; المجتمع التربوي.. عدد 1835 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي.. عدد 1835

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 17-يناير-2009

مشاهدات 59

نشر في العدد 1835

نشر في الصفحة 54

السبت 17-يناير-2009

معالم التضحية والأخوة في الهجرة النبوية

د. حسين شحاتة

بناء دولة الإسلام المعاصرة يحتاج إلى جهاد وتضحية بالنفس والمال.. وليس بالمقالات والخطب.

نماذج للجهاد والتضحية والأخوة الصادقة التي قامت عليها الدولة الإسلامية.

عودة الخلافة الإسلامية مرهونة بتجسيد معالم التضحية والأخوة المستقاة من الهجرة النبوية.لم تكن هجرة رسول الله ﷺ وسلم والذين آمنوا معه ترويحًا عن النفس، أو من أجل الفرار بالمال، أو الهروب من الجهاد، أو الفرار من مضايقات أعداء الدعوة الإسلامية، ولكن كانت جهادًا وتضحية من أجل بناء الدولة الإسلامية على أساس الأخوة الصادقة القوية؛ ولتطبيق أحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية.. كانت رحلة الهجرة الشريفة كذلك من أجل نشر الإسلام والدعوة إليه، وتحقيق العزة للمسلمين من خلال الجهاد. ولقد تحققت هذه الغايات، وجاء نصر الله والفتح، ودخل الناس في الدين الإسلامي أفواجًا، فالله أكبر ولله الحمد.

وتتضمن الهجرة معالم شتى من نماذج التضحية العزيزة، ومن الأخوة الصادقة التي قامت عليها دولة الإسلام، يجب إبرازها للاستفادة منها في حياتنا، بعد أن أصاب العديد من المسلمين الوهن والأنانية، وضعفت رابطة الأخوة والود.

وسوف نركز هذا المقال حول محورين رئيسيين هما: معالم التضحية والفداء، ثم معالم الأخوة والإيثار ودورهما في بناء الدولة الإسلامية فالنصر يحتاج إلى جهاد، والجهاد هو التضحية بكل شيء لجعل كلمة الكافرين السفلى، وكلمة الله هي العليا قولًا وفعلًا، والجهاد يحتاج إلى تضحية ولا جهاد بلا تضحية، ولا نصر بلا جهاد. وفي حادث الهجرة نماذج مشرفة من التضحية، نسوق منها النماذج التالية:
- نموذج تضحية أبي بكر الصديق رضي الله عنه بالمال وبالنفس من أجل طاعة الله والهجرة مع رسول الله ﷺ واحتمالات تعرضه لكل أنواع الأذى والأخطار في نفسه، وأهله، وأولاده، ولذلك يجب على العاملين في حقل الدعوة الإسلامية ألا يبخلوا على دعوة الله بكل عزيز لديهم حتى يكونوا صادقين مع الله الذي خلقهم ورزقهم واختارهم لدعوته، وهذا شرف عظيم.

 - نموذج تضحية علي بن أبي طالب رضي الله عنه بأن ينام في فراش النبي ﷺ، وتعرضه للموت من أعداء الدين. ومن هذا النموذج نستقي أن دعوة الله عز وجل أعز من النفس البشرية.

نموذج تضحية أسماء بنت أبي بكر وهي تحمل الطعام إلى رسول الله ﷺ وإلى أبيها وتعرضها لإيذاء الكفار والمشركين. وفي هذا النموذج دروس للأخوات المسلمات العاملات في الدعوة، وبيان دورها المهم بأن تنال شرف التضحية من أجل دعم المجاهدين في سبيل الله.

- نموذج تضحية عبد الله بن أبي بكر وهو يحمل المعلومات إلى رسول الله ﷺ وإلى والده في الغار، وتعرضه لإيذاء الكفار، ومن هذا النموذج بيان أهمية اسقصاء المعلومات عن الأعداء؛ لنصرة دعوة الله.

- نموذج تضحية الذين هاجروا قبل رسول الله ﷺ وتركوا كل شيء، مثل: صهيب الرومي الذي قال له الرسول ﷺ: ربح البيع أبا يحيى، ربح البيع أبا يحيى ونزل فيه قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشۡرِي نَفۡسَهُ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ (207)﴾ (البقرة: 207).
- نموذج تضحية الأنصار بمالهم لنصرة إخوانهم المهاجرين، وفيهم نزل قول الله تبارك وتعالى: ﴿لِلۡفُقَرَآءِ ٱلۡمُهَٰجِرِينَ ٱلَّذِينَ أُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَأَمۡوَٰلِهِمۡ يَبۡتَغُونَ فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٗا وَيَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ (8) وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلۡإِيمَٰنَ مِن قَبۡلِهِمۡ يُحِبُّونَ مَنۡ هَاجَرَ إِلَيۡهِمۡ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمۡ حَاجَةٗ مِّمَّآ أُوتُواْ وَيُؤۡثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةٞۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ (9)﴾ (الحشر: 8: 9)، وتضحيتهم بمالهم لنصرة إخوانهم المجاهدين في سبيل الله: ﴿۞إِنَّ ٱللَّهَ ٱشۡتَرَىٰ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَنفُسَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلۡجَنَّةَۚ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقۡتُلُونَ وَيُقۡتَلُونَۖ وَعۡدًا عَلَيۡهِ حَقّٗا فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ وَٱلۡقُرۡءَانِۚ وَمَنۡ أَوۡفَىٰ بِعَهۡدِهِۦ مِنَ ٱللَّهِۚ فَٱسۡتَبۡشِرُواْ بِبَيۡعِكُمُ ٱلَّذِي بَايَعۡتُم بِهِۦۚ وَذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ (111)﴾ (التوبة).

من هذه النماذج نخلص إلى أن بناء الدولة الإسلامية يحتاج إلى جهاد من جديد، وهذا الجهاد لابد له من تضحية بكل عزيز، ولا يمكن تحرير المقدسات الإسلامية بالخطب والمقالات والمؤتمرات والندوات؛ ولكن بالجهاد بالمال، وبالنفس، وبكل عزيز وغال. 

كيف كانت المدينة قبل الهجرة؟ 

فر اليهود إليها من وطأة الرومان الساحقة، بعد أن تأمر اليهود على المسيح عيسى بن مريم عليه السلام، وأسسوا فيها المستعمرات الحصينة، وأثروا فيها ثراء عظيمًا على حساب العرب الممزقين المفككين، وكانت هناك حروب طاحنة بين «الأوس» و«الخزرج».


كيف أصبح حال المدينة بعد الهجرة؟ 

جاء الإسلام وحول هذه الحروب إلى سلام وحب ومودة، وتحققت رابطة الأخوة في الله والحب لله.. جاء وطبق مبدأ الأخوة الإسلامية وهي درجات:

- أن تقضي حاجة أخيك، قامت عندما يطلبها منك.

- أن تقضي حاجة أخيك، قبل أن يطلبها منك.

- أن تؤثر أخاك على نفسك.

كيف كان الإيثار من الأنصار للمهاجرين؟

لقد استقبل الأنصار ركب الرسول ﷺ بالفرحة والسرور، وفتحوا بيوتهم للمهاجرين وأعطوا فرص عمل للمهاجرين.

وسوف نذكر نماذج عملية من الأخوة وكيف ساهمت في بناء الدولة الإسلامية.

- قال سعد بن الربيع لعبد الرحمن - رضي الله عنهما: إني أكثر الأنصار مالًا فإني مقاسمك مالي نصفين، ولي امرأتان فانظر أعجبهما إليك فسمها لي، فأطلقها فإذا انقضت العدة فتتزوجها. ماذا قال عبد الرحمن السعد؟ قال: بارك الله في مالك.. بارك الله في أهلك.. دلني على مالك.. السوق، «سوق بني قينقاع».

فهذا نموذج للإيثار، ونموذج للعفة، ونموذج للأخوة، ونموذج لتأكيد الأخوة.


قال الله تبارك وتعالى فيهم: ﴿وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلۡإِيمَٰنَ مِن قَبۡلِهِمۡ يُحِبُّونَ مَنۡ هَاجَرَ إِلَيۡهِمۡ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمۡ حَاجَةٗ مِّمَّآ أُوتُواْ وَيُؤۡثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةٞۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ (9)﴾ (الحشر: 9) 

لقد قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في هذا المقام: «لقد رأينا معهم: وما الرجل المسلم بأحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم، فالمال ملك لله عز وجل، وجعلنا جميعًا مستخلفين فيه، والمال ملك للجماعة المسلمة وقت الأزمات؛ فلولي الأمر الحق أن يأخذ المال من الغني لأجل الفقير وليس لأحد حق حية والأخوة في ماله وقت الأزمات، والمال ملك للفقير والمسكين بحكم الزكاة.

- ﴿وَأَنفِقُواْ مِمَّا جَعَلَكُم مُّسۡتَخۡلَفِينَ فِيهِۖ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَأَنفَقُواْ لَهُمۡ أَجۡرٞ كَبِيرٞ (7)﴾ (الحديد: 7) 

- ﴿مَّثَلُ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنۢبَتَتۡ سَبۡعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنۢبُلَةٖ مِّاْئَةُ حَبَّةٖۗ وَٱللَّهُ يُضَٰعِفُ لِمَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ (261)﴾ (البقرة: 261).

- ﴿وَٱلَّذِينَ فِيٓ أَمۡوَٰلِهِمۡ حَقّٞ مَّعۡلُومٞ (24) لِّلسَّآئِلِ وَٱلۡمَحۡرُومِ (25)﴾ (المعارج: 24: 25).

- ﴿وَأُوْلُواْ ٱلۡأَرۡحَامِ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلَىٰ بِبَعۡضٖ فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمُۢ (75)﴾ (الأنفال: 75).


لقد كان لرابطة الأخوة في الله، والحب في الله دور مهم في بناء الدولة الإسلامية على الحرية والعدل والمساواة والشورى والأخوة. 

كما تحقق وعد الله لنبيه محمد ﷺ كما تحقق وعد الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم بالنصر وترى قول الله عز وجل: ﴿إِذَا جَآءَ نَصۡرُ ٱللَّهِ وَٱلۡفَتۡحُ (1)﴾ (النصر: 1).

إن معالم التضحية والفداء والأخوة والحب في الله المستقاة من الهجرة النبوية تحتاج إلى التطبيق المعاصر؛ حتى نعيد بناء الدولة الإسلامية من جديد، وتعود الخلافة ويتحقق نصر الله على اليهود ومن عاونهم وشايعهم، فنحن في حاجة إلى أعمال وأفعال أكثر من أقوال وأمنيات. 


التخضير القيمي للأبناء

الكاتب: خالد حسن مال الله

لا شك أن معنى التخضير معنى راق وجميل، وهو يعنى استصلاح الأرض واستزراعها وجعلها غابة غناء خضراء جميلة وزاهية، يسعد الإنسان بها ويستمتع بالنظر إليها لما فيها من مناظر خلابة وراحة نفسية وبدنية في ربوعها .

كيف إذا كان هذا التخضير والمنظر الرائع هو نتاج غرسك وزرعك الذي زرعته بيدك وتربيتك لأبنائك.

فالاعتناء بالأبناء وتربيتهم والاهتمام بهم ورعايتهم منذ الصغر وتوجيههم نحو الخير والحوار معهم وسماع آرائهم وهمومهم ومعالجة مشكلاتهم هو الغرس الطيب والتخضير الجميل الذي سوف تستمتع بجنيه وأنت سعيد بذلك.

وهذه نقاط عملية تساعد على القيام بالتخضير القيمي للأبناء:

•الإحساس بالأمانة العظيمة تجاه الأبناء من خلال تربيتهم التربية الإسلامية المحافظة والمتميزة.

• رعاية الأبناء رعاية تامة من جميع النواحي المطلوبة وتوفير احتياجاتهم كافة الأساسية حتى يكون التلقي يسيرًا وسهلًا. 

•غرس القيم والأخلاقيات الإسلامية الفاضلة والسلوك القويم منذ نعومة الأظفار.

•التعامل برفق تجاه أي سلوك غير مرغوب فيه والتوجيه بالحسنى لتغيير هذا السلوك.

•تشجيع السلوكيات الإيجابية دائمًا مع الثناء عليها للاستمرار عليها.

• لا بأس من جعل حوافز وهدايا رمزية عند القيام بأي سلوك إيجابي لتشجيع هذا السلوك لديهم.

 • المحاورة مطلوبة مع الأبناء والتحدث معهم عن سلوك البشر، وما السلوك المرغوب للاقتداء؟ وما السلوك المذموم لتجنبه؟

• الدعاء باستمرار للأبناء بالتوفيق والصلاح والبركة.

هذه نقاط تحتاج إلى تطبيق عملي على التوجيه والمتابعة الإيجابية حتى نصل إلى التخضير القيمي المطلوب. 

 الهجرة النبوية.. 

من أكرم مناقب الإسلام وأعظم حوادث سيد الأنام 

الكاتب: محمد مسعد ياقوت

أورد الإمام البخاري باب الهجرة في «كتاب المناقب، تحت عنوان طويل

يقول:

 باب هجرَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «لَوْلَا الْهَجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأَ مِنْ الْأَنْصَارِ» وَقَالَ أَبُو مُوسَى عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضِ بهَا نَخْلُ، فَذَهَبَ وَهَلِي إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَةُ، أَوْهَجَرُ، فَإِذَا هِيَ الْمَدِينَةُ يَثْرِبُ».

وهذا العنوان يدلل لك على حصافة البخاري؛ ولطافة المعنى الذي وفق لفهمه؛ إذ أورد الهجرة في كتاب المناقب، فالهجرة منقبة وأي منقبة أكرم مناقب الإسلام وأعظم حوادث سيد الأنام، ولم يسقها البخاري في سياق التاريخ رغم أن الهجرة من أجل أحداث التاريخ، ذلك الحادث الذي أعاد دورة التأريخ من جديد، إنما سطرها في كتاب المناقب ليُعلم فضلها ولتفهم منقبتها.. نعمة خصت الدين، وعمت المسلمين، وأعلت للإسلام يدًا، وفتت من الباطل عضدًا، وشدّت من الإيمان سُننًا، وأزالت عصر الوثن سرمدًا.

ولم يؤرخ المسلمون بمولد النبي ﷺ ولا بوفاته، ولا بيوم الفرقان، ولا بيوم الفتح، إنما أجمعوا على الهجرة لفقههم بقدرها، ولعلمهم بأهميتها؛ إذ هي التي نقلتهم من مرحلة الجماعة إلى مرحلة الدولة، ومن عهد الاستضعاف إلى عصر التمكين، ومن سمة المحلية إلى سمة العالمية.
فلما عظم فضل الهجرة على كل فرد من أمة الإسلام حتى قيام الساعة؛ أبان رسول الله ﷺ استمساكه بجماعة المهاجرين التي ينتسب إليها من الناحية الحركية، فقال ﷺ يؤكد فضل الهجرة: «لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَاً مِنْ الْأَنْصَارِ»

إنه يبين لك أن درجة الهجرة أعلى في الدرجة من النصرة، وكلتاهما أبطنت أحشاؤها فضلًا ومجدًا، وكرامة وسؤددًا!

وهو يبين لك في هذا الجملة البليغة: «لولا الهجرة لكنتُ أمرًا من الأنصار» فَضْل الهجرة، وفضل الأنصار في عبارة واحدة.

 فَمَنْ عَلِمَ فَضْل الأنصار وجهدهم وقدرهم علم على أثر ذلك فضل الهجرة. ومَنْ عَلم أهمية الهجرة وعظيم فضلها علم بذلك فضل الأنصار وجليل دورهم. 

ويبدو أن الله تعالى أراد أن يمهد لهذا الحدث العظيم بحيث يتقبل الصحابة أمر هجرة الأوطان والأهل والديار بنفوس مهيئة، ولقد تمت هذه التهيئة - بالفعل – على عدة نطاقات: 

نطاق نظري فكري: بنزول القرآن يشرح فضل الهجرة، وأهميتها في تاريخ الدعوات، فكانت الآيات القرآنية تقص هجرات الأنبياء: إبراهيم، ولوط، ويوسف، وموسى.. فضلًا عن قصة أصحاب الكهف الذين هاجروا في سبيل الله..

كما تبين الآيات فضل الهجرة من أجل العبادة: 

﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُون (56)﴾ (العنكبوت: 56).

﴿قُلۡ يَٰعِبَادِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمۡۚ لِلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٞۗ وَأَرۡضُ ٱللَّهِ وَٰسِعَةٌۗ إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّٰبِرُونَ أَجۡرَهُم بِغَيۡرِ حِسَابٖ (10)﴾ (الزمر: 10).

وتذكرُ فَضْل من هاجر حفاظًا على دينه: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا ليونتهم في الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلأَجْرُ الآخرة أكبر لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41)﴾ (النحل: 41).

﴿ثُمَّ إِنَّ رَبِّكَ الَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبِّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٞ﴾ (النحل: 110). 

ونطاق تطبيقي تدريبي: بتقرير مشروعية الهجرة، فكانت الهجرة إلى الحبشة وكانت اختيارية.

ونطاق روحي نفساني: من خلال الرؤى، ومن ذلك قول النبي ﷺ: «رَأَيْتُ في المنام أنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضِ بِهَا نَخْلَ فَذَهَبَ وَهَلِي إِلَى أَنَّهَا الْيَمَامَةُ، أَوْ هَجَرُ، فَإِذَا هِيَ المَدِينَةُ يَثْرِبُ»..

وهذه الرؤيا، تظهر معرفة النبي ﷺ بالبيئة الجغرافية المحيطة به، فهو يعرف أي البلاد يكون بها النخل، ويذكر بلدان النخل التي وقعت في نفسه:

- «اليمامة وهي بالفعل أرض نخل، ومكانها مدينة «الرياض» الآن.

- «هجر»، وهي بدولة «البحرين» الآن وهي أرض نخل أيضًا..
وهكذا حتى أوحى الله إليه أنها «المدينة» يثرب.

أرأيت كيف كانت ثقافة النبي ﷺ؟

أعلمت مدى ثقافته الجغرافية؟ تلك التي لا تقل عن ثقافته السياسية ومعرفته بطبائع الأنظمة الحاكمة في العالم آنذاك؛ الاستبدادية منها وغير الاستبدادية، فهو القائل: «إن بأرض الحبشة ملكًا لا يُظلم أحد عنده، فالحقوا ببلاده حتى يجعل الله لكم فرجًا ومخرجًا مما أنتم فيه» (البيهقي في السنن ۹/۹، عن أم سلمة، وهو في السلسلة الصحيحة برقم (۳۱۹). 

إنه ﷺ يعرف أنظمة الحكم العادلة وأين تقع، ويعرف ظلام الظلم وأين يخيم. 

.. لم تكن ثقافة النبي ﷺ كثقافة بعض حكام زماننا، الذين لا يعرفون هرًا من بر! 

وتأسيا بنبي الرحمة ﷺ ينبغي أن يتزود القائد المسلم بالثقافات اللازمة، والمعارف المختلفة، في السياسة والاجتماع، والجغرافيا، والاقتصاد، والتنمية والانتاج، وغيرها من فروع المعارف التي تمكنه من ناصية القيادة، وتجمع في يديه أزمة الريادة، وتزلل له الصعاب وتمحق له العقبات.

ينبغي على القائد المسلم أن يكون كثير المطالعة، سريعة المراجعة، قوي المناظرة، شديد المقارعة، لا تنخرم له قاعدة أخلاقية في أدب الخلاف.
ذ ي ب ي ع

الكاتب: فراج العجمي

الرسول هيأ الصحابة للهجرة بكل أبعادها النظرية والفكرية والتطبيقية والروحية. 

إذا مر اليوم فإنه لا يرجع، فإما يكون فوزًا وفلاحًا، وإما أن يكون حسرة وندامة على الإنسان، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا (10)﴾ (الشمس: 10).

 ما يقسم به الله سبحانه وتعالى في كتابه الحكيم عظيم، ومما أقسم الله به النفس قال سبحانه: ﴿وَنَفۡسٖ وَمَا سَوَّىٰهَا (7) فَأَلۡهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقۡوَىٰهَا (8)﴾ (الشمس: 7: 8).

فإن كنت ممن جعل النفس على هواها فهي مجبولة على الترف والتكاسل والاتكال والتسويف والركون إلى الدنيا فإنك إن كنت كذلك فإنه يمر عليك اليوم والأسبوع والشهر والسنة دون تغيير أو محاسبة النفس، فإن ضيعت الأمانة التي وكلك الله بها، فإنك في نهاية المطاف ستصبح من الخاسرين قال تعالى: ﴿أَن تَقُولَ نَفۡسٞ يَٰحَسۡرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنۢبِ ٱللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّٰخِرِينَ (56)﴾ (الزمر: 56). 

فالله جل جلاله هو من تفضل وتنعم علينا بالخلق يدعو كل إنسان إلى محاسبة نفسه، بل إنه سبحانه أوصى رسوله ﷺ بذلك وأوصى صحابته والناس جميعاً بالمحاسبة لأنفسهم، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡتَنظُرۡ نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ لِغَدٖۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ (18) وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ نَسُواْ ٱللَّهَ فَأَنسَىٰهُمۡ أَنفُسَهُمۡۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ (19)﴾ (الحشر: 18: 19).

عن شداد بن أوس عن النبي ﷺ قال: «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله» (رواه الترمذي وأحمد)

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم اليوم، وتزينوا للعرض الأكبر: ﴿يَوۡمَئِذٖ تُعۡرَضُونَ لَا تَخۡفَىٰ مِنكُمۡ خَافِيَةٞ (18)﴾ (الحاقة: 18) 

فإنك إن حاسبت نفسك، فإن القلب يشعر بالحياة، وإنك من صلاح إلى صلاح وتجعل العبد يتقرب إلى الله، وتجعله مطلًا على عيوبه وتجعله كثير التوبة والندم، وتجعله يعرف حق الله عليه، ومن ثم حقوق العباد، وتجعله يتذلل وينكسر لله لما أنعم عليه من نعم، وتجعله يزهد في هذه الدنيا، ويتمنى الآخرة، وتجعله يجتهد في الطاعة، ويترك المعصية. 

فإذا كان السؤال: كيف أحاسب نفسي؟

ذكر ابن القيم كيف تكون محاسبة النفس فقال:

  1.  البدء في الفرائض فإذا رأيت فيها نقصا فتداركه.
  2. النظر في المناهي فإذا عرفت أنك ارتكبت فيها شيئًا تداركه بالتوبة

والاستغفار والحسنات الماحية.

  1.  محاسبة النفس على الغفلة، ويتدارك ذلك بالذكر والإقبال على رب السماوات والأرض ورب العرش العظيم.
  2. محاسبة النفس على حركات الجوارح وكلام اللسان ومشي الرجلين، وبطش اليدين، ونظر العينين، وسماع الأذنين، ماذا أردت بهذا؟ ولمن فعلته؟ وعلى أي وجه فعلته؟

وفي النهاية لا أقول إلا كما قال الفضيل بن عياض: من حاسب نفسه قبل أن يحاسب خف في القيامة حسابه، وحضر عند السؤال جوابه، وحسن منقلبه ومآبه، ومن لم يحاسب نفسه دامت حسراته، وطالت في عرصات القيامة وقفاته، وقادته إلى الخزي والمقت سيئاته، وأكيس الناس من دان نفسه وحاسبها وعاتبها وعمل لما بعد الموت، وانشغل في عيوبها وإصلاحها.

 إنا لنفرح بالأيام نقطعها

                            وكل يوم يدني من الأجل 

فاعمل لنفسك قبل الموت مجتهدًا

                  فإنما الربح والخسران في العمل. 


الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

953

الثلاثاء 17-مارس-1970

ناس.. وقضايا.. وتعليقات

نشر في العدد 2147

153

الثلاثاء 01-سبتمبر-2020

الهجرة النبوية.. من دلالات المشهد