العنوان الشاعر السوري صاحب ديوان «فتى الإسلام» يتحدث لـ «المجتمع» من القاهرة .. مصطفى عكرمة: الأدب الإسلامي يفتح مغاليق الأنفس والآفاق
الكاتب د. محمود خليل
تاريخ النشر السبت 12-يونيو-2010
مشاهدات 66
نشر في العدد 1906
نشر في الصفحة 58
السبت 12-يونيو-2010
الأدب الإسلامي تعبير فني هادف والتصوير فيه يأتي في أعلى تجلياته عندما تتضح أمام المبدع آفاق التجربة وتبدو أماراتها من بعيد
كل قول يدعو إلى مكارم الأخلاق يعد جزءًا من الأدب الإسلامي مهما كانت عقيدة قائله.. فالرسول صلى الله عليه وسلم استشهد بأبيات الشعراء جاهليين
الشاعر مصطفى عكرمة.. من مواليد سورية عام ١٩٤٣م، له خمسة عشر ديوانًا من الشعر الإسلامي.. أشهرها ديوان «فتى الإسلام» في أجزائه الأربعة.. إلى جانب تراجمه الشعرية المتميزة عن الأدب الفارسي، وهو متمرس بالفنون الإبداعية الأخرى كالمسرحية الشعرية التي أبدع فيها للأطفال خمس مسرحيات، أهمها مسرحية «جند الكرامة» التي فازت بالجائزة الأولى لوزارة التربية السورية عام ۱۹۷۲م.. وله مسلسل «دروب النور» الذي أخرج في ثلاثين حلقة، كما كتب خمسمائة حلقة إذاعية للطفل... ومائة وخمسين حلقة من برنامج «تسابيح شاعر».. التقيناه بالقاهرة وكان هذا الحوار:
ما تعريفكم للأدب الإسلامي؟
- هو الأدب الذي يبني الحياة متناسقة مع الفطرة التي فطر الله الناس عليها.. ومن ثم فإن الأدب الإسلامي هو التعبير الفني الهادف عن الإنسان والحياة والكون وفقا للتصور الإسلامي
- يرى البعض أن التقيد بضوابط الحلال والحرام.. يضيق الآفاق الإبداعية؟
- التصور الإسلامي يفتح مغاليق الأنفس والآفاق، ويتجاوز الأزمنة والأمكنة، إنه عالم رحيب ولا يعرف الشوق إلا من يكابده.
وأنا شخصيًا كتبت جميع الأنواع الأدبية، باستثناء الرواية الطويلة.. وما أحسب أنني كنت بعيدًا عن الإبداع فيها، لأن الإبداع في مبتداه ومنتهاه «وعي»، وإذا غاب الوعي غاب الإبداع، ومن ثم فإن التصور الإسلامي يأتي في أعلى تجلياته عندما تتضح أمام المبدع آفاق التجربة الإبداعية.
- كتبت كثيرًا تحت عنوان «فتى الإسلام» فما الرسالة التي تنشدها من ورائه؟
- بالفتوة المؤمنة الواعية التي التفّت حول الأنبياء والمرسلين، ومن أتى بعدهم من الصالحين انتصر الحق، وانتشر العدل، وخلصت المجتمعات من المظالم والمفاسد.
إن فتية الإسلام الذين أحاول أن أقترب من صورتهم ومن حقيقة ما هم عليه من إيمان، وما هو مطلوب منهم من إعداد، وما هو مأمول منهم من أعمال، ومسؤوليات تليق بتميزهم، وهم الذين أناجيهم واحدًا واحدًا.
فتى الإسلام يا أملًا
به الأيام تبتسم
ويا عملًا على التقوى
به تتزايد النعم
ولهؤلاء الفتيان أيضًا كتبت مسرحيتي الشعرية «جند الكرامة» التي فازت بالجائزة الأولى لمسابقة المسرح المدرسي لوزارة التربية والتعليم السورية عام ١٩٧٢م.
أدب الحياة والأحياء
- لكن لماذا ترى الكثير من المبدعين الإسلاميين يقصرون عملهم على أدب «الصوت العالي»؟
- «الصوت العالي» والنبرة الصارخة سمة تغلب على إبداع البعض، وتشغله عن المضمون الفني البديع - كما أشرتم - فهؤلاء مبدعون لهم في ميزان الرؤية الإسلامية أمر من ثلاثة:
- إما أنهم لا يفهمون حقيقة الإسلام.
- وإما أنهم لا يفهمون حقيقة الإبداع.
- وإما أنهم يفهمون الإسلام والإبداع ولكن لا يملكون الموهبة.
فالإسلام هو التفاعل الرائع الجميل مع كل ما في الحياة والأحياء من معان.
- «قضية الشكل» من القضايا الأدبية التي تطرح نفسها على ساحة الإبداع.. ما رؤيتكم في ظل الحرية التي ينظر بها الأدب الإسلامي للأفق الإبداعي شكلًا ومضمونًا؟
- أنا مع الموروث.. لأن الإبداع يكون في المضمون وليس في الشكل، فالشعر مثلًا.. لدينا فيه البحور الخليلية وما تفرع عنها وهو أضعاف أضعافها، لا يمكن أبدًا أن تضيق هذه البحور الإبداعية بإنسان مهما كانت طموحاته إن كانت طموحاته سوية!! لدينا عمر أبو ريشة، ومحمود حسن إسماعيل، وعمر الأميري، وأسماء لا تنتهي خاضوا أرقى التجارب، ولم يتورطوا أبدًا في اعتساف تجربة أو ابتسارها لأن قالبًا إبداعيًا ضاق بها!!
والأمر ليس أمر الإبداع، إنما هو أمر الخروج على الموروث، نعم، نحن لا نتعبد الله بالموروث جميعًا، ولكن لكل فن ثوابت، وإذا ضاعت ثوابت أي فن فلا فن من أساسه.
إسلامية الإبداع
- هناك من يرى أن الأدب الإسلامي يقوم على انتقائية مذهبية.. فهل القضية هي إسلامية المبدع.. أم إسلامية الإبداع؟
- هذه الانتقائية المذهبية شرف كبير، ولكن متى نقولها؟ لا نقولها إلا لمن تولى ﴿فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَا مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران:64)، لكن قبلها ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ۚ﴾ (آل عمران: ٦٤)، فلماذا يرفض البعض هذه الكلمة السواء السوية؟ لا يقول بغير هذا إلا جاهل أو عاجز، عجز عن أن يرى نور الشمس فأنكر فيها الضياء، والعجز ليس في الشكل إنما فيمن يختار الشكل أو ينكره، وطالما هناك إنسان سوي لا يرتج عليه القول ولا تنتكس لديه الفطرة السوية، ولا تضيع القيم في تجربته، فإن أدبه أدب إسلامي، فرسولنا صلى الله عليه وسلم قد قال: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»، فكل قول يمكن أن يعتبر من مكارم الأخلاق هو جزء من الأدب الإسلامي.
- مهما كانت عقيدة قائله أو مذهبيته؟
- نعم، مهما كان انتماؤه طالما أن قوله وإبداعه يدور في دائرة «القول السوي»، والرسول صلى الله عليه وسلم قد استشهد بأبيات الشعراء جاهليين، أنا أرى أن الشاعر القروي رشيد سليم الخوري لم أجد تمسكًا ودعوة إلى الوحدة ومكارم الأخلاق والتزامًا بها، كما كانت عند هذا الشاعر الذي حار الناس في أمر إسلامه وهو مع التزامه الشديد واهتمامه الأشد بالأدب الإسلامي لم يعلن إسلامه صراحة ولكنه يدين في أدبه بدين الإسلام.. لذا فإنني أسميه «شاعر القيم» وكما قلنا: إنها الفطرة السوية.
دور النقاد
- ولكن ألا ترى أن قضية الأدب الإسلامي لم تأخذ حقها على ساحة المتابعة والنقد بالقدر اللائق، سيما أن الهجوم عليها لا ينتهي؟
- هذا صحيح، وعلى النقاد الإسلاميين أن يتابعوا الإبداع في كل الفنون الإسلامية، وأن ينزلوا بثقلهم - وهم بحمد الله كثر - إلى الساحة النقدية، وأن يتابعوا زرعهم بأنفسهم؛ لأن هذه الشبهات التي طرحتموها وغيرها الكثير لا تثار إلا في ميادين النقد، ومن ثم، فإنه لابد من الرد عليها ليس بالهجاء أو البكاء، ولكن بشرح عوارها وبوارها، وتقديم البديل الذي ينفع الناس.
- لكم مترجمات شعرية عن الأدب الفارسي، فماذا عن هذا العمل الثقافي الإسلامي الحضاري المشترك؟
- قمت - بحمد الله - بتقديم عمل ثقافي حضاري يجمع أطراف الأمة ويوحد أقطابها، وذلك بالترجمة الشعرية لعدد كبير من أعلام الشعر الفارسي، من أمثال الفردوسي وسعدي، وحافظ الشيرازي، وناصر خسرو، وغيرهم، وذلك بالتعاون مع مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري، وبالاشتراك مع الأدباء والشعراء المعروفين، من أمثال الشاعر عبد الناصر محمد والناقد الكبير أ.د. محمد السعيد جمال الدين أستاذ ورئيس قسم اللغة الفارسية بجامعة عين شمس، والشاعر أ. د. فكتور الكك أستاذ الحضارة العربية والأدب المقارن بجامعة طهران ورئيس مركز اللغة الفارسية بالجامعة اللبنانية.
- هل يمكننا تقديم بعض النماذج من هذه المترجمات الشعرية؟
- لعله لا يخفى على فطنة القارئ أن ترجمة الشعر - شعرًا- عمل في منتهى الصعوبة، لا يركن إلى العبقرية اللغوية أو الشعرية فحسب إنما يتلبس بروح وعاطفة وجو إبداعي يحيا فيه الشاعر المترجم أنفاس وإحساس الشاعر المبدع؛ لذا فإنني أعتبر هذا العمل عملًا حضارًا ثقافيًا من الدرجة الأولى، ومن أعظم الشعراء الفرس الذين عايشت إحساسهم ومزاجهم الإبداعي الخاص، ومن أهم من عشت أجواءهم الإبداعية الشاعر الفيلسوف فريد الدين العطار المتوفى سنة ٦٢٧هـ - ١٢٢٩م، وهو من أعظم شعراء الفرس وله ديوان ضخم من «المثنويات»:
ومن مثنوياته:
كنت بالأمس هزارًا
يتغنى في الحقول
صرت لا ريش ولا
أجنحة فيها أجول
كنت بالأمس أباهي
باعتزاز ودلال
صار لي التابوت دارا
عـــــــودتـــــــي منه محال
حسرتي أن ليس يدري
أحد منكم مصابي
ألخير سوف أغــدو
أم لــشــــر وعـذاب
إن للعطار قلبًا
غارقًا في بحر دم
فمتى يحظى بعفو
منك يا رب الكرم
وهناك أشعار جمال الدين نظامي..
حيث يقول في «دعاء شيرين»:
لم تعد شيرين حيرى
لا، ولا تشكو الضجر
عندما لاح صباح
قلب شيرين استقر
جدت لله شكرًا
وجهها الحلو تعفّر
بغبار الأرض لما
مسها الوجه المنضر
واحد أنت إلهـي
يا إلهي وصمد
دونما أدنى شبيه
أو شريك أو ولد
وهكذا، فإن المبدع لابد أن يتناغم وأن يتماهى مع التجارب الصادقة والمواقف الموحية، وهو لا يملك إلا أن يكون إشعاعًا فياضًا لفكره وعاطفته ووجدانه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل