; مطالعات في الصحافة الإسلامية (403) | مجلة المجتمع

العنوان مطالعات في الصحافة الإسلامية (403)

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 11-يوليو-1978

مشاهدات 82

نشر في العدد 403

نشر في الصفحة 14

الثلاثاء 11-يوليو-1978

مصطفى مشهور

طريق الدعوة طريق واحدة.. سار عليها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصحابته من قبل.. وسار الدعاة ونسير عليها بتوفيق من الله من بعد: إيمان وعمل ومحبة وإخاء، دعاهم إلى الإيمان والعمل ثم جمع قلوبهم على الحب والإخاء.. فاجتمعت قوة العقيدة إلى قوة الوحدة، وصارت جماعتهم هي الجماعة النموذجية التي لا بد أن تظهر كلمتها، وتنتصر دعوتها، وإن ناوأها أهل الأرض جميعًا.

المحن على الطريق وتساؤلات حولها

هل يمكن تفادي المحن أو تخفيف حدتها؟ أم أن تفاديها انحراف عن الطريق؟

 يتصور البعض أنه بشيء من السياسة والكياسة وحسن التصرف، يمكن للداعين إلى الله وقيادتهم، أن يتفادوا المحن وأن يجنبوا أنفسهم هذا الإيذاء الشديد، وهذا الاضطهاد المتكرر الذي يتعرضون له من أعداء الله، أو على الأقل يمكن يخففوا من شدته أو يقللوا من مدته، فهل هذا صحيح؟ وهل حقًا ذلك في إمكانهم مع دوام استمساكهم بدعوتهم؟

 تعالوا نستلهم الإجابة الصحيحة على هذا التساؤل من سيرة رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الذي نقتفي أثره ونسير على طريقه. كلنا يعلم أنه-صلى الله عليه وسلم- حريص على المؤمنين، وبهم رؤوف رحيم ويعز عليه عنتهم، كما وصفه الله-سبحانه وتعالى-: ﴿لَقَدۡ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مِّنۡ أَنفُسِكُمۡ عَزِيزٌ عَلَيۡهِ مَا عَنِتُّمۡ حَرِيصٌ عَلَيۡكُم بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَءُوفٞ رَّحِيم (التوبة: 128). وكان-صلى الله عليه وسلم- يتعرض لألوان من الأذى، ويرى المؤمنين وهم يتعرضون لصنوف من العذاب على أيدي كفار قريش، ولو كان في استطاعته أن يفعل شيئًا يحول به بينهم وبين هذا الإيذاء لفعل، ولكنه فقط كان يوصيهم بالصبر والثبات، ويبشرهم بالجنة وبالنصر والتمكين لدين الله «صبرًا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة».

 ويروي لنا البخاري- رضي الله عنه- عن قيس قال: سمعت خبابًا يقول: أتيت النبي-صلى الله عليه وسلم- وهو متوسد ببردة وهو في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة، فقلت: ألا تدعو الله؟ فقعد وهو محمر الوجه فقال: «قد كان من كان قبلكم ليمشط بأمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه.. ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنتين، ما يصرفه ذلك عن دينه.. وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله- عز وجل- والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون» .

 هكذا نجد رسول الله-صلى الله عليه وسلم- رغم تأثره الشديد بما يتعرض له المسلمون- يبدو عليه الغضب عندما طلب منه الدعاء لهم، وكأنما يريد-صلى الله عليه وسلم- أن يؤكد أن هذا الإيذاء ليس غريبًا، وأنه سنة الله في الدعوات، وقد تعرض له من كانوا قبلهم ولم يصرفهم عن دينهم، فعليهم أن يصبروا كما صبروا، ويثبتوا كما ثبتوا، ويطمئنوا إلى النتيجة وهي أن الله سيتم هذا الأمر، وسيمكن لدينه رغم كل هذا الكيد من أعداء الله .

 

متى يتوقف إيذاء أعداء الله للمؤمنين؟ 

 إن أعداء الله يحاربون دعوة الله في أشخاص معتنقيها، في محاولات متكررة ومتنوعة لصرفهم عن دعوتهم، بالترغيب والإغراء تارة، وبالإرهاب والتعذيب تارات أخرى، ولا يتوقف إيذاؤهم إلا إذا تخلى أصحاب الدعوة عن دعوتهم، ووافقوهم على اعتقادهم وأيدوا باطلهم، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمۡ عَن دِينِكُمۡ إِنِ ٱسۡتَطَٰعُواْ (البقرة: 217)، ﴿إِن يَثۡقَفُوكُمۡ يَكُونُواْ لَكُمۡ أَعۡدَآءٗ وَيَبۡسُطُوٓاْ إِلَيۡكُمۡ أَيۡدِيَهُمۡ وَأَلۡسِنَتَهُم بِٱلسُّوٓءِ وَوَدُّواْ لَوۡ تَكۡفُرُونَ (الممتحنة: 2)، ﴿وَلَن تَرۡضَىٰ عَنكَ ٱلۡيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُم (البقرة: 120).

 إن الإيذاء الذي يبدؤه أعداء الله بسبب العقيدة لن يتوقف إلا بتخلى أصحاب العقيدة عنها، أو على الأقل بعدم التحرك بها والدعوة إليها.

 إنه ليس عداءً شخصيًا ولا لأغراض دنيوية، فقد عرضوا على رسول الله-صلى الله عليه وسلم- الملك والمال، فرفضهما الرسول الكريم بعزة المؤمنين وبالعزيمة القوية على الاستمساك بالعقيدة والعمل لها، ولو أدى ذلك إلى هلاكه، وقال قولته الخالدة: «والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه» .

 ولا يقبل أن يتخلى رجال العقيدة عن عقيدتهم، أو يتوقفوا عن العمل لها بسبب تعرضهم للأذى، وإلا كان الأجدر بهم ألا يتعرضوا ابتداءً لحمل هذه الأمانة والقيام بمتطلباتها.

 

  • الدعوات تقوم على العزائم لا على الرخص:

 حقًا لقد عذر الله من نطق كلمة الكفر بلسانه تحت وطأة التعذيب، ولم ينشرح لها صدره، وقلبه ما زال مطمئنًا بالإيمان، وكان ذلك رحمة من الله بعباده لعلمه-سبحانه- بطاقاتهم البشرية المحدودة ﴿مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِهِۦٓ إِلَّا مَنۡ أُكۡرِهَ وَقَلۡبُهُۥ مُطۡمَئِنُّۢ بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِٱلۡكُفۡرِ صَدۡرٗا فَعَلَيۡهِمۡ غَضَبٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيم (النحل: 106)، ولكن ليس معنى ذلك أن نجعل هذه الرخصة أساسًا وأصلًا لموقف المؤمنين عند التعرض للإيذاء، ونجعل الاستثناء هو الثبات والتمسك بالعقيدة وعدم الاستجابة لمطالبهم.

 إن الدعوات الحقة لا يمكن أن تقوم على الرخص والمترخصين، ولكن لابد لها أن تقوم على العزيمة وأولي العزم، ومن أجل ذلك كانت سنة الله في الدعوات للتمييز والتمحيص والصقل، ولهذا لم نرَ رسول الله-صلى الله عليه وسلم- يوجه المؤمنين إلى الأخذ بهذه الرخصة، ليجنبوا أنفسهم إيذاء قريش لهم، ولكنه- مع إشفاقه عليهم- كان يوصيهم بالصبر والثبات وتحمل الأذى، ويبشرهم بالنصر وبجنة الله .

 وما كان لرسول الله-صلى الله عليه وسلم- أن يقف مع المؤمنين غير هذا الموقف والوحي ينزل عليه بقول الله تعالى: ﴿فَٱسۡتَمۡسِكۡ بِٱلَّذِيٓ أُوحِيَ إِلَيۡكَۖ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ وَإِنَّهُۥ لَذِكۡرٞ لَّكَ وَلِقَوۡمِكَۖ وَسَوۡفَ تُسۡ‍ئَلُونَ(الزخرف: 43 – 44)، وقوله تعالى: ﴿فَلِذَٰلِكَ فَٱدۡعُۖ وَٱسۡتَقِمۡ كَمَآ أُمِرۡتَۖ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡۖ وَقُلۡ ءَامَنتُ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَٰب (الشورى: 15)، وقوله تعالى ﴿إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡقُرۡءَانَ تَنزِيلٗا فَٱصۡبِرۡ لِحُكۡمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعۡ مِنۡهُمۡ ءَاثِمًا أَوۡ كَفُورٗا(الإنسان: 23 – 24)، وقوله تعالى: ﴿فَٱصۡدَعۡ بِمَا تُؤۡمَرُ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡمُشۡرِكِينَ (الحجر: 94).

ولكن على المؤمنين أن يعذروا من لم يتحمل الإيذاء دون أن يتحول قلبه، فلا تتحول قلوبهم عنه، ولا يقطعون ما بينهم وبينه من روابط الأخوة في الله.

 

تفادي المحن انحراف عن الطريق:

 إن دعوة الله إذا سارت وسار بها أصحابها في طريقها الصحيح، بكل شمولها ونقائها وتكاملها دون تفريط أو تحريف، فالنتيجة معروفة ويعلمها أعداء الله تمامًا، وهى إزهاق باطلهم وإقامة الحق مكانه، فالحق أحق أن يتبع .

 لذلك لا تتوقف محاولات أعداء الله لصرف دعوة الله والعاملين لها عن الطريق الصحيح، ويتعرض المؤمنون بذلك إلى المحن، ولا يمكن للمؤمنين كجماعة أن يتفادوا هذه المحن إلا إذا تخلوا عن دعوتهم، أو عن بعض جوانبها التي تؤرق أعداء الله، أو إذا توقفوا عن العمل لها والتحرك بها، وكل هذه الصور في حقيقتها انحراف بالدعوة عن الطريق الذي ارتضاه الله، وسار عليه رسول الله-صلى الله عليه وسلم- وصحابته، والذي يجب أن نسير عليه مقتدين برسول الله خير قدوة .

 فعلى الدعاة إلى الله رجال العقيدة أن يعلموا أن طريق الدعوة ليس مفروشًا بالورود، وعليهم أن يوطدوا عزمهم على الصبر والثبات على عقيدتهم، وليطمئنوا إلى تأييد الله ونصره لهم، فأعداء الله في الحقيقة لا يحاربون أشخاص أصحاب الدعوات، ولا أجسامهم الضعيفة التي يجعلونها هدفًا لسياطهم ومدافعهم ومشانقهم، وإنما هم يحاربون الله ودعوة الله، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

 ولا يفهم أحد من هذا الذي ذكرنا أننا من هواة السجون والمعتقلات، ومن الراغبين في الإيذاء والتعذيب والقتل، كلا بل إننا نسأل الله دائمًا العافية، وألا يجعلنا فتنة للقوم الظالمين، وأن ينجينا برحمته من القوم الكافرين، ولا نرفض فرصة للعافية تتاح، ما دامت لا تنال من عقيدتنا وسلامة وجهتنا، ومواصلتنا للعمل والسير بالدعوة.

 ولا نتمنى لقاء العدو ولا نستفزه، ولا نعطيه مبررًا للعدوان، فإن أبى بعد ذلك إلا الإيذاء والتضييق، فإنه يسفر بذلك عن معاداته للدعوة كدعوة، وما علينا إلا أن نصبر ونتحمل ونحتسب، ولا نقصر في العمل للدعوة ولا نفرط فيها ﴿فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسۡتَكَانُواْۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّٰبِرِينَ وَمَا كَانَ قَوۡلَهُمۡ إِلَّآ أَن قَالُواْ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسۡرَافَنَا فِيٓ أَمۡرِنَا وَثَبِّتۡ أَقۡدَامَنَا وَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 29

130

الثلاثاء 29-سبتمبر-1970

لعقلك وقلبك ( 29)

نشر في العدد 233

114

الثلاثاء 21-يناير-1975

بسرعة

نشر في العدد 711

106

الثلاثاء 02-أبريل-1985

تذكرة للدعاة