العنوان بعد زيارة جمال مبارك واشنطن- مصر وأمريكا والإسلاميون.. علاقات متوترة وإصلاح مؤجل!
الكاتب محمد جمال عرفه
تاريخ النشر السبت 27-مايو-2006
مشاهدات 65
نشر في العدد 1703
نشر في الصفحة 24
السبت 27-مايو-2006
• مبارك الابن أعاد استخدام فزاعة الإسلاميين لإقناع واشنطن بتأجيل الإصلاحات الديمقراطية في المنطقة العربية
• الزيارة حاولت التأكد من التوجه الفعلي الأمريكي نحو الإصلاح.. خاصة أن هناك تعديلات دستورية جديدة في الطريق
• هل تحولت معادلة القوة بين القاهرة وواشنطن من سياسة الضغوط إلى «المصالح المتبادلة»؟!
ثلاثة أخبار متتالية قد لا يبدو بينها رابط واضح، ولكن المتابع للشؤون المصرية يمكن أن يربط بينها بشكل وثيق:
خبر الأول: نشرته وكالة أسوشيتدبرس وقناة الجزيرة يقول: إن جمال مبارك نجل الرئيس المصري حسني مبارك ورئيس لجنة السياسات بالحزب الوطني الحاكم، زار البيت الأبيض سرًّا، والتقى الرئيس الأمريكي جورج بوش ونائبه تشيني, وأنه تم إعلان الزيارة حينما رأته مراسلة الجزيرة هناك، ثم نشر الخبر موقع الحزب الوطني الحاكم في مصر بطريقة أخرى تفيد بأنها زيارة خاصة عادية، وأن الهدف هو عرض خطة إصلاحات الحزب الوطني على الأمريكيين.
والخبر الثاني: كان توبيخًا سابقًا من المتحدث باسم البيت الأبيض للحكومة المصرية بسبب قمع مظاهرات مناصرة للقضاة، ومطالبته لمصر أن تراعي أن هناك مناقشات في الكونجرس حول خفض المعونات للدول غير الديمقراطية.
أما الخبر الثالث: فهو ما ذكرته صحف صهيونية: أن أقسام الأبحاث في الأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية، قدمت نصائح لرئيس الوزراء إيهود أولمرت لضمان نجاح سياسة محاصرة حكومة حماس -قبل سفره لواشنطن ثم قيامه بجولة عربية- تتلخص في تجنيد الدول العربية -عبر واشنطن- في محاصرة حكومة حماس واستصدار وعود أمريكية بتخلي الإدارة الأمريكية نهائيًّا عن مشاريع نشر الديمقراطية في العالم العربي مقابل تخلي الحكومات العربية عن مساندة حماس.
«الإدارة» متفهمة... «الكونجرس» معترض: ويبدو من سياق تسلسل هذه الأحداث أن القاهرة -التي تلقت إشارات أمريكية ضمنية بالتخلي عن ملف الإصلاحات الشاملة في ضوء المخاوف من أن تأتي بالتيار الإسلامي- قد انزعجت من رد الفعل الأمريكي الرسمي «التوبيخي» الصادر هذه المرة عن البيت الأبيض: ردًّا على أحداث الخميس ١١ مايو الماضي. عندما طاردت قوات الأمن مناصري القضاة واعتقلت قرابة ۳۰۰ منهم, وانزعجت أكثر من تلميح «شون مكورماك» المتحدث باسم البيت الأبيض بسلاح المعونات، وإشارته أن القاهرة لا تراعي ولا تفهم العلاقة بين السلطات التشريعية والسلطات التنفيذية ودور السلطات التشريعية في توزيع الأموال على مثل تلك الأنواع من البرامج.
وربما لهذا جرى إيفاد جمال مبارك وكانت آخر زيارة له لواشنطن عام ٢٠٠٣م قبل حرب العراق كمبعوث من الرئيس مبارك -إلى واشنطن ليقف على حقيقة الموقف الأمريكي- لاستيضاح الانزعاج الأمريكي من العنف الأمني مع المتظاهرين وشرح وجهة النظر الرسمية، خصوصًا أن التفهم الأمريكي من جانب إدارة بوش لضرورة ألا تؤدي الإصلاحات لصعود نجم الإسلاميين في مصر، يتصادم ضمنًا مع ضغوط نواب الكونجرس الذين يربطون المساعدات بالديمقراطية بشكل عام.
بعبارة أخرى، جاءت زيارة مبارك الابن في توقيت حرج ومهم للغاية وربما بأجندة كاملة -وفق ما أكدته صحف مستقلة مصرية– ليس فقط لتفادي قيام الكونجرس بخفض المعونات المقدمة لمصر, وإنما لطرح العديد من الملفات الداخلية والخارجية مع الأمريكان. فليس سرًّا أن لجنة المخصصات بمجلس النواب الأمريكي تنوي -وفق المصادر الصحفية الأمريكية- خفض المخصصات المالية التي طلبها الرئيس الأمريكي بوش لوزارة الدفاع وللمساعدات الخارجية، بسبب الاحتياج المتزايد لبنود تتعلق بتوفير الدعم المالي لبرامج حكومية محلية في عام انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر القادم.
ملف المساعدات الأمريكية
وليس سرًّا أن مصر -التي تعد أكبر متلق للمساعدات الأمريكية بعد الكيان الصهيوني والعراق، وتحصل على قرابة ملياري دولار سنويًّا في صورة مساعدات عسكرية وغيرها- يواجه ملف حصولها على المساعدات نفسها مناقشات كثيرة داخل الكونجرس من زاوية أن المعونات هدفها المساعدة في دعم الاستقرار والديمقراطية في مصر، في حين يرى بعض نواب الكونجرس أن المساعدات لا تدعم هذه الديمقراطية في مصر.
والأكثر غرابة أن المتحدث باسم البيت الأبيض مكورماك اعترف -في بيان نقد ممارسات الأمن المصري ضد المتظاهرين- بأن «إدارة بوش لا تعتزم خفض المساعدات لمصر بسبب قضايا حقوق الإنسان» الأمر الذي شكل تراجعًا واضحًا في خطط الرئيس الأمريكي بوش بشأن نشر الديمقراطية في العالم العربي، ولكنه أشار ضمنًا إلى أن هذا لا يعني ضمان تفهم الكونجرس للمبررات نفسها وموافقته على استمرار المعونات، خصوصًا أن لجنة المخصصات بالكونجرس خفضت مبلغ ٢,٤ بليون دولار من ميزانية المساعدات الخارجية الأمريكية في ميزانية عام ٢٠٠٧م!
معركة الكونجرس
فهناك معركة وشيكة في الكونجرس الأمريكي بشأن المساعدات لمصر رغم موافقة لجنة فرعية بمجلس النواب على هذه المساعدات كما هي ضمن مشروع قانون المساعدات الخارجية، بعدما تعهد النائب ديفيد أوبي العضو الديمقراطي البارز بلجنة المخصصات باقتطاع جزء من المعونة المخصصة لمصر ومقدارها ۱.7 مليار دولار بعد الانتكاسات الديمقراطية للقاهرة.
كما أن النائب «أوبي» تعهد بأنه سيحاول خفض المساعدات العسكرية التي تبلغ قيمتها ۱.۳ مليار دولار لمصر عندما يصل مشروع القانون إلى اللجنة بكامل أعضائها. وهناك توقعات بتصاعد المعركة حول هذه المساعدات في مجلس النواب ومجلس الشيوخ.
صحيح أن النائب الجمهوري جيم كولبي الذي يرأس اللجنة الفرعية للمساعدات الخارجية قال: إنه سيعارض تحرك «أوبي»؛ لأن مصر شريك استراتيجي .. يمضي بوضوح نحو الديمقراطية, وأن قطع المساعدات لن يؤدي إلا لدفع مصر إلى التطلع للصين وجمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق للحصول على احتياجاتها العسكرية، ولكن الصحيح أيضًا أن المسؤولين في إدارة بوش أبلغوا الكونجرس صراحة أن تخفيض المساعدات سيضر بالمصالح القومية الأمريكية؛ لأن دور مصر المفيد في السماح بمرور الطائرات الأمريكية فوق أراضيها وفي قناة السويس وغيره يتطلب بقاء المساعدات كما هي.
وإذا أخذنا بالتحليل الذي يفسر العنف الأمني المتصاعد ضد المظاهرات على أن هناك توجهًا حكوميًّا مصريًّا للتراجع عن الإصلاحات الجزئية التي أعلنت, ولم ينفذ منها سوى السماح بحرية المظاهرات السلمية، بهدف منع التظاهر نهائيًّا والعودة للمربع صفر. الداخلية عادت لإعلان أن التظاهر يجب أن يتم بترخيص رسمي بعدما ظهرت إشارات تراجع الضغوط الدولية على الحكومات العربية، يمكن القول إن الحاجة المصرية لفهم طبيعة التوجه الأمريكي الفعلي المؤثر (البيت الأبيض أم الكونجرس) في هذا التوقيت وأثره على مصر، تبدو ملحة خاصة أن هناك تعديلات دستورية أخرى ستتم هذا العام.
أيضًا إذا أخذنا بهذا التحليل المتشائم، الذي يشير ضمنًا لقصر الإصلاحات على أمور شكلية لا جوهرية، فقد يفسر هذا سر استمرار ملاحقة بعض القضاة الإصلاحيين قضائيًّا، والحرص على عدم خروجهم منتصرين بالكامل من المعركة الحالية؛ باعتبار أن القضاء هو وقود الإصلاح الحقيقي.
أيضًا ليس سرًّا أنه رغم الموقف المصري الرسمي المساند لحكومة حماس باعتبارها حكومة شعب فلسطين, فإن هناك من يتمنى فشل هذه الحكومة وفشل تجربة الحكم الإسلامي في فلسطين عمومًا، كي لا يشجع هذا حركات إسلامية أخرى على التطلع لنيل ما نالته حماس وخصوصًا مصر التي تعاني من تصاعد شعبية جماعة الإخوان المسلمين وصعودهم بقوة للبرلمان، وتحاول موازنة قوتهم واستمرار الضغط عليهم وتحجيمهم ضمن خطوط حمر، فضلًا عن نقل رسالة للأمريكان عن أنهم رهان خاسر، والضغط على حكومة مصر يعني تشجيعهم.
ولعل من أبرز هذه الخطوط الحمر التي يزعج الحكومة المصرية تخطي الإخوان لها, مسألة التظاهر والخروج للشارع والالتحام بالجماهير. والملاحظ هنا أن أكبر موجات الاعتقال للإخوان جاءت من هذا الباب مثل مظاهرات الإصلاح في مارس ٢٠٠٥م (٣۰۰۰ معتقل) وانتخابات برلمان نوفمبر ٢٠٠٥م (۲۰۰۰ معتقل)، ومظاهرات القضاة الأخيرة (حوالي ۱۹۰ معتقلًا من أصل ٣٠٠).
زيارة بطعم التوريث
أيضًا من المنتظر أن تثير الزيارة مرة أخرى الجدل حول فكرة التوريث -رغم نفي الرئيس مبارك وجمال مبارك لها نهائيًّا- أو تطرح على الأقل تساؤلات حول دور جمال مبارك كمبعوث شخصي للرئيس، وما إذا كانت زيارته نوعًا من التعويض عن إلغاء مبارك الأب زيارته لأمريكا للعام الثاني على التوالي بسبب توتر العلاقات (مبارك فسر الحملات الخارجية ضد مصر بأن مصر ترفض الخضوع)، حيث اعتبرت زيارة رئيس الوزراء المصري أحمد نظيف إلى واشنطن في مايو ٢٠٠٥ بديلاً عن زيارة مبارك بسبب توتر العلاقات بين البلدين لارتفاع سقف المطالب الأمريكية بشأن الإصلاح الداخلي، وربما تكون زيارة مبارك الابن في الإطار نفسه، ولتدشين دور سياسي له كمبعوث رسمي جديد أيضًا.
وإذا كان رئيس الوزراء أحمد نظيف قد نجح في زيارته الأولى عام ٢٠٠٥م في تغيير الموقف الأمريكي من تسريع التغيير بالتحذير من مخاطر صعود الإسلاميين على مصالح مصر وأمريكا، فالعلاقات هذه المرة لا تشهد الأزمة نفسها التي كانت موجودة منذ مارس ۲۰۰۵م وحتى مايو ٢٠٠٥م بين الطرفين, واستدعت إرسال نظيف بسرعة رغم أزمة تخفيض المعونات، كما أن إدارة بوش أصبحت أكثر قناعة بأهمية تهدئة وتخفيف ضغوط حملة نشر الديمقراطية عربيًّا، وبالتالي فالأمر لا يتطلب حاليًّا أكثر من استيضاح الموقف الأمريكي مما يجري في مصر، وهل تفتح مصر شباك الإصلاحات ليأتي بالإسلاميين أم تغلقه؟!
وضمن هذا نشير إلى ما ذكرته صحف صهيونية -وفق ما نقل عنها الكاتب الفلسطيني صالح النعامي- بأن «أولمرت» سيسعي لتذكير كل زعيم عربي سيلتقيه أن «إفشال حكومة حماس والعمل على إسقاطها هو في الأساس مصلحة عربية، على اعتبار أن نجاح تجربة هذه الحكومة يعني إعطاء دفعة قوية للحركات الإسلامية في العالم العربي لكي تحاول الإمساك بالحكم عن طريق الانتخابات»، وأن إسقاط حماس عن طريق الحصار, سيحمل رسالة للشعوب العربية مفادها أنه لن يكون من المفيد لها أن يتبوأ الإسلاميون مقاليد الأمور
هذا فضلًا عن إغراء آخر سيقدمه أولمرت للعرب يتمثل في تطمينه للزعماء العرب أنه اتفق مع الرئيس بوش على تخلي الإدارة الأمريكية نهائيًّا عن مشاريع تشجيع الديمقراطية في العالم العربي التي تبنتها بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وهو أمر من الواضح أنه تجرى اتصالات مكثفة بين «دوف فايسجلاس» كبير مستشاري أولمرت ووزيرة الخارجية الأمريكية كوندليزا رايس لترتيبه.
ومن ثم يمكن فهم أهداف زيارة مبارك الابن لواشنطن, والتي تطرح مزيدًا من التساؤلات العربية الحائرة حول الموقف الأمريكي الحقيقي من الإصلاحات العربية, بمعنى: هل تقفل الحكومات باب الإصلاحات أم تواربه خشية دخول الإسلاميين، أم تفتح الشباك بما قد يتعارض مع نفوذ الحكومات، ويهدد مصالح الغرب ؟! وهل أعاد مبارك الابن على مسامع الأمريكان –كما يرجح سياسيون مصريون- فكرة الفزاعة الإسلامية وأن الإخوان هم البديل للحكم أم اكتفى بشرح فكرة الإصلاح التي ينفذها الحزب الوطني والتي تركز على تحرير الاقتصاد دون الإصلاح السياسي؟ ومن ثم أهمية المعونة الاقتصادية وهامشية قضايا مثل أزمة القضاة، وتخفيف التوتر المستمر في علاقات البلدين!
أيضًا هناك سؤال مهم هو: هل بدأت القاهرة تتعامل عمومًا مع الأمريكان بلغة (المصالح المتبادلة) ورفض التهديدات إدراكًا منها أن إدارة بوش هي الأكثر احتياجًا للدور المصري في تسيير قضايا إقليمية في فلسطين والعراق وسورية وحصار النووي الإيراني، وغيرها, وأن المعونة بالتالي هي مقابل مصالح أمريكية لدى مصر وليست مجانًا، ومن ثم بدأت ترفض التدخلات الأمريكية العلنية وتنتقدها؟!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل