العنوان مطالعات في الصحافة الإسلامية.. فضائل من الغرب
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الخميس 01-يونيو-1978
مشاهدات 80
نشر في العدد 398
نشر في الصفحة 40
الخميس 01-يونيو-1978
تحت هذا العنوان كتب الأستاذ- محمد المجذوب في مجلة الهدى الإسلامي يقول:
من حكمة الله في الجنس البشري أن مصيره في الدنيا والآخرة متوقف على إرادته واختياره لنفسه، فإما شاكرًا وإما كفورًا. ولكل من السبيلين تبعاته ومردوده فكل زيغ عن طريق الخير مؤد إلى نهايته الطبيعية من الشقاء بقدر درجة الانحراف، وكل اتساق مع قوانين الخير عائد على أهله بقدره من الطُمَأنينة والرضى والسعادة التي هي غاية كلا الفريقين.
ولقد استفاض حديث العقلاء في الغرب والشرق عن مدى التدهور الذي اعترى الحياة العامة في المجتمع الرأسمالي والشيوعي، وكتبت أكداس المقالات، وما لا يحصى من الكتب والمحاضرات في التنبيه إلى الواقع الرهيب الذي يهدد هذه المجتمعات ومن تجره بعجلتها، بما هو أكبر من تلك المؤلفات الاجتماعية إلى الكتب التالية: سقوط الغرب، الإنسان ذلك المجهول، اللا منتمي، وسقوط الحضارة.
وفي الرسم الرمزي المنشور على صفحة هذا الأخير تلخيص بارع لمضمونات هذه الكتب، إذ يمثل حضارة الغرب بشجرة هائلة، ولكنها بليت من داخلها فهي تهوي على الإنسان لا يملك دفعًا لها إلا بحركة عفوية من يديه.. وما وإلى إلحاد الغرب.. دون أن يقولوا كلمة في فضائله! ولكن لا.. فلبعض المخلوقات الآدمية طبائع الجعلان والذئاب، فهي لا تحب من الروائح إلا أخبثها، ومن الطعوم إلا أنتنتها وإلى أمثالهم يشير المتنبي بقوله في وصف الذين يتأذون بجمال البيان:
بذي الغباوة من إنشادها ضرر***كما تضر رياح الورد بالجعل
هذا الإنسان سوى الجنس البشري الذي تجره حضارة الغرب السامة إلى التيار شاء وأبى..
على أن لكل إنسان الحق في مثل هذا الاستفهام: إذا كان الأمر كذلك فعلى مصادر الفساد في الشرق والغرب أن تلاقي حتفها حتى اليوم، على حين نرى الواقع بخلاف ذلك: ولهؤلاء نقول: إن الذي يمسك هؤلاء عن الزوال إنما هو البنية الباقية من الخير الذي يصرفون إليه الكثير من عنايتهم.
أجل.. إن في الغرب لخيرًا.. وإن فيه الفضائل، هي التي تمسك على تلك المجتمعات رمق الحياة.. ولولا هي لم تتخلف عن مصير عاد وثمود وعشرات الأمم التي طواها نكال الله.
ولعل من العجب العجاب أن نسمع ضحايا الفساد الغربي من أبنائنا يرفعون عقائدهم أبدًا بالدعوة إلى رذائل الغرب، وإلى انحلال الغرب، ولقد حركت قلمي للكتابة في هذا الموضوع طرفة حدثني بها زميلي الدكتور عبد الجليل شلبي (۱)- أمام المركز الإسلامي السابق بلندن. وها أنذا أنقلها إلى القارئ بمنتهى البساطة:
يقول فضيلة الأخ: شكت أخت لي كانت تسكن معي في لندن عجزًا في أجهزة الهضم فحملتها إلى المركز الصحي الخاص بالحي، وبعد الفحص الدقيق قال لنا الطبيب: لا ينبغي أن أتخذ منها مختبرًا للتجارب، لذلك سأكتب بشأنها إلى الجهات ذوات الاختصاص، وهي التي ستحدد وضعها ونوع علاجها، وأعطاني الطبيب الخطاب الذي أودعناه البريد وما هي إلا فترة يسيرة حتى تسلمنا جوابه، وفيه تحديد لموعد المواجهة، وهناك اتصلت هاتفيًا بالمستشفى فأخبرته أن شقيقتي لا تحسن الإنجليزية وإنها لا تستطيع السير أيضًا، فقال: بوسعك أن ترافقها للقيام بالترجمة، وسنبعث إليكم بسيارة المركز في الساعة المعينة.
وهكذا تمت المقابلة، وأدخلت مع شقيقتي غرفة التنظير، وأدخلت هي حجيرة أشبه بخزانة الملابس، وضغط الأخصائي على زر فإذا صورتها بارزة على الجدار، وبجهاز خاص جعل يحرك وضعها إلى الأمام والخلف واليمين والشمال ويسجل ما يراه.
ثم نظم معلوماته في تقرير رفعه إلى الطبيب المختص، الذي تولى فحصه من جديد، ثم قرر أن ليس فيها علة، وبعث بمطالبته إلى زميله الأول، وما أن اطلع هذا على خلاصة الفحوص والصور حتى أحال المعاملة مصحوبة برأيه إلى القسم التي هي بحاجة إليه من المستشفى.
وجاءت السيارة هذه المرة لتحملها إلى ذلك القسم.
وهنا بدأ علاجها بطريقة خاصة، إذ أدخلت غرفة لتستعين بملابسها ثوبًا خاصًا من البلاستيك الذي لا يتشرب الماء، ومن ثم هبطت درجًا ذا درابزين إلى حوض سفلي يتصاعد من أسفله ماء حار متجدد يتصرف فائضه من مجار في الأعلى، فتغوص فيه إلى الحد المنشود، ومن ثم تقبل الممرضة الفنية، فتقوم بعملية الدلك المقرر لها، حتى إذا فرغت من ذلك عادت إلى مكانها مستعينة بالدرابزين لتجفيف جسمها بمنشفة لم تستعمل بعد الغسل والتعقيم، وبعد الاستراحة المطلوبة تقود بها السيارة إلى البيت.
وقد حدد لها ثلاثة أيام في الأسبوع تتلقى خلالها هذا النوع من العلاج، وكان أحدها يوم الجمعة، ولكنها رفضت الذهاب في ذلك اليوم لوقوعه أثناء الصلاة، ولما علمت إدارة المستشفى بذلك أبدلت به يومًا آخر مراعاة لهذا السبب.
وهكذا استمرت المعالجة طول الأسابيع المقررة، حتى إذا استوفت مدتها، أشار عليها الطبيب المشرف بوجوب الحركة والتمشي مقدارًا معينًا كل يوم، وتيسيرًا لهذه المهمة وصف لها الحذاء الذي ينظم مستوى قدميها، ثم عين لها برنامجًا خاصًا من التجول في إحدى الحدائق ساعات من كل يوم أحد.. ولم يترك الأمر لاختيارنا، بل خصصت لها إدارة المستشفى خادمة تأتيها بالعربة في الوقت المعين ثم تمضي بها إلى الحديقة المعدة لأمثالها من المرضى.. فما تزال بها تجوالًا تحت أشعة الشمس حتى تعود بها إلى المنزل..
وكنت أستمع إلى حديث زميلي هذا وكأني أتلقاه من مصدر مجهول فأشخص إليه في شبه ذهول.. ولعل القارئ يشاطرني دهشتي من هذه العجائب التي لا تكاد يحلم بها عربي أو مسلم على امتداد وطنهما...
ولاحظ الزميل الفاضل استغرابي فقال: ليس هذا إلا صورة مصغرة لألوان الخدمات الصحية والاجتماعية في بريطانيا.. ومضى يحدثني عن ظاهرة أخرى من هذه الخدمات، وهي الخاصة بالمكفوفين، الذين حرموا ضياء البصر فعوضوا عنه رعاية تخفف عنهم الكثير من آثار هذا الحرمان.
يقول صديقي: إن الضرير هناك يعان على محنته بكلب قد حقق مستوى عاليًا من التدريب الخاص.. هذا الكلب الضخم جدًا يقود صاحبه في مزاحم الطريق، فيأتي بالعجيب من التصرفات.
لقد رأيت أحد هذه الكلاب يقف إلى يمين صاحبه في أحد أنفاق المترو منتظرًا تحديد القطار الذي يجب أن يركبه، فيسأله أحد الناس عن المكان الذي يريد، فإذا عينه أشار إلى الكلب فمضى باتجاه العربة المنشودة لا يخطئها.
ورأيت هذه الكلاب تنفذ بدقة نظام المرور فلا تحيد عنه قيد أنملة، تقف حيث يجب الوقوف وتسير حيث يسمح بالسير.. وتراعي الإشارات الضوئية فلا تتجاوز مدلولاتها أبدًا.. وبذلك تقدم لأصحابها المكفوفين أجل الخدمات إذ تبلغهم غاياتهم، وتحافظ على حياتهم، ولا تسمح لبصير بالحيف على ضرير..
وأطرقت أفكر في هذه الوقائع تفكير الجائع الذي يقرأ عن أطايب الطعام، ثم أتساءل: ما بال هؤلاء الذين يعودون من الغرب محملين بجراثيمه في كل ما هو هدام للخلق والرجولة والحق، ما بالهم قد عموا عن هذه الجوانب المضيئة من حياة القوة فلم يحركوا لسانًا بالدعوة إليها، واكتفوا بالوقوف عند الجوانب المظلمة يهبون بالمضللين للإقبال عليها!
إن إنجلترا التي تطلق حرية اللواط تنفيذًا لفتوى مجلسها الكنسي الأعلى..
إنجلترا التي تقيم دور الرقص والخمر بجانب الكنائس استهواء للجيل الهارب من الدين.
إنجلترا التي تنال فيها فرق الهيبيز وسام المملكة تقديرًا لما تجلبه لبريطانيا من النقد النادر.
إنجلترا التي آخر تعليقاتها السماح للرجال باحتراف القبالة لاستكمال المساواة المزعومة بين الجنسين..
فإن إنجلترا التي تتبنى كل هذه الموبقات الهدامة لكيان الأمم.. هي نفسها التي توفر لمجتمعها المهدد بالفناء تلك الخدمات المساعدة على البقاء!
فهل لحكومات المسلمين أن تعير هذه الجوانب المشرقة بعض الاهتمام الذي توليه الجوانب القائمة من حياة الغرب..
ليت ساستنا الكبار يقرأون أنظمة الحسبة في أيام الحضارة الإسلامية وأنواع الأوقاف الخيرة التي سبق إليها أسلافهم، مما لم تصل إلى بعضه حتى اليوم كل خدمات الغرب الاجتماعية والصحية.. ليتهم يفعلون ذلك ليروا إننا أحق الأمم بهذه النظم الكريمة لأنها من صميم تراثنا العريق..
وليتهم أخيرًا يتذكرون أن في الغرب فضائل هي التي ينبغي أن يقتبسوها.. وإن في الغرب مفاسد آن لهم أن يجتنبوها!
---
1- كتبت هذه الكلمة يوم كان فضيلته مدرسًا في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.