; مطالعات في الصحافة الإسلامية.. إلى متى يا أمة الإسلام؟ | مجلة المجتمع

العنوان مطالعات في الصحافة الإسلامية.. إلى متى يا أمة الإسلام؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 04-يوليو-1978

مشاهدات 80

نشر في العدد 402

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 04-يوليو-1978

تحت هذا العنوان كتبت مجلة الصراط التي تصدرها جمعية الشباب المسلم في الدانمارك، تقول:

إلى متى سيظل طريقنا ومنهجنا في الحياة هو بإسلامهم محل اضطهاد من جميع القوى في العالم؟ وأولها من يدعي الإسلام في بلاد الإسلام.. إلى متى ستظل حرب الإبادة التي تشن على ديار المسلمين في العالم أجمع؟ إلى متى سيظل يزج بالمسلمين وأبنائهم في السجون؟ حتى نساؤهم لم يسلمون من الأذى وأودعن السجون ونكل بهن أشد تنكيل، ولاقين من العذاب والهوان ما لم تلاقيه أمة مسلمة من قبل، ولا حتى في الجاهلية..

إلى متى سيظل الإسلام والمسلمون المتمسكون أضعف الإيمان؟ مئات بل آلاف من المقالات والكتب والندوات.. كلها تتحدث عن الإسلام والشريعة والمفروض.. لم يسأل المسلمون أنفسهم لمن يوجه هذا الحديث؟ ولمن تلك المخازن المكدسة بالأبحاث والدراسات الإسلامية؟ ولمن كل هذه المؤتمرات والندوات واللقاءات؟

إلى متى سنظل نتحدث بألسنتنا فقط؟ وقد أمرنا أن نبدأ بأيدينا أولًا... «من رأى منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» (رواه مسلم).

إلى متى سنظل نقف مكتوفي الأيدي وآباؤنا وأبناؤنا يقتلون ويشردون؟.. فقدنا الأمن والراحة والاستقرار والطمأنينة ونحن في ديارنا.. في أهلنا.. في أوطاننا.. منعنا طعام يومنا.. عرفنا الجوع ولا بديل سواه.. عرفنا الذل والمهانة.. ولم يعد الرجل منا يجد قوت يومه.. وإن وجده فبشق الأنفس!

ظهر الفساد في البر والبحر، وازداد الشرك بالله ونحن ننظر ونتحسر على أحوالنا.. ونقول: كنا وكان العرب.. وكان المسلمون ونحن أصحاب حضارة.. بل نحن أصحاب خيبة أمل وفشل وضعف واستكانة.. وإنما أصحاب الحضارة ولوا وانتشروا وماتوا من مئات السنين، وتلك حضارتهم، ليس لنا يد فيها.. ولا يجب أن ننسب أنفسنا إليها كل وقت وحين.. أولى لنا أن نقول نحن كذا.. ولا نقول: آباؤنا كذا وكذا.. ماذا سيفعل العالم والأجيال من بعدنا بحضارة نتمسح فيها ولم نصنعها نحن؟.. هل نخدر أنفسنا.. أم نخدر العالم.. أم الأجيال القادمة؟ هل نخدعهم؟.. والله لا نخدع إلا أنفسنا وما نغش إلا أبناءنا.. ثم لن يحاسب يوم القيامة غيرنا.

شربنا على مر السنين جرعات من الألم والحسرة.. وظلت هذه الجرعات في زيادة مستمرة حتى اعتدنا عليها بل ألفناها.. شربنا حتى الثمالة وأصبحنا نقول: هل من مزيد؟ أصبحت شيمتنا الغفلة.. وتسربت العفونة إلى قلوبنا فأماتتها.. وذهبت عنا خصالنا التي توارثناها وأخلاقنا التي تعلمناها.. ما يعدك الرجل وعدًا إلا أخلفه.. وما حدثك الرجل حديثًا إلا وكذب.. وما أؤتمن الرجل على شيء إلا وخان.. وتخطفتنا الأيدي من كل مكان وما زلنا نقول: أصحاب حضارة قديمة.. ذقنا ألوانًا وأشكالًا من الظلم على أيدي المستعمرين من الخارج، وذقنا الأمرين على أيدي حكامنا.. الذين قلدونا أوسمة الذل والاستكانة؛ ونحن نصفق لهم شاكرين.. لاحقتنا في كل مكان لعنة الفراعنة المعاصرين الذين ادعوا أنهم صنعوا الكرامة لشعوبهم وللمسلمين.. والذين لا يطيب لهم إلا التشدق باسم الإسلام، ويضحكون على الشعوب بصلاتهم في المساجد، وبارتدائهم مسوح الوعاظ ورجال الدين..

تداعت علينا الأمم، استحلوا دماءنا... واستحيوا نساءنا.. وقتلوا أبناءنا.. وصرنا نبكي مثل الثكالى.. الرجال يبكون.. هل من خشية الله؟ لا.. بل من جور السلطان ومن ضياع الحقوق.. متى بكى الرجال في الإسلام يا أمة الإسلام؟!.. يصلب الرجل ويمزق جسمه بالسياط... هل زنى؟ لا.. إنما يقول: لا إله إلا الله.. ويصيح قائلًا: أحد.. أحد.. متشبهًا بالرجال الأوائل في فجر الإسلام.

يا رجال اليوم.. عذب أولئك الرجال قبل أن تصبح الدعوة جهرًا وقبل أن يأمرهم الله بالجهاد في سبيله، ولذلك صبروا وتحملوا ورضوا بما قسم الله لهم.. وقد كان له عز وجل حكمة عظيمة من وراء ذلك.. ولكن نأتي اليوم ونقول: أحد.. أحد..

أين عزة الإسلام وقوة الإسلام يا رجال الإسلام؟ كان الرجل المسلم في السلف إذا أقبل من طريق فزعت الشياطين وولت هاربة.. كانت السماوات والأرض تهتز لموت رجل مسلم.. رجل واحد.. والأمة الإسلامية اليوم لا تحتاج إلى علم ولا تفتقر إلى ثروة بقدر ما تحتاج إلى رجولة، وهي لم تؤت من قلة عندها، ولا من ضيق رفعتها، ولا من جدب أراضيها؛ وإنما أصابها الضعف والوهن، ودب فيها داء الأمم من تهالكها على الشهوات، وتقاتلها على الجاه والسلطان.. ومن شيوع الملق والنفاق بين القادة والمحكومين على حد سواء.

لقد أصبح الناظر إلى الأمة الإسلامية كالناظر من خلال ثقب إبرة يشعر أن المستقبل تحتويه ظلال كثيفة، وكأنه مسرح تنطفئ أنواره رويدًا رويدًا، فلا يبقى إلا شعاع خافت من ضوء لا يستطيع المرء أن يميز فيه بين شيء وآخر، ما يرى في الأفق إلا ظلالًا وسحبًا قاتمة.. وتوالت الأمم وضاعت الحقوق، واندثرت القيم والأخلاق.. وأصبح الإسلام غريبًا بين هؤلاء الوجوديين الذين يعيشون لأنفسهم، يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام.. شهوة عارمة ولذة مقتضبة وإباحية وبهيمية، وإهدار لموازين الأخلاق والعرف والسلوك.. تمامًا كهؤلاء الماديين اللادينيين الذين لا يعترفون إلا بالمادة ولا يحسون إلا وجودها.. والذين بلغوا من العلم بالحياة والخبرة بأمور الدنيا إلى الترف الحسي والنعيم المادي إلا أنهم في فراغ روحي، وفي جدب عقائدي لم تنعم واحة عقيدتهم بنفحة من إيمان، أو ومضة من نور، أو إشراقة من هداية تخفف حر شركهم، لا فرق بينهم وبين أولئك الذين جابوا بقذائفهم وصواريخهم في دنيا السماء قائلين في تبجح: أين الله؟ ساخرين بكل عقيدة، متطاولين على كل مؤمن.

تقام السرادقات.. وتقام الليالي والحفلات السنوية.. لماذا؟ لتقليد أهل الفن أرفع الأوسمة والنياشين والأنواط. شهادات الدكتوراه الفخرية والمجزية لمن؟! لأهل الطرب والمغنى والممثلين والممثلات.. والصعاليك والمنافقين.. ثم الكارثة والطامة الكبرى.. يصفق الناس وتنفرج أساريرهم وتمتلئ صدورهم نشوة بهذا الانتصار الذي حققته جيوش الفن والنفاق.

إن بلاد المسلمين تخرج سنويًّا مئات من الراقصات والمطربات والممثلات من أوساط مختلفة ومن عائلات شتى.. لماذا؟ لأننا أصحاب حضارة.. رخصت الأنفس وهبت رياح الكفر تعصف بالناس.. فتناثرت الأفكار في العقول واضطربت القلوب.. واستيقظ الخوف من فيها.. وتساقطت القيم والمبادئ في خريف طويل.. وداستها الأقدام لا يريدون الإسلام.. ولا يريدون الفقر والجوع والذل والخنوع.. إذن ماذا يريدون؟ يريدون العزة بغير إسلام.. يريدون القطر من السماء وهم لا يعبدون رب السماوات والأرض.. ماذا يريدون بربك؟ طبعوا صورة المطران كابوتشي على طوابع البريد وكأنهم مسيحيون.. وشهداء الإسلام الأبرار الذي علقوا بالمشانق ودفنوا أحياء تحت التراب لم يخلد اسم واحد منهم.. قتل رجل في قبرص فخرجت الصحف والإذاعات تقول: مات الشهيد.. ماذا شهد هذا الرجل؟ أشهد بدرًا؟ أم شهد أحدًا؟ في سبيل من مات هذا الرجل؟ أو كل من يقتل فهو شهيد؟ ماذا قدم للإسلام والبشرية.. كنوزًا من الروايات الغرامية أم تراثًا فنيًّا؟ هل عرفوا سبب قتله؟ هل مات بسبب الدعوة أم مات دفاعًا عن حق؟ هل قتل لشخصه؟ أم قتل انتقامًا من نظام معين؟ وإلا كانت الدنيا كلها شهداء!

عجبًا أن يقال عليه شهيد.. ولا يقال على من قتلهم الحكام ظلمًا وبغيًا وهم يقولون: لا إله إلا الله شهداء.. ألا ساء ما يحكمون؟!

والشيء المثير للعجب أيضًا أنه في الوقت الذي يعطي فيه حاكم مصر أوامره بشنق شباب ممن أطلقوا عليهم جماعة التكفير والهجرة.. يرسل خطاب رجاء إلى حاكم باكستان يطلب فيه العفو عن بوتو وعدم إعدامه.. مع علم الشعب الباكستاني بجرائمه.. وعلم العالم كله بما فعله.. وعلمه هو شخصيًّا بما فعل.. ولكن.. كما يقولون: هناك دائمًا لغة خاصة يفهمها الحكام فيما بينهم، ولأن إعدام بوتو يعني إمكانية محاسبة ومحاكمة وإعدام أي حاكم آخر.. وهذه نقطة غاية في الأهمية يحرص الحكام على محوها من أذهان الشعوب وإبعادها عن حيز التفكير ما أمكن ذلك.

والجدير بالذكر أيضًا أن جميع المحاكم التي حوكم أمامها المتهمون في مثل هذه القضايا الملفقة، إنما هي محاكم مشكوك في أمرها، وتجري المحاكمات فيها بشكل مريب.. وما هي إلا دور ومجالس تضيع فيها الحقوق وتشم في أرجائها رائحة الباطل والحقد والنية المسبقة على فعل السوء.

وهكذا.. اختلت المفاهيم لدى الناس، وأصبح من المألوف أن نسمع عن شهيد الواجب، وشهيدة العشق الإلهي، وشهداء حرب اليمن.. الذين ذهبوا لمحاربة المسلمين بأوامر صادرة من أظلم حاكم عرفته منطقة الشرق الأوسط في ذلك الوقت!

والعجيب أيضًا أن تسمع من الذين ذهبوا أنهم نفذوا الأوامر فقط ولم يملكوا من أمرهم شيئًا.. فنرد عليهم بقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (غافر: 47، 48).

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ويحكم -أو قال: ويلكم- لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض» (رواه مسلم).

ثم يعيد التاريخ نفسه.. ولا يتعظ الناس.. وتذهب فرقة إلى لارنكا من أبناء المسلمين.. الجثث محمولة على الأعناق وسط تمني بفشل ذريع.. وتعود موكب موسيقي جنائزي ومراسم عسكرية كلها بدع ما أنزل الله بها من سلطان؛ فسيد الخلق حين مات صلى الله عليه وسلم ووري جثمانه التراب بدون مراسم ولا موسيقى. وتخرج الإذاعات: عاد الشهداء وعادت قوات الصاعقة بعد أن حققت النجاح في عملية لارنكا، هل حقيقة أنهم ذهبوا دفاعًا عن المسلمين؟ ولو كان الأمر كذلك ألم يكن أولى بهم أن يدافعوا عن أراضيهم المحتلة؟ ويدافعوا عن إخوان لهم مسلمين في شتى أرجاء الوطن.. ولكن لم لا نفعل كما فعلت قوات الكوماندوز الإسرائيلية من قبل.. تلاعب بأرواح الناس.. وبحرية الشباب.. وبكرامة الشعوب.

إن معنى الشهيد في الاصطلاح الشرعي هو من يقتل في سبيل الله من أجل الدفاع عن دينه ورد العدوان عن الإسلام والمسلمين، لكي تكون كلمة الله هي العليا، ويقول عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (محمد: 4- 6)، وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الشهداء خمسة: المطعون، والمبطون، والغرق، وصاحب الهدم، والشهيد في سبيل الله عز وجل» (رواه مسلم). المبطون فهو من مات بداء المعدة. روى ابن المبارك، عن شعبة، عن السدي عن.. قال: ذكروا عن عبد الله قومًا قتلوا في سبيل الله، فقال: إنه ليس على ما تذهبون وتروون، إنه إذا التقى الزحفان نزلت الملائكة فتكتب الناس على منازلهم: فلان يقاتل للدنيا، وفلان يقاتل للملك، وفلان يقاتل للذكر ونحوها.. وفلان يقاتل يريد وجه الله، فمن قتل يريد وجه الله فذلك في الجنة.

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: والله إن من الناس ناسًا يقاتلون ابتغاء الدنيا، وإن من الناس ناسًا يقاتلون رياء وسمعة، وإن من الناس ناسًا يقاتلون إن دهمهم القتال ولا يستطيعون إلا إياه، وإن من الناس ناسًا يقاتلون ابتغاء وجه الله، أولئك الشهداء، وكل امرئ منهم يبعث على الذي يموت عليه، وإنها والله ما تدري نفس ما هو مفعول بها، ليس هذا الرجل قد تبين لنا أنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر..

وهكذا فقد بين الله سبحانه وتعالى منزلة الشهداء إذ جعلها برفقة النبيين والصديقين؛ لأن الشهداء أدى بهم حرصهم على الطاعة والجهد في إظهار الحق إن بذلوا مهجهم في إعلاء كلمة الله، ولذلك جعل الله مكانتهم في الجنة مع الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللّهِ وَكَفَى بِاللّهِ عَلِيمًا (النساء: 69، 70).

وإذا كان للشهداء فضل عظيم ومكانة رفيعة عند الله سبحانه وتعالى؛ إلا أنهم ليسوا جميعًا في درجة واحدة، بل تتفاوت درجاتهم حسب ما قاموا به من تضحيات أثناء القتال، وحسب شعورهم الذي كان يخالجهم قبل الاستشهاد وموقفهم من الحرب التي استشهدوا فيها.. أويظن الأجلاء أن الشهيد لفظ هين يمكن استعماله في أي وقت وبدون حساب لمجرد أن المقتول كبر في نظرهم.. أو لأنه مقرب من الحاكم... أو.... أو... عن أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حدثه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من نبي بعثه الله قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مسلم، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» (رواه مسلم).

أما وقد أخذنا بالحسنى، وجاهدنا بالقلب.. وجاهدنا باللسان.. فما بقي أمامنا إلا الجهاد باليد كما أراد الله وكما أراد رسوله الكريم.. فكفاكم بكاء يا رجال الإسلام.. فما بكت النساء في عهد محمد ولكن حملن السلاح.. وحملن في قلوبهم الإيمان والفداء في سبيل العزة والكرامة.. ارجعوا إلى التاريخ وقلبوا صفحاته الخالدة.. وارجعوا واتعظوا ثم عودوا مرة ثانية إلى حاضركم وفكروا بمستقبلكم ومستقبل الأجيال من بعدكم، ترك لنا السلف كنوزًا، فماذا تركنا نحن؟ فقرًا وجوعًا.. فقرًا في المال والإيمان.. وجوعًا إلى الطعام والحق والخير.. ابحثوا واستجمعوا صولتكم من جديد معشر المسلمين.. قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض.

انتزعوا حقوقكم بقوة الإسلام واملأوا قلوبكم بعزة الإسلام، وابطشوا بكل جبار خارج عن الإسلام.. ابحثوا عن المنافقين وقاتلوهم كما يهددونكم في أقواتكم وأرزاقكم.. ابحثوا عن المخادعين والغشاشين وهددوهم في عقر دارهم كما يفعلون.. قولوا قولة الحق باليد واللسان.. ولا تخشوا في الله أحدًا..

ربكم رب السماوات والأرض.. ولا حكم إلا لله وباسم الله، إما أن يقيموا شرع الله في الأرض، وإلا فلعنة الله عليهم أجمعين وعلى من اتبعهم: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (الأنعام: 123). واعلموا أن لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فقد أجمع أصحاب الرسول وفقهاء الأمة ومجتهدوها على أن طاعة أولي الأمر لا تجب إلا في طاعة الله.. وأن تعطيل أحكام الشريعة.. وشرع ما لم يأذن به الله إنما هو خروج عن الإسلام، وأن الخروج على الحاكم واجب على كل مسلم، وأقل درجات الخروج على أولي الأمر هو عصيان أوامرهم ونواهيهم المخالفة للشريعة.

إن كل ما يخالف الشريعة محرم على المسلمين ولو أباحته وأمرت به السلطة الحاكمة أيًّا كانت؛ لأن حقها في التشريع مقيد بأن يكون التشريع موافقًا لنصوص الشريعة متفقًا مع مبادئها العامة، فإن استباح الحاكم لنفسه أن يخرج على هذه الحدود، فإن المسلم واجب عليه ألا يتبعها ولا ينفذها.. بل عليه أن يعصي القوانين ويمتنع عن تطبيقها لأن طاعة أولي الأمر لا تجب لهم مطلقة، وإنما في حدود ما أمر به الله ورسوله، كما أن الحاكم مقيد في تصرفاته بكل ما جاءت به الشريعة، ولا ميزة له على المحكومين.. فهم جميعًا على حد سواء.

فلا تنتظروا حتى تمتد يد الباطل إليكم.. بل قوموا وابحثوا عن الباطل في كل مكان وحاربوه بكل الوسائل التي أمر بها الله ورسوله.. اخلعوا عنكم ثياب الذل والخنوع.. دعوا كئوس الاستكانة من أيديكم.. هبوا.. غيروا ما بأنفسكم حتى يغير الله من أحوالكم.

تقولون: سوف يعود الإسلام إلى الأرض.. وسيعم السلام على أرض الإسلام.. بل سيعود الإسلام قويًّا كما كان.. ألم تسألوا أنفسكم من ذا الذي سيعيد الإسلام وقوة الإسلام وعزة الإسلام؟ إياكم وأن تقولوا هو الله.. إن الله عز وجل قادر على أن يمحو هذه الأمة من الأرض إذ لم تتبع دينه وترجع إلى خالقها وتتصالح معه.. واعلموا أن الله في غنى عنكم أجمعين، ولا حاجة له بكم: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (الأنبياء: 19).

إذن فمن الذي سيعيد إلى الإسلام عزته وكرامته.. أيها النائمون الغافلون.. أيها المستضعفون في الأرض وأنتم تملكون أسباب القوة؟

أيها الذين ارتضوا بغير الإسلام دينًا، عودوا إلى الله، وإلا فماذا تنتظرون؟ اقتلوا أنفسكم خير لكم من هذا الذل وهذه العبودية لغير الله.. احتلت أراضيكم من أخس وألعن ما خلق الله في الأرض.. وانتهكت حرماتكم ومقدساتكم وأنتم تضحكون.. ابتليتم بالجوع والفقر وأنتم مستمتعون.. انتزعت منكم الطمأنينة والأمن في دياركم وأنتم تلعبون.. استحلت دماؤكم وأعراضكم وأنتم تنظرون.. سلكتم سبل الضلالة سنين عددًا.. ماذا جنيتم لأنفسكم منها؟ ماذا وجدتم فيها؟ ماذا تركتم لأبنائكم إلا الخراب والسراب والضياع والغربة؟

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (الأعراف: 96).

فإلى متى.. إلى متى.. يا أمة الإسلام؟

الرابط المختصر :