; مصر.. إلى أين؟! .. تأملات في تداعيات ثورة«٢٥ يناير» | مجلة المجتمع

العنوان مصر.. إلى أين؟! .. تأملات في تداعيات ثورة«٢٥ يناير»

الكاتب يواف دي كابوا

تاريخ النشر السبت 26-مارس-2011

مشاهدات 70

نشر في العدد 1945

نشر في الصفحة 38

السبت 26-مارس-2011

  • رغم أن شعلة الثورة انطلقت من تونس إلا أن المستقبل السياسي للعالم العربي سيتقرّر في مصر التي تمارس الآن دورًا حاسمًا.
  • حركات الاحتجاج المدني نجحت تمامًا في إعادة الحياة إلى ثقافة الديمقراطية السياسية التي كادت أن تُنسى..لكنها لم تكن مستعدة للقيام بثورة.
  • «الإخوان» سيعملون بشكل ديمقراطي...ولديهم الكثير من العمل الفكري الذي ينبغي القيام به على مستوى القاعدة الشعبية في المستقبل.

عندما سئل «عبد الباري عطوان»، رئيس تحرير صحيفة «القدس العربي» الصادرة في لندن عن الدروس التي يمكن استخلاصها من أحداث الثورة في مصر، لم يتأخر طويلًا في جوابه، وقال: «أخيرًا لدينا مشروع عربي جديد يجمع الجميع في الشرق الأوسط في وحدة واحدة.. فالدعوة إلى الديمقراطية من ميدان التحرير في القاهرة هي مشروعنا الجديد» ..

لقد طال البحث عما يمكن أن يُسمى مشروع عربي جديد، ومضت أوقات اعتقدت خلالها الشعوب العربية أنها هي التي تقوم بتشكيل مصيرها، وتحدت بريطانيا العظمى ونجحت في تأميم قناة السويس عام ١٩٥٦م، وتحررت الجزائر من الحكم الفرنسي، وكان العرب في طليعة العالم الثالث، وفي طليعة من تحرر ونادى بالتحرر من الاستعمار... ولكن المشروع كان عاجزًا عن إفراز إنسان عربي جديد حر، ويتمتع بالاكتفاء الذاتي. 

والواقع أن الحديث تحت لواء «الناصرية الثورية» كانت له توقعات عالية جدًا، وربما وصلت إلى حد المبالغة، ولكنها لم تدم؛ حيث أرسلتهم هزيمتهم المفاجئة من قبل «إسرائيل» في الخامس من يونيو عام ١٩٦٧م إلى أعماق الاكتئاب الجماعي والارتباك، وأدت في النهاية إلى اللامبالاة وسلبية الجمهور، ومن ثم إلى ما يسمى بالإرهاب العالمي.. وتحول العالم العربي إلى الانقسام، والاستبداد، وفقدان الاستقلال.

أزمة حقيقية

قمة التراجع كان في حرب الخليج الأولى عام ۱۹۹۱م، عندما قاتل العرب دولة عربية هي العراق مع الجيوش الأمريكية، وكانت دولة العراق قد قامت بالاعتداء بل واحتلال دولة عربية أخرى شقيقة هي دولة الكويت.. ومنذ ذلك الحين توالت الهزائم والنكبات على العرب، وأحس المواطن العربي ولاسيما الفلسطيني بخيبة أمل شديدة، وخصوصًا فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية. 

وليس عجيبًا أن نرى الوصف السائد لهذه الفترة عند معظم العرب هو الأزمة؛ حيث كان العرب يعيشون في أزمة حقيقية.. وهذا المصطلح نجده على أغلفة المئات من الكتب العربية المطبوعة والمحملة على شبكة الإنترنت.

وفي السنوات الأخيرة، وخصوصًا في مصر، أعتقد أن الأيام الخوالي من التفاؤل الجماعي في الذاكرة البعيدة على مدى ثلاثة عقود بين عامي ١٩٢٣ و ١٩٥٢م، عندما قادت مصر المنطقة ثقافيًا وفكريًا وسياسيًا، وكانت الديمقراطية العربية الأكبر والأكثر حيوية.. أعتقد أنها قد طواها النسيان، ويبدو أن الأمر لا يزال كذلك حتى الآن. 

ورغم أن شعلة الثورة انطلقت من تونس إلا أن المستقبل السياسي للعالم العربي سيتقرر في مصر التي تمارس الآن دورًا حاسمًا، وخصوصًا الآن؛ لأن العراق منافسها الرئيس على الهيمنة الإقليمية يكافح من أجل البقاء موحدًا. 

ولكن، كيف ستكون صورة مصر التي ستنبثق من أسابيع الثورة الثلاثة؟ وما الذي ستفعله معارضة ممزقة لا تفكر إلا في إزالة النظام الدكتاتوري؟ وهل سيشارك الإخوان المسلمون في الممارسة الديمقراطية؟ وهل نتوقع أن تكون هناك «ثورة مضادة» من مؤيدي النظام في الأجهزة الأمنية الواسعة؟ 

كما في كل اللحظات الثورية، يذهب الكثير أدراج الرياح.. فبعد ثمانية عشر يومًا شاقة ومبهجة من المظاهرات، استغرق الأمر نائب الرئيس «عمر سليمان» بالضبط عشرين ثانية في بث رسالة تلفزيونية لإعلان تنحي «مبارك»، وكان سقوط الدكتاتور هو الأسرع والأكثر والأخزى.

ومع أن «مبارك» قد ولى فإن هذا لا يعني أن شبكة نظامه قد انهارت، والجيش في القلب منها، وهو يمثل أكبر قطاع اقتصادي في البلاد، وعلى استعداد لحل نفسه طواعية.. وهيكل القمع لا يزال قائمًا من الناحية القانونية، وعلى المستويين الاقتصادي والسياسي، وفي أذهان الناس... ومئات الآلاف من المصريين تخدم هذا الهيكل وتستفيد منه.

وهذه الفئة من الطبقة المتوسطة من صنع الدولة وموالية لها، ولديها الكثير لتخسره؛ لأن كثيرًا من أعضائها في الشرطة والجيش والأجهزة الأمنية المختلفة.. وكما قال مواطن من الطبقة المتوسطة التي تربت واستفادت من النظام في مقابلة تلفزيونية: «لماذا يجب أن أتخلى عن بلدي لحفنة من الناس الذين اجتمعوا على موقع «فيسبوك»؟

مفهوم الديمقراطية: والمعارضة لیست-بالطبع-هؤلاء الذين يتقابلون في العالم الافتراضي على شبكة الإنترنت، رغم أنها حققت أفضل استخدام ممكن ومتوقع منها.. فهناك على الأقل، ومنذ عام ٢٠٠٤م تحالف غير رسمي من النقابات العمالية ومنظمات حقوق الإنسان، وحركة« 6 أبريل» المتضامنة مع العمال والحركة المصرية من أجل التغيير(كفاية)، وحزب الغد، وجماعة الإخوان المسلمين، وكذلك الجماعات القائمة على شبكة الإنترنت التي تدعم المنظمات المدنية وتوسع الفجوة بين النظام الحاكم والشعب.

وهذه الحركات نجحت تمامًا في إعادة الحياة إلى ثقافة الديمقراطية السياسية التي كادت أن تنسى، ولكنها لم تكن مستعدة للقيام بثورة، كما أنها لم تكن قد استعدت لهذا اليوم بعد.. وبالتالي، لم يكن هناك جدول أعمال مشترك ولا معنى واضح لمفهوم الديمقراطية المصرية وكيف ستبدو في نهاية المطاف؟

وهذا الغموض يرى بصفة خاصة في موقف جماعة الإخوان المسلمين، وهو ليس نتيجة إستراتيجية خاصة بالجماعة، لكنه يرجع إلى حقيقة أنهم تحت ضغوط نظام «مبارك» كانوا يعملون-في المقام الأول-كشبكة خيرية واسعة.. وخوفًا من القمع، لم تكن هناك مناقشات مفتوحة.

وإذا كان الإخوان سيعملون بشكل ديمقراطي، فإن لديهم الكثير من العمل الفكري الذي لا بد أن يقوموا به على مستوى القاعدة الشعبية في المستقبل... والدستور الحالي يحظر تأسيس الأحزاب ودخول الانتخابات على أساس ديني، وهذه المادة المضادة للإخوان سوف تكون في مركز المفاوضات في مرحلة ما بعد «مبارك» بشأن العلاقة بين الدين والدولة.. ومن المرجح أن يكون الجانب الأكثر تحديًا في المرحلة الانتقالية، وهو واحد من الموضوعات التي ستحظى بأهمية كبيرة وتأثير أكبر على بقية دول المنطقة.

مرونة العسكر

وأخيرًا، فقد ترك المصريون الآن مع الجيش... ومعلوم أن آخر مرة انخرط فيها الجيش في السياسة كانت في يوليو عام ١٩٥٢م. إلا أنه أخفق في العودة إلى الثكنات كما وعد.

وقد تسببت الهزيمة المؤلمة عام ١٩٦٧م في أزمة وطنية كبرى أدت إلى إعادة الجيش مرة أخرى إلى مؤسسة غير مسيسة، ورغم ذلك، فإن كثيرًا من المصريين اليساريين بصفة خاصة يقولون: إنهم-إن استطاعوا سيبقون في«ميدان التحرير» حتى يسلم الجيش السلطة إلى حكومة منتخبة ديمقراطيًا.. وحتى الآن، قدم الجيش نفسه بنجاح كمؤسسة محايدة. 

اللعبة قد انتهت الآن، وفي الأشهر القادمة سوف يتم التفاوض من أجل تحديد طبيعة العلاقة بين السلطة الجديدة والمعارضة، ووضع دستور جديد للبلاد، أو على أقل تقدير دستور معدل بشكل كبير. 

وسيبذل قادة الجيش أقصى جهودهم لإنقاذ ما في وسعهم من هياكل النظام السابق، وهذا يدعونا إلى التساؤل: كيف ستكون مرونة العسكر بالنظر إلى إدارة شركات البناء ومصانع تعبئة المياه وسلاسل الفنادق وغيرها، وهي في الواقع مترعة بالفساد الحكومي المستفحل لنظام «مبارك»؟ هل سيقطعون جزءًا من لحومهم من أجل الديمقراطية؟ وهل سيدعمون التحقيقات ضد الفساد حتى لو وصلت الى صفوفهم؟ 

كلما بدأت الاحتفالات بالنصر في التراجع، زاد المصريون من الضغط للحصول على إجابات.. فإذا كان رد الجيش صريحًا وإيجابيًا، كما يقول «عبد الباري عطوان»، فإن تطلعات وآمال العرب في التوصل إلى مشروع عربي ديمقراطي جديد ستكون قد وجدت الحامي والداعم لها ..

الرابط المختصر :