العنوان مظاهر الاحتفاء بشهر رمضان المبارك في جزر القمر
الكاتب حامد كرهيلا
تاريخ النشر السبت 06-يوليو-2013
مشاهدات 95
نشر في العدد 2060
نشر في الصفحة 34
السبت 06-يوليو-2013
التمر والماء أو شراب النرجيل أول ما يتناوله الصائم القمري عند الإفطار
الدروس الرمضانية والحلقات العلمية في تفسير القرآن الكريم أبرز المظاهر الاحتفالية الرمضانية
المسحراتي مازال له رونقه في رمضان رغم انتشار وسائل التكنولوجيا الحديثة
يحتفي القمريون – كغيرهم من إخوانهم المسلمين في كل أصقاع العالم – يشهر رمضان المبارك ويستقبلون هذا الضيف الكريم بكل حفاوة وترحاب، وبهجة وسرور ومتعة وحبور.. فمن العادات الأصيلة للمجتمع القمري وتقاليده العريقة التي يتم بها التحضير والاستعداد لاستقبال هذا الشهر الفضيل، تخزين الأطعمة الصالحة للاستهلاك في رمضان مثل الحبوب والبقول ابتداء من شهر رجب الخير ويلي ذلك تزيين المنازل، وتشطيب المساجد، وتغيير فرشها في شهر شعبان.
وعند ثبوت رؤية هلال رمضان يشرع القمريون في قضاء أيامه ولياليه بالصلاة والصيام والقيام وتلاوة القرآن الكريم، والذكر والدعاء، وأداء التراويح جماعة في المساجد والجوامع، والتقرب إلى الله عز وجل بتوزيع ما يتيسر من صدقات وهدايا على الأقارب وذوي الأرحام والمحتاجين والفقراء ويسود المجتمع القمري – الذي يخلو عادة طوال الشهر من السفور والخمور – جو تقي منعش بالطيبة والظهر والعفة ويفيض بمشاعر روحانية جياشة، تنم عن مدى احتفاء القمريين – رجالا ونساء – بهذا الموسم الروحاني الذي أوله رحمة وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار.
فعاليات مميزة
ومن أبرز المظاهر الاحتفالية في هذا الشهر العظيم في المجتمع القمري والتي يمتازون بها عن سواهم – في تقديري -هي الدروس الرمضانية، والحلقات العلمية في تفسير القرآن الكريم، والتي تبدأ من اليوم الأول من الشهر، وتقام في الجوامع من بعد صلاة العصر من كل يوم إلى قبل الغروب وتستمر حتى اليوم الثامن والعشرين، ويؤم هذه الفعاليات الدينية المواطنون في كافة الشرائح والمستويات بمن فيهم رئيس الجمهورية في مشهد فريد يحفل بالتواضع والوقار، والحرص على نيل الأجر والثواب بتعلم كتاب الله تعالى والتزود بمعانيه والرشف من ينابيعه.
ويبرز في ليالي رمضان الكثير من عادات الإنسان القمري الطيبة التي تجسد قيم الإسلام، وتبلور أواصر الأخوة والمودة والترابط الاجتماعي والناذر العائلي، وتضم الكبار والصغار سواء على مائدة الإفطار وتتناول السحور، ومما يقدم على المائدة القمرية في رمضان والتي تزدان بكل ما لذ وطاب، وخاصة في الإفطار من الأكلات الشعبية الشوربة على أنواع مختلفة «شوربة دقيق الأرز، وشوربة دقيق الذرة، وشوربة دقيق ما يسمى بالساغو»
واللقيمات والسمبوسة، وتشكيلات من الخبز والموز بأنواع طبخاته كالموز المشوي والمقلي والمطبوخ مع اللحم أو السمك بعصارة الترجيل أو بدونها، والقلقاس والبطاطس و المانجو.. وأنواع الفواكه، والعصائر الطازجة، وغير ذلك من المعجنات ذات أشكال متنوعة ومذاقات مختلفة، مصنوعة من دقيق القمح والسمن.
عادة عريقة
ويكون التمر والماء أو شراب الترجيل أول ما يتناوله الصائم القمري عند الإفطار، أما في السحور فالوجبة المفضلة لدى الأوساط الفقيرة وذات الدخل المتوسط في القرى والبلدات الصغيرة هي الأرز الأبيض الذي يتناول " عادة – مع اللبن الرائب أو المرق، بينما الأمر يختلف تماماً في الأوساط المتحضرة والميسورة الحال، حيث يقتصر فيها السحور على وجبة خفيفة قد تكون كوب شاي أو كاس عصير وتقوم بعض المدارس بتنظيم مسابقات نافية، وفي حفظ القرآن الكريم.
وثمة مظهر رائع في المجتمع القمري مثل في عادة رمضانية عريقة، ترسم ملامح الخصوصيات هذا الشهر في المشهد الشمري و «ديناميات» التفاعل الاجتماعي، والحراك الروحاني خلال شهر رمضان المبارك حيث يقوم شخص معين في القرية أو في الحي في الساعة الثانية قبل حلول موعد الإمساك بفترة كافية. وينادي بأعلى صوته منشداً بنغمة مطرية، وإيقاع مبهج مؤثر: «أيها النوام قوموا للصلاة اذكروا الله الذي اجري الرياح شعروا... تحروا .. فإن في السحور بركة».
وهذا الغرض إيقاظ وتبيه من يكون غفت عينه بالنوم لأداء صلاة الوتر، وتناول السحور، ثم صلاة الفجر، لكي لا يفوته الأجر العظيم الذي يترتب عن القيام بهذه الشعائر في هذا الطرف المميز الذي تتجلى فيه النفحات وتنزل البركات وتستجاب الدعوات من خالق الأرض والسماوات وهذه العادة التي تشبه ما كان يعرف به المسحراتي في الوطن العربي، وإن كانت ما زالت قائمة حتى الآن في بعض القرى القمرية، إلا أنها فقدت روعتها وإيحاءاتها في المدن، بل أخذت طريقها إلى الانقراض بسبب مخرجات الحياة الحديثة التي تسارعت وتيرتها، حيث أصبحت الإذاعات والفضائيات والهواتف النقالة والمنبهات الإلكترونية المبرمجة – سلفا – تقوم بذلك الدور.
وفي هذا السياق نشير إلى أن من عادانا المتوارثة في الليالي الرمضانية، قبل أن يغزونا عصر المسلسلات تتحلق أطفال الأسرة حول جدتهن التي تروي لهم الحكايات الأسطورية والألغاز والأغاني والقصص التي تتحدث عن سيرة النبي ، والصحابة وأبطال المسلمين مما كانت تعكس تصورات المجتمع القمري وسلوكياته الاجتماعية، وانماطه الأدبية والثقافية.
بهجة الأطفال
وفي اليوم السادس والعشرين من رمضان يحتشد أطفال الحي، ويتجمهرون التأنيب إخوانهم غير الصائمين، بسبب من الأسباب وضربهم ضربات خفيفة غير موجعة على رؤوسهم، وقد لا يوجد من بينهم مقطر، وإنما جرت العادة ضمن الفعاليات الخاصة بهذا الشهر الاحتفاء به في هذا اليوم بالذات، بهذا المشهد الرائع الذي يجعل الأطفال يتسابقون على سيام الشهر كله، لكي لا يتم ثانييهم وفضحهم في هذا اليوم، ويبدو لي أن الغرض من هذه الفعالية إظهار الفرحة والابتهاج القرب حلول يوم العيد ومما يتم ترديده في هذا اليوم الآخر هوا «ما هذا اليوم أيها المقطرون هذا اليوم السادس والعشرون أبها المضطرون وسنتناول معكم وجبة الغداء أيها المفطرون .....»
ويتم الاحتفاء هذا اليوم – كذلك – بعد صلاة العشاء والتراويح بليلة القدر، بإحيائها بالتقرب إلى الله تعالى بالإكثار من الصلاة وتلاوة القرآن والأذكار.
ومن هنا نأخذ المظاهر الاحتفالية نمطاً آخر يتمحور في مراسيم توديع الضيف العزيز باختتام الدروس الرمضانية، استعداداً الدفع زكاة الفطر، والاحتفال الكبير بعيد الفطر المبارك الذي يتميز بغير قليل من مظاهر الفرح والبهجة والسعادة – شعبياً ورسمياً – وضروب من التواصل والتكامل.
فكل مواطن قمري يحرص – من عشبة العيد – على تواجده في مسقط راسه بين أهله وجيرانه وأحبابه وسكان بلدته لتعزيز أواصر القرابة والإخاء ووشائج التلاحم والتضامن والترابط الاجتماعي، الذي يشكل العمود الفقري للمجتمع القمري قديماً وحديثاً .
الرابط المختصر :