العنوان المجتمع الأسري.. العدد 1479
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 01-ديسمبر-2001
مشاهدات 75
نشر في العدد 1479
نشر في الصفحة 60
السبت 01-ديسمبر-2001
البطنة.. عصبية الأزواج.. موظفون بلا عمل.. الإفطار على سيجارة
مظاهر مؤسفة في رمضان
مركز الإعلام العربي
هناك مجموعة سلوكيات ومظاهر مرفوضة شرعًا، ولا تمت للصوم بصلة، وتتنافى مع حكمته وآدابه ومقاصده، كما لا تتناسب مع سلوكيات المسلم الملتزم بتعاليم دينه، وتؤدي إلى نقص ثواب الصائم إن لم تفسده أصلًا. هذا التحقيق يسلط الضوء على أبرز تلك السلوكيات والمظاهر المرفوضة، مع الدعوة إلى هجرها، والالتزام بآداب الصيام، والتحلي بأخلاقياته الرفيعة، ومراميه السامية.
ينتقد الدكتور عبد الصبور شاهين .-الأستاذ بكلية دار العلوم جامعة القاهرة- سلوك الإسراف والتبذير في إعداد أصناف الطعام من جانب بعض الصائمين كأنهم محرومون من الطعام والشراب منذ سنوات، مشيرًا إلى أن هذا الإسراف يرهق ميزانية الأسرة، ولا يتناسب مع وقار الشهر الكريم. ويضيف: نحتاج إلى أن ننظر نظرة أخرى إلى الصيام، فقد أراد الله «عز وجل» لنا أن نصوم لنقلل من الجانب الجسدي الترابي لدينا، ولنظفر بقدر كبير من الطاقة الروحية، ونور الهداية، فإذا جعنا طوال النهار ثم جئنا بعد أذان المغرب، وملأنا بطوننا بأنواع الطعام، فإن معنى ذلك أننا نخرج ألسنتنا لفريضة الصيام ونقول: سمعنا وأطعنا ...ولكن شبعنا وصرنا لا نستطيع أن نحمل أجسادنا لقيام رمضان. ويضيف د. شاهين: من السلوكيات التي لا تعجبني كذلك في شهر الصيام ما نجده في الأماكن المزدحمة قبل الإفطار من تدافع وعصبية وضجر وهذه كلها تتنافى مع أخلاق الصيام.
عصبية الأزواج
بعض الأزواج يثورون وينفعلون على أزواجهم وعلى المحيطين بهم لأتفه الأسباب بحجة الصيام وهو سلوك يستنكره د. محمد رأفت عثمان -عميد كلية الشريعة جامعة الأزهر: إذ من المتصور أن يكون الصائم هادئ الطباع، وهذا هو الأمر الطبيعي في الصيام، أما ما يدعيه بعض الناس من أن الصيام أثر عليهم فأصابهم بالتوتر، مما جعلهم يثورون فهو علامة من علامات عدم تشبعهم بروح الصيام وروحانيته، ولو كان من يثور لأتفه الأسباب قد تشبع بهذه الروح لعلم أن هذه الفريضة تحث على الخير، وحسن المعاملة بين الناس، وأقربهم إليه في المقام الأول، وهو زوجه، إذ الصائم الحقيقي هو الذي يحسن معاملة الناس، وخاصة أهل بيته لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي». ويضيف: من يتذرع بالصيام لتعليل انفلات أعصابه لم تتغلغل العبادة في كيانه: لأنه من المفروض أن يحدث العكس تمامًا، فيهذب الصيام أخلاق الصائم، ويجعله صابرًا: يتحمل أخطاء وأذى الآخرين. وهذا هو الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يوصي المسلم بأنه إذا شاتمه أحد في رمضان وهو صائم أن يقول: «إني صائم» فالصيام صم الإنسان من أن تنفلت أعصابه بدلًا من أن يكون الصيام ذريعة لهذا الانفلات.
التلفاز.. والتسول
وبعين الخبير الاجتماعي، يرصد الدكتور أحمد المجدوب -الخبير بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية -عددًا من السلوكيات المرفوضة التي لا تتفق مع مكانة وجلال شهر رمضان والحكمة العظيمة من الصيام فيقول: إن البعض لا ينظرون إلى شهر الصيام النظرة الروحية السامية ولا إلى قيمته العليا في التراحم والتسامح والتواد واحترام الآداب العامة، فنجد بعض الصائمين يتركون تلاوة القرآن في شهر القرآن ولا يحرصون على أداء الصلاة، بل حريصون على مشاهدة الأفلام والقنوات الفضائية لإضاعة الوقت، وهذه الأفلام تتضمن مشاهد ميعة تقلل ثواب الصائم إن لم تحبط أجره.
هذا في النهار، أما في الليل وعقب الإفطار فنجد البعض يحرص على مشاهدة التلفاز، وخاصة مسابقات الفوازير بين القنوات التي تُذاع عقب الإفطار ووقت صلاتي العشاء والتراويح؛ مما يحرم بعض من قيام رمضان، وحضور صلاة العشاء الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يقول: « مَن صامَ رَمَضانَ إيمانًا واحْتِسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ »(البخاري:2014). ويضيف د. المجدوب من الظواهر التي تؤذي المنظر وتصيب بالضيق انتشار المتسولين رجالًا ونساءً وأطفالًا في هذا الشهر الكريم في الشوارع والميادين وأمام المساجد بصورة لافتة للنظر، كأن الشهر شهر التسول، وتلك صورة مرفوضة، ويقترح أن يتم عمل حصر بأسماء المتسولين وتقوم الهيئات الخيرية ووزارة الشؤون الاجتماعية، بتقديم الإعانات المادية والعينية لهم بعد التأكد من أحقيتهم لذلك، أما من يثبت عدم أحقيته فيجب القبض عليه وتقديمه للمحاكمة؛ حتى لا يسيئوا إلى شهر الصيام، ولا إلى صورة أي بلد إسلامي في عيون زائريه.
موظفون بلا عمل
ومن جهته، يستنكر الدكتور مصطفي الشكعة -عضو مجمع البحوث الإسلامية -تقاعس بعض العاملين والموظفين عن أداء أعمالهم الوظيفية في شهر الصيام، مما يؤدي إلى تعطيل مصالح الناس، ويقول د. الشكعة: إن الصيام عبادة، والعبادة عمل وجهاد، ولقد انتصر المسلمون في العديد من الغزوات والفتوحات الإسلامية، وهم صائمون في شهر رمضان. أما تكاسل بعض الموظفين عن أداء أعمالهم والنوم في أماكن العمل بحجة الصيام فسلوك يرفضه الإسلام، إذ الصائم العامل المؤدي عمله أفضل عند الله من الصائم الكسول المهمل، ذلك أنه يؤجر أجرين عن الصوم والعمل. ويضيف د. الشكعة أن بعض الموظفين المتكاسلين عن أداء أعمالهم غالبًا ما يضيعون ثواب صيامهم بالمزاح الفارغ والانشغال بالحديث عن عيوب الناس، وذكر ما يدخل الصائم في حظيرة الغيبة، فلا يكون له من صومه إلا الجوع والعطش لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: « ربَّ صائمٍ ليسَ لَه من صيامِه إلَّا الجوعُ والعطش»(ابن ماجه:1380).
الإفطار على السجائر
من السلوكيات الخاطئة التي يراها د. محمد نبيل غنايم -أستاذ الشريعة بجامعة القاهرة- التي تتنافى أيضًا مع جلال وعظمة شهر الصوم وثمراته المتعددة، بدء البعض إفطاره بتدخين سيجارة بدلًا من تناول التمر، كما أمر بذلك رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم بقوله: « إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر فإنه بركة، فإن لم يجد فعلى الماء فإنه طهور» رواه الترمذي (658)..
فبدلًا من أن يتخلق هؤلاء بخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتناولوا شيئًا من التمر أو الماء، نراهم يجلبون لأنفسهم أضرارًا صحية ومالية، وكذلك لأسرهم والجالسين معهم، ومن المعلوم شرعًا أن التدخين حرام لما يجلبه من أضرار ومخاطر على المدخن والمحيطين به، وقد أثبت الطب الحديث أن أقل هذه الأضرار الصحية إصابة المدخن بسرطان الرئة، كما أن التدخين لون من ألوان الإسراف والتبذير المنهي عنه شرعًا. ويواصل د. غنايم حديثه بقوله: إذا كانت فريضة الصيام العظيمة درسًا عمليًا في تقوية الإرادة والتحلي بالتقوى، عن طريق ترك المباحات من طعام وشراب، فإنها أيضًا فرصة عظيمة للتخلي عن العادات السيئة، وأبرزها التدخين؛ لذلك أدعو المدخنين إلى استغلال هذا الشهر المبارك للتخلص نهائيًّا من تلك العادة الذميمة التي تفتك بصحتهم.
أطفالنا في رمضان
تدريبهم على الصيام بالرفق واللين ما بين السابعة والعاشرة
اختلف العلماء في تحديد السن التي يجب على الآباء والأمهات أن يأمروا أولادهم عندها بالصيام، فبينما قال الإمامان الشافعي وأبو حنيفة: «يؤمر الولد بالصوم وهو ابن سبع سنين» نرى الإمام أحمد بن حنبل يحدد بداية الصيام بعشر سنين. وقال إسحاق بن راهويه: «من واجب الآباء والأمهات أمر أولادهم بالصوم عند بلوغهم اثني عشر ربيعًا». ويقول الإمام الأوزاعي: «إذا أطاق ثلاثة أيام تباعًا لا ضعف فيهن حمل على الصوم». ويقول الإمام الغزالي في «إحياء علوم الدين»: «وعندما يبلغ الصبي سن التمييز، فينبغي ألا يسامح في ترك الطهارة والصلاة، ويؤمر بالصوم في بعض أيام رمضان»
بالرفق واللين
إذا كان تدريب الأطفال على الصيام أمرًا مستحبًا، فإن ضربهم على ذلك حرام فقد يؤدي بهم إلى الانحراف.. فإجبار الطفل على الصيام يدفعه إلى تناول المفطرات سرًا ثم يتظاهر بالصوم، وتكبر معه هذه الخيانة، لأنه عادة لا يقدر معنى الأمانة، ولا يحترم المسؤولية. لذا ننصح الآباء والأمهات أن يدربوا أطفالهم على الصوم، وأن يحببوا إليهم ذلك بالرفق واللين، وأنصح أختي المسلمة بالتدرج مع ابنها في الصيام حتى يعتاده.. ابدئي معه أولًا بصيام ساعات عدة، ثم بأيام عدة، والمهم أن يعتاد صيام شهر رمضان حين يصل إلى سن البلوغ، فقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوِّدون أولادهم على الصوم، ويرغبونهم فيه بأنواع من اللعب يلهونهم بها عند الرجوع.
كذلك اهتمي بالغذاء الصحي المتوازن لطفلك، وعوديه على الإفطار على تمر أو ماء، وأداء صلاة المغرب، وعند البدء في الإفطار أعطيه قليلًا من السوائل الدافئة كالشوربة لتنشيط معدته، وحاولي أن تكون الوجبة الأساسية محتوية على العناصر الغذائية المتكاملة. لبناء الجسم أيضًا حاولي التركيز على أي مصدر بروتين كاللحم والسمك والبيض مع ملاحظة النوعية باعتبارها أهم من الكمية.
علموهم قراءة القرآن
لا يغيب عن أذهان الآباء والأمهات، وهم يدارسون القرآن خلال أيام هذا الشهر المبارك أن يعلموا أولادهم قراءة القرآن؛ لأن الطفل كما يقول ابن كثير في «المختار من فضائل القرآن» اقرأ وتعلم القرآن، بلغ وهو يعرف ما يصلي به، كما أن حفظه في الصغر أولى من حفظه كبيرًا وأشد علوقًا بخاطره وأثبت مما هو معهود من كل الناس.
طفلك والصدقة
«من شب على شيء شاب عليه» كما قيل من عوده أهله على أمر منذ الصغر تعود عليه، وأصبح جزءًا من حياته كما قال القائل قديمًا:
وينشأ ناشئ الفتيان فينا
على ما كان عوده أبوه
وعلينا أن نبدأ مع أولادنا بتعويدهم على فعل الخير والصدقات ليسعدوا في الدنيا والآخرة.
ومن الأساليب التي يسلكها الوالدان في سبيل تحقيق هذا الهدف.
- تذكير الأولاد بأهمية الصدقات وفعل الخير بلغة سهلة تتناسب مع سنهم، ومستويات عقولهم، والاستدلال بالآيات والأحاديث، وتبسيط معانيها لهم.
- أن نسلك معهم سبيل القصة، فنقص عليهم بعضًا من قصص القرآن والحديث النبوي الشريف وسيرة الصحابة والتابعين، وكذلك بعرض أخبار المحسنين في العصر الحاضر، فالقصة وسيلة عظيمة من وسائل التعليم كما قال تعالى: ﴿ فاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الأعراف: 176).
- أن نعودهم على الصدقة سواء أن نجعل لهم في البيت صندوقًا يضعون فيه ما يزيد عن حاجتهم، وعند امتلائه يسلم إلى إحدى الجمعيات الخيرية، أو كلما مررنا في السوق أو في أي مكان أن نعطيهم مبلغًا من المال، ولو قليلًا ليدفعوه إلى مراكز اللجان الخيرية.
- أن نذكرهم بين الحين والآخر بفضل الصدقة، وعظيم جزائها في الدنيا والآخرة، وأن نكون نحن قدوة لهم في فعل الخير، فإن الوالد محط أنظار أبنائه، ويحاولون دائمًا تقليده ومتابعته في كل شيء.
طفلك والدعاء
عرفي طفلك أفضل الدعاء، وحفظيه بعض الأدعية، وبخاصة وقت الإفطار
المذاكرة في رمضان
من الأفضل ألا تكون المذاكرة بعد الإفطار مباشرة؛ لأن العقل لا يكون في حال استيعاب، وألا تكون قبل الإفطار لأن نسبة الجلوكوز تكون قليلة في الجسم، ولا تساعد على التركيز الذهني، وعدا هذين الوقتين يمكن لكل أم أن تنظم لطفلها مواعيد الاستذكار مع الأخذ في الاعتبار أن ينام الطفل وقت القيلولة حتى يتسنى لجسده أن ينعم بالراحة قليلًا، ثم ينهض نشيطًا لاستذكار دروسه وحل واجباته..
سليمان خالد الرومي