; مصر في مصيدة التجويع الأمريكية | مجلة المجتمع

العنوان مصر في مصيدة التجويع الأمريكية

الكاتب مراسلو المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 20-أكتوبر-1987

مشاهدات 94

نشر في العدد 839

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 20-أكتوبر-1987

من أجل مصر.. سداد ديون مصر.. مساهمة المغتربين لبناء مصر.

أمريكا تقول: لن نخضع مصر بقوة السلاح، ولكن سنخضعها بالتجويع.

لو تدفق على مصر أضعاف المليارات المتدفقة الآن لن نرى سوى المزيد من الجوع الخاضع تحت أقدام أمريكا.

هذا هو محور الحديث الآن... وهو على أفواه الجميع، وفي جميع وسائل الإعلام.. وكذلك الندوات التي تعقد عشوائيًّا بين الجميع وخصوصًا المصربين في الخارج على الأقل.

بعض الناس متفائل... وبعضهم متشائم.. وبعضهم الصورة أمامه غير واضحة.. والمهم ماذا يدور في هذه اللقاءات... ولنا في هذا الموضوع وقفة... قد تغضب البعض... وقد يثور بعضهم؛ لأننا نستعرض مشاكل مصر على الملأ... ونقول ما لا يريد أحد قوله... أو يستحي حتى من قوله.

ولكن يا سادة... لستم أكثر لحب مصر منا... ولستم أكثر وطنية منا... ولأن مصر هي وحدها الأمل رضي الجميع أم أبوا... إذا وقفت... وقفوا.... وإذا سقطت لا قدر الله سقطوا «وهذا‏ ما ردده الجميع ويرددوه».

فمن هذا المنطلق نتحدث على الملأ، ولا نخجل من كشف جراحنا؛ لأننا نضع أيدينا عليها.. ولا نشهر بأحد.

وقبل البداية.

يحضرني الآن أمران...

الأول: أتذكر حديثًا بيني وبين والدي عليه رحمة الله، وكنت صبيًا ينفعل بعواطفه مع الأحداث ... وقد طلبت إليه الموافقة على الهجرة خارج مصر... فقال لي متعجبًا: يا بني، إن مصر أم الدنيا... والعالم كله يتسابق على خيراتها... فكيف تترك أرضك وبلدك وخيراتها للخواجات يستنزفون خيراتها... أتتركها لهم لقمة سائغة، هكذا كان أهل مصر.... يروها مفعمة بالخير... والبركة.

والثاني: عندما كنا نخرج صبيانًا نحتفل بالمحمل، «أتذكرونه يا سادة وأعلم أن الأجيال الحاضرة لا تعلم عنه شيئًا»، وهو يحمل كسوة الكعبة الشريفة من أرض النيل.. مصطحبًا مع الحملة الخير بكل أنواعه لأشقائنا في الجزيرة... في احتفال شعبي بهيج... والجميع في سرور وفرح للخير... والبركة التي ستعم الجميع؛ لأنها من عطاء الله وحده، وليس لأحد فضل فيها، والآن يا سادة... أرض النيل.. أرض الخير.. جفت على أيديكم... ولفظت أبناءها... خارجها..

وأصبحت صحراء السعودية... بفضل الجهود... والمثابرة وإرادة الإنسان الذي يريد... بعد توفيق الله له، تهب لمصر من فائض إنتاجها من القمح ‎٢٢٥‏ ألف طن، والله يا سادة ليس حسدًا، وبارك الله هم في أموالهم وعطائهم... وأرضهم.. وجهودهم... وزادهم من فضله... ولكنها المقارنة فقط للعبرة.

بين إنسان أينما يتوجه لا يأتي بخير، وهو كَلٌّ على مصر وأهلها، وبين آخر قد تحقق فيه قول الله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (سورة العنكبوت: 69) وأعود للبداية.

- سمع العالم أجمع أثناء العدوان الثلاثي على مصر عام ‎٥٦ أمريكا، وهي تقول لدول العدوان...: أخرجوا من مصر.

لن تخضع مصر بقوة السلاح، ولكن نخضع مصر بالتجويع.

ومنذ عام ‎١٩٥٦‏ إلى عام ‎١٩٨٧‏ ماذا تم من أحداث بين هذه الأعوام، فليقل كل إنسان ما يريد والمحصلة النهائية... أن تتحقق لأمريكا ما تريد وسقطنا في مصيدة التجويع الأمريكية... وخضوعنا الآن لا يخفى على أحد.. شئنا أم أبينا‏، ولن نسمع لأصحاب الأفواه الكاذبة أن تقول غير ما نسمع... ونرى.. والشواهد كثيرة.. والحديث في هذا يدمي القلب.. «هل أذكركم بأحداث الطائرة المصرية المخطوفة من قبل أمريكا».

يا سادة..

قبل أن تطالبونا بمزيد من الأموال... ألا تقدموا كشف حساب عما مضي، أليس من حقنا أن نطالب بذلك، وحتى نكون منصفين.

سنفصل الأموال الخاصة بالتسليح والقوات المسلحة عن الأموال التي أخذت باسم التنمية الاقتصادية... أيمكن يا سادة، أم سنسمع قولكم... ليس هذا وقته أنقذوا مصر أولًا، «ثم بعد ذلك يأتي الحساب... الذي لن يأتي على أيديكم أبدًا».

وتشدو الأفواه بمصر وحب مصر.. وإن فعلكم هذا ليس من الوطنية في شيء.

لا يا سادة:

إن المشكلة ليست في قلة الأموال المتدفقة على مصر.. لا.. وأقسم أنه لو تدفق على مصر أضعاف أضعاف هذه المليارات المتدفقة إلا إننا... لن نرى... سوى المزيد من الجوع الخاضع تحت أقدام أمريكا.

لأننا ببساطة شديدة نصب الأموال «في قربة مخرومة» كما يقول المثل العامي عندنا في مصر.. وحتى أبين ذلك أسئلة كثيرة... لا أجد لها إجابة.. وعلى سبيل المثال لا الحصر.

‎١-‏ هل أموال مصر.. وسياستها الاقتصادية ‏كانت وما زالت حقًّا.. في أيد أمينة...؟؟ وإن كانت هي الآن كذلك.. فهل لها مطلق الحرية في التصرف وإنفاذ القرارات...؟؟‏ وإلا كيف؟

أ- تم‏ تهريب أكثر من ‎٨٠‏ مليار جنيه خارج مصر وباعتراف شخصيات مسؤولة.. وهذه أقل التقديرات للأموال المهربة.

‏ب- هل صحيح يا سادة أن القروض التي تعطى لمصر يشترط فيها المقرض أن يفرض علينا أبناء بلده للقيام بالدراسة والإشراف على التنفيذ؟ لمشاريع القرض مما يفقدنا 40%‏ من قيمة القرض قبل وصوله؛ نظير الدراسة والإشراف على التنفيذ، ونتبين فيما بعد أن هذه المشاريع نفذت على الوجه الأكمل... قمة في التنفيذ... والأداء... لا تدانيها قمة.. وما مشروع مجاري الإسكندرية منا أو منكم ببعيد.. بلغت قمة الأداء إن وجد المصطافون عل طول الشاطئ فضلات المجاري دون معالجة، وكما هي.. وكان اللون الغالب للمياه في كثير من الناطق يميل للصفرة... ولم يكن هذا خافيًا على أحد رغم تصريحات المسؤولين بالإسكندرية بتكذيب ما يشاهده الناس بمياه البحر.

وكانت القاهرة تروي ما يقارب مساحة ‏الـــ‎٢٥‏ ألف فدان من المياه المعالجة.. ومزرعة ‏الجبل الأصفر كانت خير شاهد على ذلك.

‏جـ- كيف تناقصت الرقعة الزراعية في ‏مصر... هذا النقص الرهيب مع الزيادة الكبيرة جدًّا في تعداد السكان... كيف؟

‏وهل محاولة تدارك هذا الأمر الآن.. يتناسب مع ما هو مطلوب فعلًا؟.. ومع الخطر الذي يجثم على أرض مصر الآن؟؟!! كنا نرى العجب.

‏رقعة زراعية نقوم بإنشاء المباني عليها لأي سبب كان، ثم نغدق الأموال على أرض صحراء لتصبح زراعية.. والآفة بينهما أمتار.. في بعض المناطق أهذا منطق؟

‏د- يا سادة نريد أن نعرف كم بلغت ميزانية مترو الأنفاق، وكم هي ميزانية استصلاح الأراضي؟

‏وأيها الأهم حل أزمة المواصلات.. أم أزمة الجوع.. أم ستتهموننا بالجهل وعدم الدراية؟

ه- كيف وما زلنا نترك الطمي خلف السد العالي، وقد علم الجميع أن نسبة تراكم الطمي أكبر بكثير مما قدر لها أثناء دراسة وتنفيذ بناء السد.. مما ترتب عليه بالتالي قلة مخزون المياه.. فهل عجزنا.. أو عجز مهندسونا عن إيجاد حل لهذه المشكلة.

‏وهذه الكفاءة المصرية لا تخفى على أحد وعلى رؤوس الأشهاد في جميع أنحاء العالم.

و‏- الأيدي العاملة التي لا تحصى.. وتأخذ أجرها فعلًا موجودة والطمي موجود... والمياه موجودة وخصوصًا المياه الجوفية وبكثرة وطبقًا لتصريحاتكم. وبالصحراء الغربية وحدها ‎٢٧‏ ‏مليار متر مكعب، كما صرح بذلك الأستاذ الدكتور عبد العزيز سليمان «القبس السبت 26/9/87»‏ وفي سيناء... محاولات إسرائيل لسرقة المياه الجوفية فيها لا تخفى على أحد «ولو لم تكن مياه سيناء بكميات كبيرة تساوي الجهد المبذول لسرقته ما بذلته إسرائيل».

عجبًا.. يا سادة كل هذا موجود ولا نحاول.. حتى حث هؤلاء العاطلين ألا يكونوا عالة على الدولة... ويزرعوا طعامهم. وهذا أضعف الجهد.. وإن كانت هناك محاولات... فكم يا ترى حجمها؟

ز- إذا استعرضنا خريطة مصر... ساحل البحر الأحمر... ساحل المتوسط.. النيل... البحيرات المالحة ... بحيرة السد العالي... هذه المساحات الكبيرة من المياه عندنا، ولكننا نفتقد السمك... «جعانين سمك» ... كيف لست أدري وخبراؤنا يا سادة... يقولون: لو استغل البحر الأحمر فقط سيدر دخلًا قوميًّا لمصر يعادل ‎٥٠‏ مليون جنيه سنويًّا، وسيصبح كيلو السمك في حده الأقصى ‎٥٠‏ قرشًا مع المبالغة، فلماذا نقف مكتوفي الأيدي حيال ذلك؟

‏وتوهموا الشعب أن السمك الموجود.. هو السمك الروسي حتى هذا أصبحنا نستجديه!!!...‏ وأين هو سمكنا إذًا؟!!!

2- أليس عجيبًا يا سادة عندما يطالب رئيس الدولة خبراء الاقتصاد المصري.. بوضع خطة للتنمية الاقتصادية لمصر.. ويضعوها في عشرين عامًا... ويرفض إلا أن تكون الخطة في عشر سنوات... ويقولون ‎١٨‏ سنة يقول ‎١٠‏ يقولون 15... ‏يقول: لا، ‎١٠‏ فيقولون: عاجزين أمام تصلب رأيه... أمرك عشرة..

ويفتخر هو بذلك في خطاب عام... وأمام العالم كله، ويصفق البلهاء طربًا... ويتمايلون إعجابًا به... وبإصراره وتدخله.. في غير تخصصه.. وفيما يعلم.. وما لا يعلم، وتكون المأساة.

ألا تنفذ الخطة أصلًا.. لا في ‎١٠‏ سنوات، أو ‎١٥‏، أو ‎١٨‏، أو حتى ‎٢٠‏ سنةً.

‏ومرور السنين العجاف خير شاهد على حديثي، إنني لا أهاجم أحدًا.. ولكني أُنعي إليكم تداخل الاختصاصات، ولأنه وبجرة قلم أصبح الضباط... المبعدون عن القوات المسلحة رؤساء مجالس إدارات.. في معظم شركات القطاع العام والخاص.. بعد تأميم الدولة لها... ولم يجرؤ أحد على معارضتهم.

‏فقد أصبحوا ملوك الاقتصاد والمال والتنمية في مصر... فجأة... وغادرها ما يعادل ‎٣‏ مليون ‏مصري، وانهار اقتصاد مصر.

وسقطنا في مصيدة التجويع الأمريكية، علمنا بذلك أم لم نعلم.

ألم يحدث ذلك... يا سادة.. أم إنني أفتري عليكم كذبًا...

وخلال السنوات العجاف تغيرت بعض الوجوه.. ولكن لم تتغير الأجهزة المنفذة لذلك كله.

هي. هي.. التي انهار الاقتصاد على يديها وما زال، والآن يطالبون المغتربين بمزيد من الأموال، ويحملونهم مسؤولية بناء اقتصاد مصر.

فماذا فعل المغتربون لمصر حتى الآن؟.. لهذا حديث آخر.

المصري أفندي

الرابط المختصر :