العنوان مظاهرة ٢٠ أبريل.. نهاية صمت المـواطن الأمريكي
الكاتب علاء بيومي
تاريخ النشر السبت 04-مايو-2002
مشاهدات 57
نشر في العدد 1499
نشر في الصفحة 26
السبت 04-مايو-2002
هناك دلالات عدة لمظاهرة العشرين من أبريل التي وصفها المحللون بأنها أكبر مظاهرة تأييد للشعب الفلسطيني في تاريخ الولايات المتحدة:
أولى الدلالات التي رأيناها هي كون القضية الفلسطينية المحرك الأول لجموع المسلمين والعرب في أمريكا، فما رأيناه يوضح أن فلسطين وحدها قادرة على تجميع المسلمين والعرب في أمريكا وعلى تحريكهم عاطفيًا وماديًا، وعلى تحويل قوتهم العددية إلى فعل مادي محسوس.
ولا يعني هذا أن فلسطين هي القضية الوحيدة الموجودة على أجندة مسلمي أمريكا السياسية فقد احتج المتظاهرون على السياسة الأمريكية تجاه العراق وكشمير وتجاه حقوق وحريات المسلمين والعرب في أمريكا وتجاه التحيز ضد قضايا المسلمين والعرب في الدوائر الإعلامية والسياسية.
ولكن المثير هو أن القيادات المسلمة والعربية الأمريكية أنفقت وقتًا ليس قصيرًا في الشهور الماضية تفكر في كيفية تحريك الجماهير المسلمة والعربية في حدث سلمي إعلامي جماهيري وسياسي ضخم يشغل العاصمة الأمريكية، وقد استطاعت القضية الفلسطينية تجميع ليس فقط المسلمين والعرب الأمريكيين, وإنما أيضًا الأمريكيين أنفسهم بعشرات الآلاف كل هذا حدث تلقائيًا وعفويًا وبسهولة ونجاح أدهشا منظمي المظاهرة.
ثانية الدلالات هو دور الأمريكيين أنفسهم، وهو دور كبير ليس فقط لمشاركة آلاف الأمريكيين في المظاهرة ولكن أيضًا لأن منظمي المظاهرة هم بالأساس مجموعات ومنظمات أمريكية تتشكل من تحالف يضم أكثر من ٣٠٠ منظمة أمريكية غير مسلمة وغير عربية.
وقد رأيت بعض الأمريكيين الذين شاركوا في هذه المظاهرة يجوبون شوارع واشنطن ليلًا وبعد انتهاء المظاهرة ورحيل الجموع المسلمة والعربية حاملين الأعلام الفلسطينية.
عدد كبير من المنظمات الأمريكية غير المسلمة وغير العربية التي شاركت في المؤتمر يعتبر جزءًا مما يسمى بحركات السلام الأمريكية وهذه تعد جزءًا مما يسمى بحركات الحقوق المدنية والحركات المناهضة للحرب والحركات المناهضة لسيطرة الدول الغنية على الدول الفقيرة والحركات المناهضة لانتشار أسلحة الدمار الشامل بمعنى آخر هي حركات مناهضة لكل المكونات السلبية لنظام الرأسمالية الغربية خاصة فيما يتعلق بهيمنة الغرب على الشعوب الفقيرة.
فأبناء هذه الحركات يشعرون بالظلم الواقع على أبناء الشعوب الفقيرة ويبذلون أقصى جهودهم لتوعية الشعب الأمريكي بمعاناة هذه الشعوب وبمعاناة الأقليات التي تتعرض للتمييز ولو أتيحت لك الفرصة لمصادقة بعض المشاركين في هذه الجماعات لوجدتهم من أكثر الناس انفتاحا على الآخر ورغبة في تفهمك وشعورًا بهمك وخوفًا على التمييز ضدك وجرح مشاعرك.
دبلوماسيون.. لكن فقراء
بمعنى آخر فإن أبناء هذه الحركات هم دبلوماسيون على أعلى مستوى ولكنهم دبلوماسيون فقراء يرفضون عمدًا القوة الاقتصادية والسياسية كنوع من الاحتجاج على ما قادت إليه هذه القوى في صورتها الرأسمالية السلبية من ظلم وقسوة في حق الفقراء والمستضعفين.
ومن خصائص أبناء هذه الجماعات الحزن والقلق النفسي الدفين الذي يحملونه معهم أينما ساروا، فهم عبارة عن جماعات رفض الواقع المجتمعات الغربية الأخلاقي والقيمي الفاسد فهم يشعرون بالأسى ليس فقط لأبناء الجماعات المستضعفة والمظلومة ولكن أيضًا لأسرهم الممزقة ولأحلامهم وأجسادهم المنتهكة المظلومة التي لا تجد مرسى ولا نهاية لعذابها هذا، فهي لا تجد من يقدم لها بديلًا قيميًا يزود أنفسها التائهة بالراحة.
ولمعاناة أبناء هذه الجماعات لا يقبل على عضويتها أعداد كبيرة من الأمريكيين، فالأمريكيون بطبيعتهم يخشون الألم ويبحثون عن اللذة ولكن هذه الجماعات رغم قلة عضويتها تتميز باحترام وتقدير فئات واسعة داخل المجتمع الأمريكي، فهي تكاد تكون ضمير الأمة الأمريكية الحي الذي يتألم ويعاني العذاب- وفقًا لبعض فلسفات الفكر الغربي - ليكفر عن سيئات بقية أبناء المجتمع ويحقق لهم الخلاص الأبدي الذي يبغونه ولا يطيقون مشقة السعي إليه.
وجود مثل هذه الجماعات في الولايات المتحدة والمجتمعات الغربية يعطي مؤشرًا على وجود فرصة كبيرة للتقريب بين الحضارتين الغربية والإسلامية، وقد أثبتت مظاهرة العشرين من أبريل - أن هذا التقريب هو حقيقة واقعة، وأتذكر قول أحد قادة هذه الجماعات - خلال المؤتمر الصحفي الذي عقد يوم التاسع عشر من أبريل للإعلان عن المظاهرة - حين ذكر أن هذا التحالف من المنظمات - المنظمة للمظاهرة فكر منذ عشرين سنة - وتحديدًا حين توغلت القوات الإسرائيلية في لبنان - في أن ينظم مظاهرة مشابهة للاحتجاج على التصرفات الإسرائيلية، ولكن خشيت هذه الجماعات في ذلك الوقت من تهميش دور المنظمات الموالية لإسرائيل لها في الوقت الذي لم تجد فيه منظمات مسلمة وعربية مساندة لها..
بمعنى آخر فإن وصول المسلمين والعرب لهذه الجماعات تأخر حوالي عشرين عامًا، كما أنه يعني أن المنظمات الموالية لإسرائيل عزلت نفسها عن إحساس وحركة الجماهير الأمريكية والمواطن الأمريكي العادي، فقد أصبحت جزءًا من تركيبة القوة السياسية والإعلامية والاقتصادية في أمريكا بعيدة كل البعد عن تركيبة البنية الشعبية.
هذا يعني أن المسلمين والعرب في أمريكا لديهم فرصة كبيرة للوصول إلى الشعب الأمريكي واعتقد أيضًا أن هذه الفرصة كانت سائحة منذ سنوات وربما عقود طويلة ولكننا لم نستثمرها، وقد كرر قادة المنظمات المسلمة والعربية الأمريكية المقولة السابقة وأكدوها في كل مناسبة، فليس من الصعب على أي نشط مسلم أو عربي مقيم في أي مدينة أمريكية أن يدرك أن جميع أبواب المؤسسات الإعلامية والسياسية والدينية والجماهيرية الكبرى مفتوحة أمامه بما في ذلك الكونجرس ذاته.
والمشكلة بالأساس تكمن - من وجهة نظري - في عقلية المسلمين والعرب أنفسهم الذين ينظرون إلى كل النظم والتجارب السياسية بنفس العقلية التي كونوها بسبب نشأتهم في بعض البلدان التي لا تشجع المشاركة السياسية، إذ يميل العرب والمسلمون دون قصد إلى رؤية جميع الأنظمة السياسية على أنها أنظمة مغلقة مستحيل الوصول إليها ومحاطة بسياج أمني وسياسي قوى يستحيل التوغل فيه بأي طريقة إلا بإرادة القائمين عليه.
وبسبب هذه المعتقدات يقرر غالبية المسلمين والعرب عدم خوض تجربة التأثير على المواطن الأمريكي، ويفضلون اتباع مذهبهم السياسي المفضل الذي نشؤوا وتدربوا عليه خارج أمريكا وهو مبدأ النقد من أجل النقد الذي لا يقود إلى فعل وإنما إلى السخرية من كل شي وحتى من النفس ذاتها.
وأحب هذا أن أشير إلى الدور النشط الذي يقوم به بعض النشطاء المسلمين على شبكات الإنترنت والذين نجحوا إلى حد كبير في استخدام الإنترنت كوسيلة اتصال بنظرائهم في المجتمع ويومًا بعد يوم ينجح هؤلاء في الوصول إلى قطاعات واسعة داخل المجتمع الأمريكي.
النقطة الثالثة: دور القيادات المسلمة الأمريكية في قيادة هذه الحركة وتوجيهها في اتجاهها الصحيح، فقد وجه أحد القادة المسلمين الأمريكيين انتباهي إلى حقيقة أن بعض حركات السلام الأمريكية مثل الحركات التي شاركت في مظاهرة العشرين من أبريل انتهجت منهجًا انعزاليًا رافضًا العمل على التغيير السياسي بالضغط على قمة النظام السياسي الأمريكي مكتفين بالعمل مع والتأثير على القاعدة الجماهيرية.
المنظمات المسلمة الأمريكية ترفض تصنيفها كجماعات جماهيرية فقط أو سياسية نخبوية فهي تريد العمل على المستويين معها، ودلالات هذا المنهج مهمة وعظيمة، لأنها تعني أنها تحاول التحلي بأكبر قدر من الحكمة السياسية الذي يساعدها للوصول إلى قمة الهرم السياسي الأمريكي دون الانعزال عن قاعدته.
ومن دلالات هذه المنهج أيضًا أن قيادات المسلمين الأمريكيين راغبة في العمل مع النظام السياسي الأمريكي وأنها تؤمن بوجود فرص لها للعمل مع هذا النظام وأن هذا النظام لديه من العدالة والحرية ما يسمح لها بالمشاركة فيه والتسلق إلى أعلى قمته.
اعتقد أنه يتحتم على القيادات المسلمة الأمريكية العمل في المستقبل القريب على توعية المسلمين والعرب في خارج أمريكا بأساليب الحوار مع الغرب والولايات المتحدة، فالواضح أن هناك سوء فهم كبيرًا لأساليب التأثير على المواطن الأمريكي اتضح لي من خلال متابعتي اليومية لما ينشر عن أمريكا من أخبار وتحليلات في الصحافة العربية والواضح من هذه الأخبار والتحليلات أن الجماهير المسلمة والعربية لا تحصل على أي تدريب حقيقي في مجال فهم عقلية المواطن الغربي والتأثير عليه، ومن أوضح أمثلة سوء الفهم هذا بعض المقالات العاطفية الجياشة التي تنشرها العديد من وسائل الإعلام العربية والتي إذا قرأتها لا تجد إلا سبابًا للآخر وسخرية من الذات ويأسًا في العمل.
وأعتقد أنه يتحتم على القيادات المسلمة الأمريكية الناجحة في مجال العمل السياسي أن توجه جزءًا ولو قليلًا من طاقتها في توعية القارئ المسلم والعربي بديناميكيات التفاعل الإيجابي بينهم وبين نظرائهم الأمريكيين وللأسف ما زالت جهود المنظمات المسلمة الأمريكية السياسية محدودة وربما منعزلة في هذا المجال لضعف مواردها وحداثة عهدها وانشغالها بتوعية مسلمي وعرب أمريكا وزيادة معرفتها بأساليب العمل السياسي.
الدلالة الرابعة والأخيرة هي حقيقة أن مظاهرة السبت كانت نجاحًا كبيرًا وان البعض اعتبرها نهاية لصمت المواطن الأمريكي على الظلم الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني.