العنوان قضية فلسطين هل تتوقعون من العدو غير هذا؟
الكاتب الاستاذ مصطفي مشهور
تاريخ النشر الثلاثاء 12-يوليو-1994
مشاهدات 78
نشر في العدد 1107
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 12-يوليو-1994
·
يقول
رابين: ليس لعرفات الحق في وضع قدمه على أرض إسرائيل بحدودها التوراتية.. وهدد بعض
الصهاينة بقتله إذا ذهب إلى هناك، فهل بعد ذلك صَغَارٌ وهوان؟
·
ستظل
«حماس» هي القوة الفاعلة والمخيفة للعدو.. لأنها توقن أن قتلاها في الجنة،
ومعتقليها في سبيل الله، وكل إيذاء هو ثمن للنصر المنتظر بإذن الله.
استعلاء وغطرسة وتشريد وسجن وتعذيب وقتل
وانتهاك للأعراض وبقر لبطون الحبالى ونسف للبيوت واقتحام للمساجد وقتل الركع
السجود. وإذا بنا نجد اللجنة التي حققت في هذه المذبحة في المسجد الإبراهيمي تعلن
النتيجة، وهي أن جولدشتاين هو وحده المسؤول عن المذبحة، وتبرئ المسؤولين والجنود
من المشاركة فيها، ولولا قليل من الحياء لأدانت اللجنة المصلين، وهل مقبول عقلًا
أن فردًا واحدًا يستطيع أن يقتل هذا العدد الكبير وأضعافه من الجرحى؟
إن القضية تمر بمسلسل مستمر من التآمر والضغوط
والتسلط، فلو نظرنا كيف تم تحويل منظمة التحرير من الهدف الذي قامت من أجله وهو
تحرير فلسطين من النهر إلى البحر، وإذا بنا نجد ياسر عرفات يُعدِّل بنود الميثاق
الوطني الفلسطيني، بل يلغي المواد الرئيسية التي تعبر عن الكفاح المسلح والعمل
الفدائي، ويقر بتقسيم فلسطين الذي تم عام 1947، بعد أن كان الميثاق يعلن بطلانه
وبطلان وعد بلفور وغير ذلك من المواد التي تدين العدو الصهيوني. ثم تتم المفاوضات
العلنية، ثم السرية التي تخرج باتفاق غزة وأريحا الذي تم تدشينه في واشنطن، ثم في
القاهرة، وكله تنازلات لصالح العدو، بل صار العدو يحصي على ياسر عرفات ألفاظه،
ويستنكر أن يجري على لسانه كلمة الجهاد، أو أن يمني نفسه بزيارة القدس.
إنهم جعلوا المنظمة بمثابة بلدية للقيام
بالخدمات للفلسطينيين المقيمين في غزة وأريحا، إن جريدة القدس ذكرت أن مصادر
إسرائيلية قالت: إنه قد بذلت جهود مكثفة في باريس لإقناع منظمة اليونسكو ألا توجه
الدعوة لياسر عرفات بلقب رئيس فلسطين؛ ليتسلم هو ورابين جائزة السلام. ولم لا يأخذ
الجوائز وقد حقق خدمة كبيرة للعدو الصهيوني؟ فقد هدد مندوب إسرائيل في اليونسكو أن
مخاطبة ياسر عرفات بلقب رئيس فلسطين في الدعوة قد يحول دون حضور رابين وبيريز
مراسم منح الجائزة.
ثم انظروا إلى ما قاله الحاخام دوب ليئور في
نشرة تنطق باسم الحركة الصهيونية الدينية (ميماد) فقد قال: إن جولدشتاين يعتبر
شهيدًا مقدسًا، ويقول: «إنني أغفر لجولدشتاین ما فعله في الحرم الإبراهيمي».
زيارة عرفات للقدس
أما عن تفكير ياسر عرفات في زيارة القدس، فقد
قامت حملة هوجاء ضد زيارته، وقال إسحاق شامير: «ليس لعرفات الحق في وضع قدمه على
أرض إسرائيل بحدودها التوراتية، وينبغي منعه من القيام بذلك». وهدد بعض الصهاينة
بقتله إذا ذهب إلى هناك، ولما قال رابين: إنه يمكنه أن يذهب كما يذهب أي مسلم
فلسطيني للصلاة في المسجد؛ ثار على رابين بعض اليهود لهذا التصريح.. هل بعد ذلك
صَغَارٌ أو هوان؟!
تهويد القدس
لقد كان في القدس الشرقية عشية احتلال 1967م
نحو 72 كيلو مترًا مربعًا، ولكن السلطات الصهيونية صادرت 40% من مساحة المدينة
بأوامر عسكرية، فيما سيطرت على البقية بطرق غير مباشرة، كوضع خرائط لأحياء المدينة
جرى بموجبها تحديد مساحات شاسعة من المدينة كأراض خضراء يحظر استغلالها لأي
مشاريع. والآن لم يتبق للمواطنين العرب غير 20% من مساحة القدس، منها 10% مأهولة
بالمواطنين، و6% مخصصة للطرق، و4% غير مستغلة.
وتوضع خطط لتقطيع المدينة بشبكة من الطرق
والأنفاق التي من شأنها تجزئة الأحياء الفلسطينية وتشتيت أهلها، كما أن هناك
تخطيطًا لتوسيع الرقعة الاستيطانية باتجاه الجنوب، وبناء 7500 وحدة سكنية
استيطانية على جبل «أبو غنيم» الذي يحد المدينة. وهكذا يحضرون المستوطنين اليهود
في خطة لاستكمال تهويد المدينة كخطوة قد تتبعها بعد حين هدم المسجد الأقصى لبناء
هيكل سليمان.
وليس أدل على أن الحكم الذاتي المحدود للمنظمة
في غزة وأريحا أنه على أرض لا يملكونها، ما قاله قائد المنطقة العسكرية الوسطى في
الجيش الصهيوني -الجنرال إيلان بيران: إن بإمكان قواته احتلال منطقة الحكم الذاتي
خلال خمس دقائق، وإنه قال ذلك في لقاء مع ممثلي الشرطة الفلسطينية في مكتب
الارتباط الفلسطيني-الإسرائيلي في مدينة أريحا.
هل بعد ذلك هوان ومذلة؟!
إن الصهاينة يتصرفون كأصحاب الأرض
والفلسطينيين الموجودين كضيوف غير مرغوب فيهم، يتحكمون في حركتهم في الأرض التي
احتلوها عام 1948م. وهذا أسلوب من أساليب التطفيش لينزحوا إلى الأردن أو أي بلد
عربي آخر. ونجد رابين بكل الغطرسة يصرح ويؤكد القدرة على البقاء في الجولان 27
سنةً أخرى، وذلك من باب التهديد لسوريا كي تخضع وتقبل إبرام اتفاق ثنائي مع العدو
بشروطه.
المسجونون والمشردون
وهناك قضيتان مهمتان وهما المسجونون
والمعتقلون في سجون العدو، وهم بالآلاف، ولا يفرج إلا عن قليل، كما يعتقل آخرون
جدد، وما يتعرضون له من إيذاء وتعذيب، وقد أدانته المنظمات الدولية لحقوق الإنسان.
وقضية المبعدين المشردين من 1948، 1967 وهم بالملايين، وحرمانهم من العودة إلى
وطنهم وديارهم، وكأنهم فقدوا جنسيتهم، وحملها بدلًا عنهم المستوطنون الذين جلبهم
العدو من أشتات الأرض. وترضى المنظمة بذلك ويرضى ياسر عرفات بذلك، فهل يحق له أن
يتحدث باسم الفلسطينيين؟
كما أننا نجد أمريكا وانحيازها الكامل مع
العدو، ومع ذلك نستلهم منها التوجيه والسياسة، رغم أننا نراها تدقق مع العراق ومع
كوريا الشمالية حول الأسلحة النووية، ولكنها تتغاضى عن الترسانة النووية الموجودة
عند العدو الصهيوني؛ لأنه كلب حراستها في المنطقة وركيزة انطلاقها عند اللزوم.
بعث روح المقاومة
ولكننا نأمل أن تبعث «حماس» روح المقاومة وعدم
الاستسلام وعدم التفريط في الأرض تحت أي ضغط أو إغراء، وأن تظل راية المقاومة
مرفوعة، وأن يرث الأطفال الفلسطينيون روح المقاومة مهما كثرت التضحيات، فالقتلى
شهداء، والسجناء في سبيل الله يرعاهم الله ويأجرهم، وكل إيذاء في سبيل الله هو ثمن
للنصر المنتظر بإذن الله، كما أنبأنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وستكون
الهزيمة والخزي والعار للعدو ومن عاونه بإذن الله.
إنه يؤسفنا أن نرى بعض الدول العربية تسعى
وراء الاتفاق مع العدو منفردة دون تحقيق مصالح باقي الدول، تحت إغراء إسقاط الديون
أو غير ذلك، كما نرى دولًا أخرى تستضيف وفودًا من العدو لبحث قضايا كالمياه
والطاقة وغير ذلك، وكان هناك اتفاقٌ في طريقه للإعلان بتطبيع العلاقات من الدول
العربية مع العدو وإلغاء المقاطعة والتعامل معه كأي دولة عربية في المنطقة، بل
ربما كانت العلاقة بين بعض الدول العربية في درجة من السوء، في حين تكون علاقاتها
مع العدو أفضل كثيرًا.
إن الزمن يمر والتاريخ يسجل كل تصرف شعبيًّا
كان أو حكوميًّا، وستبقى الأجيال تذكر كل فاعل خير بفعله، وكل خائن بخيانته، ثم من
وراء ذلك كله سيكون حساب الله الحكم العدل الذي لا يظلم مثقال ذرة.
إننا نلاحظ في هذه الفترة ملاحقات وتضييقات في
بعض الدول العربية ضد العمل الإسلامي والدعاة إلى الله، فهل يجوز لنا أن نربط بين
هذا الذي يحدث وما يتوقع أن يتم مع العدو الصهيوني من التطبيع وإلغاء المقاطعة
والسوق الشرق أوسطية وغير ذلك مما هو في صالح العدو، وهل يكون ذلك من قبيل كبت
المعارضة الإسلامية لهذه الاتفاقات مع العدو الصهيوني؛ حتى يتم ذلك في هدوء؟
ولكن الأمل منشود أن تستيقظ الشعوب الإسلامية
من غفوتها، وتستشعر مسؤوليتها عن فلسطين والمسجد الأقصى، وأن تسعى لتحريرها وفك
أسر المسجد من يد الصهاينة، وإن كلفها ذلك من التضحيات الكثير، فلن تُحرم الأجر،
ولن تُحرم النصر بإذن الله.
إننا ندرك بأن ما تمر به الأمة الإسلامية من
حال ضعف تعتبر مرحلة عابرة لا تبرر الإذعان والتنازل عن الحقوق، وإنما يمكن
تجاوزها بصدق العزيمة وحسن التدبير والصبر والمصابرة وتحقيق المزيد من التلاحم
والحرية والاعتصام بحبل الله تعالى والتوحد على شرعه ومنهاجه.
لقد مرت الأمة الإسلامية في تاريخها الطويل
بفترات أكثر ضعفًا، فلم تستسلم، وبقيت تختزن روحًا جهادية عالية ومقاومة باسلة؛
مما أدى إلى خروجها من حالات الضعف أكثر قوة، وأشد بأسًا بفضل إيمانها بالله، ثم
بفضل جهود المخلصين من أبنائها.
إننا ندعو الشعوب إلى رفض كل اتفاقيات التسوية
والتصفية السابقة واللاحقة، وعدم الإذعان لإرادة العدو، ومقاومة ما يترتب عليها من
آثار: ﴿وَٱذكُرُواْ إِذ أَنتُم قَلِيل مُّستَضعَفُونَ فِي ٱلأَرضِ تَخَافُونَ أَن
يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ فَـَٔاوَاكُم وَأَيَّدَكُم بِنَصرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ
ٱلطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُم تَشكُرُونَ * يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا
تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَٰنَٰتِكُم وَأَنتُم تَعلَمُونَ﴾
(الأنفال: 26، 27).
ألا هل بلغت اللهم فأشهد!
(*) نائب المرشد العام للإخوان المسلمين