; المجتمع التربوي (1427) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع التربوي (1427)

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 21-نوفمبر-2000

مشاهدات 75

نشر في العدد 1427

نشر في الصفحة 58

الثلاثاء 21-نوفمبر-2000

معادلات إيمانية

 تعجيل الدنيا.. لطالبها!

  • كان الصحابة يعتبرون إقبال الدنيا عليهم نوعًا من استدراج الله تعالى لهم.

يقول تعالى في كتابه الكريم: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا﴾ (الإسراء: 18)، ويقول تعالى أيضاً: ﴿وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾ (الشورى: 20)، وفي هاتين الآيتين تتضح معالم هذه المعادلة، ففي شطرها الأول اختيار الدنيا والرغبة فيها، وتفضيلها على الآخرة، وفي شطرها الآخر نتيجة هذا الاختيار وهي تعجيل ما أراد المرء من الدنيا، وفي الآخرة ليس له شيء البتة غير جهنم يصلاها محتقراً.

ومن علم مثل هذه النتيجة الخطيرة كيف يختار هذا الاختيار الخطير، بل كيف يكون عاقلاً أو به ذرة من عقل من يختار ذلك.. يقول الإمام ابن القيم: «كيف يكون عاقلاً من باع الجنة بما فيها بشهوة ساعة» (۱).

وما أجمل ما علق الزاهد يحيى بن معاذ على ذلك الاختيار عندما قال: «ما عصى الله كريم وما أثر الدنيا على الآخرة حكيم» (۲)، ذلك لأن الحكيم ينظر بالعواقب، والسفيه هو الذي لا ينظر إلا لشهوته.

الزائلة المعجلة: لذات الدنيا كلها زائلة. ومن اختارها فإن الله يعطيها إياه، ويعجلها له في الدنيا، لأنه يحرم منها في الآخرة، حيث اللذات الدائمة.

يقول شيخ الأزهر محمد المراغي - رحمه الله معلقاً على قوله تعالى: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ﴾: أي (من كان طلبه الدنيا العاجلة ولها يعمل ويسعى، وإياها يبتغي لا يوقن بمعاد ولا يرجو ثواباً، ولا يخشى عقاباً من ربه على ما يعمل، يعجل الله له في الدنيا ما يشاء من بسط الرزق، وسعة العيش، ثم يصليه حين مقدمه عليه في الآخرة جهنم مذموماً على قلة شكره، وسوء صنيعه فيما سلف، مبعداً من رحمته، مطروداً من إنعامه) (۳).

كان الصحابة والتابعون - رضي الله عنهم - شديدي الخوف والحساسية من الدنيا، لدرجة أن أحدهم إذا رأى تتابع النعم على أحد من الناس ظن أن ذلك استدراج من الله، ويخشى أن تكون نعمة معجلة وليس له في الآخرة من نصيب مما جعل الإمام القدوة شيخ المدينة التابعي الجليل أبو حازم سلمة بن دينار، يقول: «إذا رأيت الله عز وجل يتابع نعمه عليك، وأنت تعصيه فاحذره» (٤)، وكان يقول: «نعمة الله فيما روى عني من الدنيا أعظم من نعمته فيما أعطاني منها. لأني رأيته أعطاها قوماً فهلكوا» (٥).

أدبرت عنكم:

كلمات بالغات لأصحاب الحق والمؤمنين الذين يتحسرون على منصب أعطي لغيرهم، وتجارة ينجح بها غيرهم من أهل الدنيا وهم يخسرون ورزق يبذر به أهل الدنيا ميمنة وميسرة، وهم محرومون منه، وغيرها من زخارف الدنيا، فيشغلهم ذلك عن ذكر الله، والسعي للآخرة، وينقلهم ذلك التحسر - يوماً بعد يوم - إلى بيع الآخرة وشراء الدنيا، فلا يعطون لآخرتهم إلا ما فضل من أوقاتهم.. يصيح التابعي الجليل عون بن عبد الله بأمثال هؤلاء قائلاً: «إن من كان قبلنا كانوا يجعلون للدنيا ما فضل عن آخرتهم، وإنكم تجعلون لآخرتكم ما فضل عن دنياكم» (٦).

ومن استمر في مثل هذه الغفلة عن الآخرة وشراء الدنيا فهو في خطر عظيم قد ينسيه الآخرة بالكلية، ثم ينزلق إلى المعاصي التي تجعله ربما ختمت حياته بها، لذلك عندما سئل زين العابدين علي بن الحسين من أعظم الناس خطراً، قال: «منلم ير الدنيا خطراً لنفسه» (۷).

ولأن الصحابة الكرام وطلاب الآخرة من بعدهم انتبهوا لخطورة الدنيا فقد هربوا منها عندما أقبلت عليهم، يقول عابد الكوفة الفقيه القدوة إبراهيم التيمي مخاطباً أبناء جيله بعد أن عقد مقارنة بين من مضوا من الصحابة والتابعين، ومن اقتفى أثرهم: «كم بينكم وبين القوم أقبلت عليهم الدنيا فهربوا، وأدبرت عنكمفاتبعتموها» (۸).

ولا يعني الهروب من الدنيا، اعتزالها بالكلية وتركها للفجار من أهل الأهواء يعبثون بها كيفما يشاؤون، واختيار الفقر على الغنى، بل الهروب المقصود هو جعلها بالأيدي لا في القلوب وإلا تشغلنا عما خلقنا من أجله وهو العبادة، وألا تكون لها الأولوية على الآخرة، وألا نعطيها جل أوقاتنا، وألا تكون سبباً في تقصيرنا فيما أمرنا الله به، وألا تبعدنا عن التقرب إلى مرضاته، هذا هو الهروب المقصود.

تعجيل مقيد: مع ذلك التعجيل من النعم المتقاذفة على أهل الدنيا وعبيدها، إلا أن الله تعالى جعلها مقيدة بقيدين: الأول قوله: «ما نشاء» أي ما يشاء الله سبحانه تعجيله له منها لا ما يشاؤوه ذلك المريد، ولهذا نرى كثيراً من هؤلاء المريدين للعاجلة يريدون من الدنيا ما لا ينالون ويتمنون ما لا يصلون إليه، والقيد الثاني هو قوله «لمن نريد» أي لمن نريد التعجيل له منهم ما اقتضته مشيئتنا وجملة «لمن نريد» بدل من الضمير في له بإعادة الجار بدل البعض من الكل، لأن الضمير يرجع إلى من وهو للعموم وهذه الآية تقيد الآيات المطلقة كقوله سبحانه: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ﴾ (هود: 15) (9).

خسارة الآخرة:

بالرغم من تعجيل النعم لمن اختار العاجلة وفضلها على الآخرة، فإن الخسارة الكاملة تنتظره في الآخرة الدائمة، ليتحقق الشطر الآخر من هذه المعادلة: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا﴾، يقول الشيخ المراغي: (وقد اشتمل هذا العقاب على أمور ثلاثة:

  1. الدوام والخلود (۱۰)، وإلى ذلك الإشارة بقوله: ثم جعلنا له جهنم يصلاها أي يدخلها حتى تغمره من جميع جوانبه.

  2. - الإهانة والاحتقار، وإلى ذلك أشار بقوله: «مذموماً».

3- البعد والطرد من رحمة الله دائماً، فلا يتخلل ذلك راحة ولا يعقبه خلاص وإلى هذا أشار بقوله: «مدحوراً» ) (۱۱).

وخسارة الآخرة لهؤلاء لا تعني أنها العقوبة الوحيدة، بل إن الله يعاقبهم في الدنيا قبل الآخرة، وذلك بتعسير الأمور عليهم وسلبهم السعادة النفسية، وراحة البال.

الهوامش

(1)  الفوائد ٤٥ – النفائس.                 (۲) الاستعداد ليوم المعاد

۳) تفسير المراغي 5/27 .                      (٤) صفة الصفوة ٢/ ١٥٧ 

(٥) سير أعلام النبلاء ٦ / ۹۸.             (٦) صفة الصفوة 3/١٠١ .

(۷) عيون الأخبار 2/330،331.             (۸) سير أعلام النبلاء 5/11

(۹) فتح القدير - الشوكاني 3/216.

(۱۰) الخلود لا يكون إلا للكافرين، أما المسلمون العصاة فإنهم يعذبون ما شاء الله ثم يكون مصيرهم إلى الجنة.

(۱۱) تفسير المراغي 5/27.

رمضان بيننا من جديد

زيد بن محمد الرماني

  • محطة كبرى لتطهير النفس والتزود بالطاعات وتوثيق الصلة بالله والناس

ها هو رمضان معنا وبيننا من جديد بعد سنة كاملة من الغياب.. فماذا فعلنا من أجله ولأجله؟ هل استقبلناه بما يليق من الحفاوة والتكريم؟ هل صامت أسلحتنا عن الولوغ في الدم الحرام، فلم نجدد حكاية قابيل وهابيل كل يوم؟ هل صامت ألسنتنا عن الفحش والكذب وقول الزور؟ هل صامت أعيننا وأيدينا وأرجلنا عن اقتراف المحرمات والنظر إليها والسعي وراءها ؟ هل صامت نياتنا عن التفكير بالإساءة إلى الآخرين؟ وهل عطف كبيرنا على صغيرنا واحترم صغيرنا كبيرنا كما يريد ربنا تعالى؟ هل فك أغنياؤنا رباط القسوة عن قلوبهم فخفقت لشهر واحد بالرحمة والإحسان إلى الفقراء والمحتاجين؟

هل شعر تجارنا بالغلاء الذي يكوي القلوب ويشق الجيوب، فلا يستقر فيها ريال أو دينار؟ هل شعروا بأن الأسعار التي يرفعونها، والأرباح التي يأملون تحقيقها في رمضان فيها مشقة على إخوانهم المسلمين؟

إن محطة الصيام التي نمكث فيها شهراً كاملاً، نقهر نفوسنا بالجوع والعطش كي نقودها ولا تقودنا، وننتصر عليها ولا تنتصر علينا في معركة الجهاد الأكبر الذي أشار إليه رسول الله، هذه المحطة ينبغي أن نعرف بماذا نتزود منها وماذا نترك؟

خير الزاد:

نتزود في هذه المحطة بشحنة روحية من موائدها الغنية، فنتدارس القرآن والأحاديث ونتقرب إلى الله عز وجل بالطاعات التي تشحن نفوسنا بقوة الإيمان والقدرة على اجتياز مرحلة ما بعد المحطة، ونترك فيها الطعام والشراب والغيبة والنميمة، والكذب والغش، وأذى الناس فتصوم ألسنتنا عن السباب، وجوارحنا عن الأذى، وأعيننا عن النظر إلى المحرمات، وأيدينا عن فعل المنكرات، وأرجلنا عن السعي إلى المحظورات.

ومتى فعلنا ذلك أدركنا أننا صائمون حقاً. وأننا معنيون بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه» (رواه البخاري ومسلم).

يقول الشاعر:

إذا لم يكن في السمع مني تصامم *** وفي مقلتي غض وفي منطقي صمت

فحظي إذن من صومي الجوع والظمأ وإن قلت إني صمت يوماً فما صمت وللأسف، فإننا نشاهد في أيامنا هذه ما وصل إليه الناس من فهم لرمضان، وممارسة للصيام، فهم يتبارون في صنع الأطباق المتنوعة ولا يكتفون بطعام واحد، بل يصنعون على موائد الإفطار كل ما تشتهيه نفوسهم في أثناء النهار فإذا دوي مدفع الإفطار انطلقوا على سجيتهم يملؤون بطونهم من كل نوع حتى التخمة وجهلوا أن رمضان مصنع للرجال، وليس مطبخاً للطعام، فلو تجول الإنسان في الأسواق عشية الإفطار لرأى العجب العجاب من تهافت القادرين على شراء المآكل المتنوعة، حتى ترتفع الأسعار تبعاً لزيادة الطلب، وتفقد أحياناً هذهالمواد الغذائية من الأسواق، ويتعذر بالتالي على الفقراء شراء ما يحتاجون.

 العودة إلى الله: يقول القاضي محمد سويد في كتابه الرائع من رياض الإسلام إن هناك ناحية نفسية مهمة هدف إليها الإسلام بإنشاء هذه المحطة الكبرى الرمضانية، ألا وهي ربط المسلم بالله، بحيث يشعر أن هذه الفريضة سر بينه وبين الله لا ثالث بينهما.

عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى: «كل عمل ابن آدم له إلا الصوم، فإنه لي، وأنا أجزي به» رواه (البخاري ومسلم).

ولما كانت دعوة الصائم الممتثل لأوامر الله المجتنب لنواهيه مستجابة في رمضان، فإن ما ينبغي أن يفعله المسلم الصائم هو أن يتوجه إلى الله بخشوع لقضاء حوائجه ورغائبه فمن المستحب الدعاء عند رؤية هلال رمضان، فعن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال: «كان رسول الله عليه الصلاة والسلام إذا رأى الهلال قال: «اللهم أهله علينا باليمن والإيمان، والسلامة والإسلام، والتوفيقلما تحب وترضى ربي وربك الله»

ومن المستحب أن يدعو الصائم عند الإفطارفيقول: «اللهم إني لك صمت، وبك آمنت وعلى رزقك أفطرت، ذهب الظمأ، وابتلت العروق، وثبتالأجر إن شاء الله».

ويستحب للصائم أن يتوجه إلى الله بالدعاء في ليالي رمضان حيث تفتح أبواب السماء ويستجيب الله عز وجل الدعاءختاماً.

إن أعظم هدية حملها إلينا رمضان، بل حملها إلى البشرية جمعاء هي القرآن الكريم الذي أنزله الله تعالى في هذا الشهر المبارك على محمد صلى الله عليه وسلم فقال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (البقرة: ١٨٥).

كما أن هدية رمضان الثانية هي ليلة القدر، وهي ليلة نزول القرآن الكريم على محمد عليه الصلاة والسلام، وكيف لا تكون هدية عظيمة وفيها انطلقت أنوار العلم والمعرفة، ماحية ظلمات الجهل والجاهلية؟

وبعد.. فلو أسهم كل منا بإحياء رمضان في نفسه لعم الرخاء، وذهب البلاء وكنا بنعمة الله إخواناً .

الرابط المختصر :