; مصر .. مقدمة مضطربة لانتخابات غير مضمونة | مجلة المجتمع

العنوان مصر .. مقدمة مضطربة لانتخابات غير مضمونة

الكاتب د. عصام العريان

تاريخ النشر الثلاثاء 03-أكتوبر-2000

مشاهدات 83

نشر في العدد 1420

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 03-أكتوبر-2000

  • نجحت الإدارة البيروقراطية في إفراغ الحكم الدستوري بإجراء الانتخابات تحت إشراف القضاء من معظم إيجابياته.

  • هيئة قضايا الدولة هي بمثابة محامي الحكومة.. والنيابة العامة تخضع لسلطة وزير العدل.. فكيف تعتبر هذه أو تلك جهة قضائية مستقلة؟

بدأت الإجراءات التنفيذية لاستكمال الانتخابات البرلمانية المصرية حيث قدم ٤٢٥٩ مرشحًا أوراقهم إلى مديريات الأمن للتنافس على ٤٤٤ مقعدًا في مجلس الشعب يخصص نصفها للعمال والفلاحين في حين تتنافس الفئات الأخرى على النصف الثاني.

ومن بين هؤلاء المرشحين تتركز الأضواء على ٧٥ مرشحًا للإخوان المسلمين.

وسبب تركيز الأنظار على الإخوان أنهم يخوضون الانتخابات وسط مناخ من التهديدات والوعيد بهدف صرفهم عن المشاركة الإيجابية تمهيدًا لإقصائهم بالكامل عن الحياة العامة.

وقد جاء قرار المشاركة الإيجابية مفاجئًا للكثيرين الذين توقعوا أن تسفر الإجراءات الحكومية بالغة القسوة عن آثارها فينصرف الإخوان عن الانتخابات أو حتى عن السياسة عمومًا، خاصة أجهزة الأمن التي تقوم بالدور الرئيس في تنفيذ سياسة الإقصاء والتهميش فازدادت في إجراءاتها البوليسية ضد الإخوان.

1- تأجيل المحاكمة العسكرية: لقد تم مد أجل الحكم في قضية النقابيين العشرين في المحكمة العسكرية أكثر من مرة دون أي مبرر موضوعي أو قانوني- إن كانت مثل هذه المحاكمات تخضع للقانون أو تتسم بالموضوعية- حتى السابع من نوفمبر المقبل وهو ما يوافق آخر مرحلة من مراحل الانتخابات البرلمانية التي ستتم على ثلاث مراحل.

ولا يجد المراقب سببًا لذلك إلا اتخاذ هؤلاء الأبرياء رهائن من أجل الضغط على الإخوان لمنع مشاركتهم في الانتخابات أو تحجيم هذه المشاركة المقررة.

فالقضاء العسكري يتسم بالسرعة والحسم وهذه القضية ظلت أوراقها في حوزته ۱۳ شهرًا وقد تزيد.

ولعل البعض يجد سببًا آخر هو أن معظم هؤلاء الذين يقفون في قفص الاتهام الظالم قيادات نقابية وشعبية كان يمكن أن يكونوا مرشحين محتملين في الانتخابات، وقد يراود البعض منهم أمل الترشح فيسبب صداعًا للحكومة هي في غنى عنه، وقد سبق في القضية المماثلة عام ۱۹۹٥م أن استخرج عدد من الإخوان المحاكمين أوراقهم للترشح لمجلس الشعب آنذاك، ثم صدرت الأحكام لتحرمهم حق الترشح.

2- الاعتقالات المتصاعدة: تزايدت حدة الحملات البوليسية في اعتقال كوادر وعناصر الإخوان المسلمين بصورة لم يسبق لها مثيل منذ انتخابات ١٩٩٥م التي وصل عدد المعتقلين خلالها أكثر من ۱۳۰۰ أخ ولكنهم كانوا يعتقلون مع بدء الانتخابات لمدد محدودة حتى تنتهي الانتخابات «لا تزيد على شهرين» أما الآن فقد وصل عدد المعتقلين أكثر من ٧٥٠ شخصًا ولما تبدأ الانتخابات، منهم أكثر من ٣٠٠ خلف الأسوار من معظم محافظات مصر، وهم من العناصر الفاعلة التي اكتسبت خبرة في الانتخابات السابقة مما يؤثر في فاعلية حملات الإخوان الانتخابية بصورة كبيرة.

3- تهديد المرشحين: قام بعض إدارات أمن الدولة في المحافظات ذات الحساسية الخاصة باستدعاء من تتوقع قيامه بالترشح أو مسؤول الإخوان وحملته رسالة تهديد واضحة تطلب عدم الترشح في الانتخابات، بل وصل الأمر إلى اعتقال بعض من تتوقع الأجهزة ترشحه وأكثر من ذلك قامت باعتقال ذوي بعض المرشحين كابن الدكتور محمد مرسي «أستاذ بكلية هندسة الزقازيق ومرشح للإخوان بها» الطالب بكلية الطب وشقيقي مرشحين آخرين بالمحافظة نفسها.

4- المحاربة في الأرزاق: قام محافظ المنوفية في وسط الدلتا بإصدار قرار بإغلاق ۱۰ مؤسسات اقتصادية خاصة بأفراد من الإخوان لمدة شهر مما يترتب عليه خسائر فادحة لتعرض بعض المواد الغذائية للفساد وتشريد أكثر من ٤٠ أسرة من العاملين فضلًا عن الخسائر المترتبة على توقف العمل كما فعل محافظ السويس الأمر نفسه، إذ أغلق منشأة خاصة بمرشح الإخوان طارق خليل.

5- ليلة بدء الترشح: بدأ التحقيق في نيابة أمن الدولة مع المهندس إبراهيم شكري حول علاقة التحالف التي كانت بين حزب العمل والإخوان منذ عام ۱۹۸۷م مما دفع حزب العمل المعارض إلى إعلان مقاطعة الانتخابات الحالية.

تبخر الآمال في انتخابات نظيفة:

هذه الإجراءات القمعية تهدم الآمال التي عقدها البعض على تصريحات السيد رئيس الجمهورية لنزاهة الانتخابات وتصور دور جديد للمعارضة السياسية وكذلك على التعديلات القانونية الأخيرة حتى حققت أحد المطالب الرئيسة للمعارضة وهو الإشراف القضائي على الانتخابات.

فمن جهة أحست القيادة السياسية أن إجراءات حصار المعارضة وصلت إلى مدى غير مسبوق وذلك بتجميد حزب العمل «أهم الأحزاب المعارضة وأعلاها صوتًا» وإحالة قياداته إلى نيابة أمن الدولة للتحقيق معهم في تهم تصل عقوبتها إلى الأشغال الشاقة، فبدأت تصدر تلميحات هنا وهناك عن تمثيل أكبر للمعارضة في المجلس المقبل، والتقى الرئيس مبارك قادة ٣ أحزاب معارضة «الوفد- الناصري- والتجمع- اليساري» إلا أن هذا الدور تقلص في تصور أحد كبار المحللين الحكوميين إلى ١٠ مقاعد للوفد و٥ للتجمع أي أن نسبة المعارضة لن تزيد على ٣% من المجلس المقبل.

وبالطبع يستبعد من هذه المعارضة الاتجاه الإسلامي بالكامل فقد أعلن حزب العمل الذي كان يستعد لترشيح أعضائه مستقلين مقاطعته للانتخابات بسبب الإجراءات الحكومية ضده، كما أن تصاعد الإجراءات البوليسية ضد الإخوان توضح أن نية الحكومة مبيته لمنع وصول أحد منهم إلى قاعة المجلس.

لقد جاء حكم المحكمة الدستورية بضرورة تحقيق إشراف قضائي تام على الاقتراع ثم استجابة الرئيس لذلك بإصدار قانون يحقق ذلك الحكم جاء لينعش الآمال في نزاهة الانتخابات، إلا  أن الإدارة البيروقراطية في مصر العتيدة والتي تستجيب فقط للإرادة السياسية الحاكمة نجحت في إفراغ هذا القانون من معظم إيجابياته، فقد تم دمج اللجان الانتخابية لتتقلص من ٤٣ ألف لجنة إلى حوالى ١٢ ألف لجنة مما ينذر بفوضى شديدة يوم الانتخاب وتعذر معرفة أغلب الناخبين لمقار اللجان الجديدة، كما أنه عند الإصرار على أداء الواجب الانتخابي سيكون هناك زحام شديد وتكدس هائل يصرف الناخبين عن إصرارهم ويوهن من عزيمتهم فتقل نسب التصويت وتزداد فرص التدخل الحكومي فضلًا عن أن بقية الضمانات التي تطالب بها المعارضة لاستكمال نزاهة الانتخابات لم تتحقق وفي مقدمتها:

1- أن يكون الإشراف القضائي كاملًا لكل العملية الانتخابية فتوكل الانتخابات من بدايتها إلى نهايتها إلى هيئة قضائية مستقلة.

2- أن يقتصر الإشراف القضائي على أعضاء الهيئة القضائية المستقلة التي لا تخضع للحكومة ولا يزج بالهيئات التي ألحقت بها بينما هي تخضع بصورة أو بأخرى لتدخل الحكومة مثل: هيئة قضايا الدولة، وهي بمثابة محامي الحكومة، والنيابة الإدارية التي تحقق في مخالفات الجهاز الإداري، والنيابة العامة التي تخضع لوزير العدل، «وهم الذين اعتمدت الحكومة عليهم في هذه الانتخابات لتوهم الشعب بالإشراف القضائي».

3- رفع حالة الطوارئ أثناء الانتخابات حيث يتعذر إجراء انتخابات حرة وسط التهديد بالاعتقالات ومصادرة الحريات، وقطع الأرزاق.

4- إصلاح جداول الناخبين وضرورة إثبات الناخب لشخصيته بمستند رسمي، وتوقيعه أمام اسمه لإثبات حضوره أو وضع بصمته مع توقيع القاضي على استمارة الانتخاب بنفسه.

5- تحقيق تكافؤ الفرص في الدعاية الانتخابية من خلال وسائل الإعلام كافة الواسعة الانتشار.

وهكذا يخوض المرشحون المستقلون والمعارضون الانتخابات دون ضمانات حقيقية، بينما يخوض مرشحو الإخوان الانتخابات وهم مهددون بالاعتقال ومحرومون من حق الدعاية ويعتقل أنصارهم في وجبات يومية ليغيبوا خلف الأسوار.

هذه هي مقدمات الانتخابات فماذا عن القوى المشاركة فيها؟

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل