من مراحل التاريخ يسلط الله - سبحانه وتعالى - على الأمة من
يبلو بعدوانه صبرها، وبأذاه رجولتها.
فالنكبات الكبرى توقظ الناس ما داموا على بقية من سلامة الفطرة، توقظ
فيهم عوامل التنبه، وبواعث التحرك، والاستدراك لإصلاح الأوضاع الفاسدة؛ فلنتتبع
حركات الاستدراك في حياة الأمة في أدوارها المختلفة، علنا نجد فيها عبرة لا سيما
إن كان من يقود هذا التغيير ممن تجمع الأمة على إمامته وعدالته، ولتكن حلقتنا
القادمة عن الإمام أبي حنيفة والتغيير.