العنوان مصر ودارفور: التحول من الدفاع إلى الهجوم لحماية الأمن القومي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الجمعة 17-سبتمبر-2004
مشاهدات 59
نشر في العدد 1618
نشر في الصفحة 29
الجمعة 17-سبتمبر-2004
الإيكونوميست: الخوف من الفوضى والضغوط الشعبية دفع الأنظمة إلى التحرك
على عكس الموقف المصري المتجه أكثر نحو الحلول الدبلوماسية واللجوء إلى لغة الدفاع لا الهجوم في العديد من القضايا العربية بشكل دفع بعض المحللين للحديث عن «انكماش» في الدور السياسي المصري، كنتيجة للضعف العربي و«التمدد» الأمريكي في المنطقة والضغط على الحكومات، شهد الموقف المصري من أزمة دارفور تحركًا نشطًا تحول تدريجيًا إلى قيادة موقف عربي معارض للتدخل الدولي في السودان.
فالزيارات المتكررة لكبار المسؤولين المصريين للسودان ودارفور، والجسر الجوي لنقل المعونات والمخابز والعيادات المتنقلة العسكرية، والتحرك الدبلوماسي النشط بين الولايات المتحدة وأوروبا والأمم المتحدة لوقف أي عقوبات ضد السودان، تزامنت مع تحرك مماثل من جانب كبار المسؤولين المصريين للمساهمة في الحوار بين الخرطوم وفصائل التمرد في دارفور، وتفويت الفرصة على أي تدخل دولي يمس الفناء الخلفي للأمن القومي المصري.
وزيارة المشير حسين طنطاوي، القائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع المصري، على رأس وفد يوم 14 أغسطس 2004م، للسودان استغرقت يومين بدعوة من وزير الدفاع السوداني لحضور الاحتفال باليوبيل الذهبي للقوات المسلحة السودانية خطوة أكثر دلالة من رمزيتها، بالنظر إلى أنها الزيارة الأولى منذ سنوات لمسؤول عسكري مصري رفيع إلى السودان، كما أنها جاءت في وقت يتعاظم فيه الحديث عن تدخل عسكري غربي في دارفور.
والحقيقة أن هذا النشاط المصري الكبير في دارفور سياسيًا ودبلوماسيًا وحتى أمنيًا «مشاركة ضباط مصريين في قوة المراقبة الإفريقية في دارفور» والتحول من الدفاع إلى الهجوم له أكثر من مغزى ومعنى وهدف.
من الملف الأمني إلى السياسي
فالتحرك المصري النشط يدشن تغيرًا كبيرًا في التعامل المصري مع الخرطوم منذ الخلاف بين نظامي الحكم في البلدين ووصول الأمر إلى حد التخوف من صدام في منطقة حلايب الحدودية في يونيو 1997م، ويؤكد ما يتردد بشأن انتقال ملف السودان من يد أجهزة الأمن في مصر إلى الجهات السياسية والدبلوماسية.
فقد ظل التعامل المصري مع السودان مقصورًا لفترات طويلة على التعامل الأمني بشكل أكبر، وغاب دور الدبلوماسية المصرية نسبيًا، ونتج عن هذا غياب مصري عن الملفات الساخنة في السودان ومفاوضات السلام الجنوبية بشكل أصبحت معه دول مثل أمريكا والترويج والاتحاد الأوروبي حاضرة وشاهدة على اتفاق نيفاشا، ومصر شبه غائبة.
ويبدو أن تصاعد الخطر على السودان وبروز خطط تفتيته «الجنوب ثم الغرب في دارفور وحاليًا الشرق على حدود إريتريا» أقلق القاهرة بشدة فبدأت العودة بقوة إلى الساحة السودانية والسعي للتأثير في مستقبله، بعد أن ظلت فترة طويلة مجرد شاهد على الأحداث، وظهر هذا عقب زيارة سريعة للرئيس البشير للقاهرة أطلع فيها القاهرة على الأخطار المحدقة بالسودان.
ولا يعني هذا تحولًا كاملًا في السياسة المصرية تجاه السودان وتصادمًا مع القوى الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة هناك، فالقاهرة تستشعر رغبة أمريكية محمومة للتدخل في الشئون العربية وتسعى لترشيدها بطرق مختلفة بما يحفظ المصالح المصرية الاستراتيجية في الجنوب الذي يمثل عمق الأمن القومي المصري.
وفي هذا الصدد جاء التحرك المصري في دارفور.. فمصر لم تتحرك وحدها بل وسط زخم عربي إفريقي دولي مزدحم بالمنظمات الدولية وغير الحكومية الإنسانية وغير الإنسانية، ولم تسع للتأثير في الأحداث هناك بشكل منفرد يغضب القوى الغربية بل سعت تدريجيًا لتنفيس وإنهاء الحجج الغربية بدعوة الخرطوم للاستجابة لكافة الطلبات الغربية والتدخل لمنع التصعيد من الجهة الأخرى.
وقد ظهر هذا في تصريحات العديد من المسؤولين المصريين، حيث أكد وزير الخارجية المصري أبو الغيط أن مصر وإن كانت تتفهم جوانب القلق وتشارك في هذا القلق والاهتمام بإخراج السودان ومنطقة دارفور من هذا الوضع، إلا أن مصر تؤكد أهمية الابتعاد عن مفهوم العقوبات والتهديد بها لأنه أمر يضر بالموقف ويعقد جوانب الموضوع، مشددًا على ضرورة منح الحكومة السودانية الوقت للتعامل مع الموضوع وإنهاء معاناة المواطنين في دارفور.
وقد لفت التدخل المصري النشط في دارفور والسعي لتحريك الدول العربية باتجاه المساعدة في هذه المنطقة، أنظار مجلة «الإيكونومست» البريطانية فكتبت تقول: «إن رد الفعل العربي تجاه أزمة دارفور كان متشابهًا.. فدول مثل مصر والسعودية سارعت بإرسال مساعدات غذائية للمنطقة، وتحالفت في الوقت نفسه من أجل ضمان إحجام مجلس الأمن الدولي عن التهديد بفرض عقوبات على النظام السوداني».
وقالت إن الدول المجاورة للسودان من مصلحتها دعم حكومة الخرطوم: فهي لا تريد فوضى على حدودها على غرار تلك التي يعاني منها العراق، لكنها في الوقت نفسه تتعرض لضغوط شعبية كبيرة لمنع تدخل غربي آخر في بلد عربي، بحسب الصحيفة.
ولهذا أعلنت مصر أيضًا دعمها لنشر فرنسا قوات على الحدود السودانية التشادية، كما أرسلت مستشارين عسكريين للانضمام إلى بعثة المراقبة تحت قيادة الاتحاد الإفريقي.
دوافع التحول
ويقول محللون مصريون: إن هذا التحول في التعامل مع قضية دارفور يأتي لأسباب عديدة منها:
أن هناك أخطارًا من العبث الصهيوني والغربي بأمن مصر انطلاقًا من السودان أو المناطق التي تسعى للانفصال تحديدًا.
تخوف مصر من تهديد المصادر المائية في السودان والتي تعد عصب الحياة في مصر.
كشفت تطورات الأحداث في دارفور عن تدخلات استخبارية غربية مشبوهة وخطط لنقل قوات، مما قد يحول السودان لعراق آخر يهدد أمن مصر، ومن ثم كانت الحاجة لسرعة التدخل لوقف التدهور والتصعيد هناك.
الغياب المصري والعربي عمومًا والتعامل الهادئ في قضايا مثل العراق وفلسطين أغرى كل دولة لها مصالح في السودان على التدخل بشكل حول السودان إلى ساحة مطامع ومؤامرات ودسائس: طمعًا في ثرواته وشكل خطرًا على مستقبل المنطقة ككل.
التصعيد في قضية دارفور من شأنه أن يغري قبائل سودانية أخرى بالمطالبة بمطالب انفصالية، وبعد أن كان الموقف المصري يفضل في البداية عدم التدخل لعدم تضخيم المشكلة وإعطاء وزن لها أكثر مما تستحق وكذا لعدم تأليب مناطق وقبائل أخرى، مثل «البجة» لتحذو حذو دارفور، أصبح التدخل ضروريًا لوقف التداعيات.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل