; مصلحة الدّعوة يحددها منهج الله بقلم: إسماعيل الشطي | مجلة المجتمع

العنوان مصلحة الدّعوة يحددها منهج الله بقلم: إسماعيل الشطي

الكاتب د. إسماعيل الشطي

تاريخ النشر الثلاثاء 06-أغسطس-1974

مشاهدات 7

نشر في العدد 212

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 06-أغسطس-1974

مصلحة الدّعوة يحددها منهج الله

                                                           بقلم: إسماعيل الشطي

كان يلقي درسا بين الشباب.. وكانوا حوله في حلقة.. يستمعون بإنصات.. والحديث عن الطاعة.. والفقرة عن طاعة الله ورسوله.. كان مسترسلا في الحديث.. ومن خلال الصمت الذي يسود المجلس.. والهدوء التام.. فجأة.. رفع أحدهم يده طالبا السؤال.. وكان هذا الشاب ملتحيا.. فأخذ يسأل: -

بما أننا مكلفون بطاعة الله ورسوله.. وفي كل الأوامر الثابتة.. سواء كان الأمر أساسيا أو فرعيا - هذا كما ذكرت - فلم لا يزال بعض الأخوة - بلا مؤاخذة - يحلقون لحاهم بالرغم من نهى رسول الله «ص» عن حلقها.. وأمره بإطلاقها.. وجمهور الفقهاء مجمعون على منع حلقها حتى بلغ أحدهم إلى أن حلقها كبيرة..»

ساد الصمت من جديد.. وكان الأنظار محدقة صوبه.. أنظار كلها دهشة.. فقد كان محدثهم حليق اللحية.. وبعد لحظة صمت.. أجاب المحدث: يا أخي.. من ترك لحيته فقد أصاب السنة.. ومن حلقها فهو مقصر... وإذا نحن  بدأنا...»

قاطعه السائل قائلا - وكان حماسا ما في حديثه -: - ولكن درسنا اليوم عن طاعة الله ورسوله.. وكما ذكرت منذ قليل أن رواد الدعاة والدعاة بأنفسهم لا سبيل لهم إلى التلكأ في تنفيذ أوامر الإسلام.. ولا حجه لهم في التقصير..»

أجاب مقاطعا والغضب في حديثه: - يا أخي هذه المسألة تدخل ضمن باب مصلحة الدعوة.. ونحن إزاء مصلحة الدعوة مضطرون إلى التعامل مع المجتمع بطريقة لا تنفره منا.. وأنت لو كنت درست الأصول لعلمت أن الفقه مليء بهذا.. فمن مصلحة الدعوة أن.. إلخ..»

هكذا انطلق يبين مصلحة الدعوة.. واسترسل في الحديث.. وبعدها خرج الشاب محرجا من عنف جواب المحدث.. وكما لو كان مكرها على الاقتناع.

المسألة المطروحة بين السائل والمجيب ليست هي حديثنا.. ولا شأن لنا بها حاليا.. فهذه المسألة ليست بجوهرية في أساس الدعوة بالرغم من أهميتها.. ولكن المسألة الجوهرية التي تمس الدعوة بذاتها هي الحجة التي تعلق بها المحدث.. ألا وهي مصلحة الدعوة.

* من أين جاءت مصلحة الدعوة: -

من الطبيعي أن يكون العاملون بالدعوة متحمسين لدعوتهم.. وأن يكون أحب شيء إلى نفوسهم أن يجتمع الناس على دعوتهم.. وأن ينقلوهم من المواقع الأسن الذي يعيشون فيه إلى الحياة في منهج الله.. وهذا ليس باليسير.. فالطريق مليء بالعقبات وعبء الدعوة ثقيل جدا.. والدعاة بشر محدودة الأجل.. فيود أولئك الدعاة لو أنهم جذبوا الناس إلى دعوتهم بأسرع الطرق والأساليب.. ولكن الناس لهم عادات وتقاليد وموروثات... قد تكون عائقا في سبيل الدعوة.. ومانعا في تحقيق تلك الرغبة.. فیود أولئك لو هادنوا الناس وسكتوا مؤقتا عن تلك التقاليد.. لعل بعدها يتضح للناس الهدى.. فإن دخلوا مجال الدعوة أمكن صرفهم عن تلك التقاليد..

والناس قد تكون لهم رغبات في نفوسهم... ونزوات.. فيود أولئك لو أنهم جاروهم بشيء يسير من رغباتهم ونزواتهم.. رجاء استدراجهم إلى الدعوة على أمل فيما بعد أن تتم التربية الصحيحة التي تطرد تلك الرغبات.

ويودون الكثير من أجل نشر الدعوة.. ومن أجل مصلحة الدعوة. ومن جانب آخر.. يجد الدعاة أنفسهم مستضعفين.. وأن لا حول لهم ولا قوة أما هذا الطغيان.. وأنهم مضطهدون وأن الشر متبجح شرس.. منتشر في كل مؤسسات الدول.. فيود أولئك الدعاة لو أنهم لجأوا إلى أساليب تمكنهم من بعض هذه المؤسسات... لتكون لهم قوة يدرءون بها الأخطار عن الدعوة.

ویرى أولئك الدعاة أن الفساد يعرقل طريق الدعوة.. وأن هذا الفساد يسيل من فوق.. من السلطة فيود أولئك لو أنهم تسللوا إلى السلطة.. أو تعاملوا مع الطواغيت بالود والاحترام من أجل تخفيف الفساد ومن أجل مصلحة الدعوةكل هذا يتم على حساب منهج الدعوة الأصيل.. وكل هذا من أجل مصلحة الدعوة.

ترى هل مصلحة الدعوة تستحق بأن نفرط بالمنهج الذي رسمه الله للدعاة؟

ترى هل من مصلحة الدعوة أن نحيد - ولو بقليل - عن أوامر الله؟ هذا ما سنناقشه.. وقبل كل شيء سندخل من منهج الدعوة الأصيل.. الذي انتهجه الرسول «ص» وصحابته.. ونرى بعد ذلك.

الرسول «ص» ومصلحة الدعوة:

عن عائشة قالت «انزلت عبس وتولى في ابن أم مكتوم الأعمى، أتى رسول «ص» فجعل يقول يا رسول الله ارشدنی.. وعند رسول الله «ص» رجل من عظماء المشركين، فجعل رسول الله «ص» يعرض عنه ويقبل على الآخر ويقول: أترى بما أقول بأسا؟ فيقول: لا، ففي هذا نزلت» «1»

إن الله جل وعلا ما أراد لنبيه أن يحيد عن منهج الدعوة الأصيل.. ورسول «ص» لـــــم يكن يريد أن يصد عن ابن أم مكتوم رضى الله عنه.. إنما كان همه الأول مصلحة الدعوة.. ونجاحها وانتصارها بكسب وجهاء قريش... ولكن الله جل وعلا علم نبيه طريق الحق.

«وعن سعد بن أبي وقاص قال: كنا مع النبي «ص» ستة نفر، فقال المشركون للنبي «ص»: اطرد هؤلاء لا يجترئون علينا قال وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان نسيت اسمهما فوقع في نفس رسول الله «ص» ما شاء الله أن يقع، فحدث نفسه فانزل الله ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم﴾ (سورة الأنعام: 52) «2» هل كان من مصلحة الدعوة أن يجاريهم «ص» في رغباتهم ونزواتهم؟ هل كانت مصلحة الدعوة أن يطردهم «ص» ولو للحظات بسيطة منها تكسب الدعوة وجهاء قريش؟

إنها لحظة بسيطة لتخطى أصول الدعوة المستقيمة.. تلك اللحظة لم يرضها الله لنبيه فنزل الوحي يرسم الطريق السليم.

وهكذا رد الله كيد الشيطان، ورد للدعوة موازينها الدقيقة وقيمها الصحيحة، وصحح تصرف رسول الله «ص».

وعن ابن عباس «أن قريشا دعت رسول الله «ص» إلى أن يعطوه مالا فيكون أغنى رجل بمكة ويزوجوه ما أراد من النساء فقالوا: هذا لك يا محمد وكف عن شتم آلهتنا ولا تذكرها بسوء فإن لم تفعل فإنا نعرض عليك خصلة واحدة ولك فيها صلاح قال - ما هي؟ قالوا: - تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة قال: - حتى أنظر ما يأتيني من ربي فجاء الوحي من عند الله ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ (سورة الكافرون: 1-2 ) وانزل ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ (سورة الزمر: 64) «3»

وعن سعيد ابن مينا مولى أبي البحتري قال «لقى الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن المطلب وأمية بن خلف رسول الله «ص» قالوا يا محمد هلم فلنعبد ما تعبد وتعبد ما نعبد ونشترك نحن وأنت في أمرنا كله، فإن كان الذي نحن عليه أصح من الذي أنت عليه كنت قد أخذت منه حظا، وإن كان الذي أنت عليه أصح من الذي نحن عليه كنا قد أخذنا منه حظا؟ فأنزل الله     

﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ (سورة الكافرون: 1) إلى آخر السورة» «4»

وفي حديث لابن عباس «اجتمع عليه من أشراف قريش - وعدد أسماءهم - بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة فقال بعضهم البعض: ابعثوا إلى محمد فكلموه، وخاصموه حتى تعذروا فيه فبعثوا إليه: - إن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك، فجاءهم رسول الله «ص» سريعا وهو يظن أنه قد بدأ لهم في أمره بدء، وكان حريصا يحب رشدهم ويعز عليهم عنتهم، حتى جلس إليهم. فقالوا: - يا محمد إنا قد بعثنا إليك لنعذر فيك، وإنا والله لا نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك. لقد شتمت الآباء وعبت الدين، وسفهت الأحلام، وشتمت الألهة، وفرقت الجماعة، وما بقى من قبيح إلا وقد جنته فيما بيننا وبينك.

فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت إنما تطلب الشرف فينا سودناك علينا، وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك بما يأتيك رئيا تراه قد غلب عليك - وكان يسمون التابع من الجن الرئى - فربما كان ذلك، بذلنا أموالنا في طلب الطب حتى نبرئك منه أو تعذر فيك؟ فقال رسول الله «ص» مابي ما تقولون. ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم ولكن الله بعثني إليكم رسولا، وأنزل علي كتابا، وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا، فبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم من الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم» «5» نرى من هذه الروايات كلها أن الرسول «ص» كان بإمكانه التسلل إلى سلطانهم من أجل تخفيف العذاب على أصحابه.. من أجل مصلحة الدعوة كان يستطيع أن يفعل كل هذا.. ولكن الله أبى أن يكون ذلك.. وشاء الله أن تسير الدعوة على طريقها القويم.. وفق موازينها الدقيقة.

* مصلحة الدعوة هي تنفيذ أوامر الله: -

إن منهج الله هو الحق وإن أوامره ونواهيه نزلت بالحق.. لا مجال للوهم فيها.. فالذي يسير على نهج الله يعلم ابتداء أنه يسير على بينة من ربه.. والذي ينفذ أوامر الله يعلم أنه يتعامل بالحق.

والله جل وعلا عندما أمر عباده أن يسلكوا منهج الدعوة الصحيح.. كان في علمه المصلحة الحقيقية.. وعندما أمر ونهى كان يعلم أن المصلحة تكمن في التنفيذ المطلق.

أما مصلحة الدعوة المزعومة. فهي عبارة عن اجتهاد ظني.. بكل معاني الظن...

وما كان لظن البشر أن ينسخ الحق المنزل مع الوحي.. ومتى كان تعطيل أوامر الله في مصلحة الدعوة؟؟

ومتى كان الإغضاء عن بعض منهج الدعوة في مصلحة الدعوة؟؟ إن المصلحة الأساسية في الدعوة هي ألا نعطل قول الله.. وألا نتلكأ في تنفيذ أوامره .

والذين يتعاملون بمصلحة الدعوة.. ويتخطون موازينها الدقيقة مع حرصهم وإخلاصهم... يغفلون عن نقطة هامة.. وهي أن النتائج غيب من علم الله.. فما أدراهم أن النتائج ستكون في مصلحة الدعوة لو أنها جارت الناس في رغباتهم أو تخطوا المنهج الصحيح؟

ولكننا نحن نجزم أن النتائج ستكون في مصلحة المدعوة لو نفذنا مسلك رسول الله «ص»  في الدعوة.. هذا ما نجزم به.

وفي نهاية المطاف ننبه على نقطة هامة هي أن الشيطان يبدأ عمله من مصلحة الدعوة ومن خلال التعامل معها.. فإنها فرصته للكيد بالدعوة وتحويلها عن قواعدها وإلقاء الشبهات حولها في النفوس.. فعندما تتلكأ النفس عن تنفيذ أمر ما.. يبدأ الشيطان بتزيين هذا الأمر وتصويره أنه من مصلحة الدعوة.. وما أدهى الشيطان في تبديل الأمور والدوران حول المعاني.

وفي نهاية المطاف أنقل هذه الفقرة للأستاذ الشهيد سيد قطب رحمه الله! –

«إن كلمة «مصلحة الدعوة» يجب أن ترتفع من قاموس أصحاب الدعوات لأنها مذلة ومدخل للشيطان يأتيهم منه، حين يعز عليه أن يأتيهم من ناحية مصلحة الأشخاص ولقد تتحول «مصلحة الدعوة» إلى صنم يتعبده أصحاب الدعوة، وينسون معه منهج الدعوة الأصيل.

إن على أصحاب الدعوة أن يستقيموا على منهجها ويتحروا هذا المنهج دون التفات إلى ما يعقبه هذا التحرى من نتائج قد يلوح لهم أن فيها خطرا على الدعوة وأصحابها. فالخطر الوحيد الذي يجب أن يتقوه هو خطر الانحراف عن النهج بسبب من الأسباب سواء كان هذا الانحراف كثيرا أو قليلا. والله أعرف منهم بالمصلحة، وهم ليسوا بها مكلفين.. إنما هم مكلفون بأمر واحد. ألا ينحرفوا عن المنهج وألا يحيدوا عن الطريق

 

«1» أخرجه مالك والترمذي وحسنه وابن المنذر وابن هبان والحاكم وصححه و ابن مردويه فتح القدير 386/5

 «2» مختصر صحیح مسلم ۱۹۷

«3» أخرجه ابن جریر وابن أبي حاتم والطراني فتح القدير 508-5

«4» أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف فتح القدير 508-5

«5» رواه یونس وزیاد عن ابن اسحاق عن محمد بن أبي محمد عن سعيد بن جبير وعكرمة عن ابن عباس البداية والنهاية 50-3

 

الرابط المختصر :