; مصر في دائرة الاستهداف.. المعونة الأمريكية سلاح تقسيم الشرق الأوسط دينيًّا | مجلة المجتمع

العنوان مصر في دائرة الاستهداف.. المعونة الأمريكية سلاح تقسيم الشرق الأوسط دينيًّا

الكاتب محمد جمال عرفة

تاريخ النشر السبت 01-سبتمبر-2007

مشاهدات 79

نشر في العدد 1767

نشر في الصفحة 30

السبت 01-سبتمبر-2007

 سياسة «فرق تسد» نجحت في دارفور بالتفرقة بين المسلمين العرب والمسلمين الأفارقة... والآن يخصصون 50% من المعونة الأمريكية لأقباط مصر.

 المجلس القبطي الأمريكي يصف الخطط الأمريكية بأنها نصر قبطي في مشروع قانون المعونة!

 أقباط مصر: نرفض تخصيص معونة للأقباط فقط.. وهدف أمريكا «فرق تسد».

 جمال أسعد عبد الملاك: التمييز الطائفي في توجيه المعونة تدخل سياسي في شؤون مصر.

 مساعد مدير هيئة المعونة الأمريكية: مشروعات هيئة المعونة في الصحة والتعليم والبنية التحتية وتنمية المجتمع المدني تعمل في المناطق ذات الكثافة السكانية المسيحية في

 القاهرة والإسكندرية والصعيد.

يبدو أن الإستراتيجية الأمريكية الجديدة للتعامل مع العالم العربي والإسلامي بدأت تنتهج أساليب «جديدة - قديمة» هي -في الأصل- سياسة حليفتها الاستعمارية بريطانيا العظمى، وهي سياسة «فرق تسد» عبر اختلاق المشكلات بين الأقليات الدينية والعرقية، ضمن نظرية الفوضى الخلاقة، في أكثر من دولة عربية تسعى واشنطن للسيطرة عليها وإخضاع حكومتها تارة بالتحريض وأخرى بالمال.

هذه السياسة ظهرت بوضوح في دارفور السودانية التي يشكل المسلمون فيها نسبة 99 أو 100٪، وعندما لم يجدوا ما يفرقون به بين المسلمين هنا لجأوا لإثارة مزاعم الصراع العنصري، بين السودانيين من أصول عربية وإخوانهم من أصول إفريقية ونجحوا في اختراق دارفور بدعوى التدخل الإنساني، ويسعون الآن لإيجاد موطئ قدم عسكري – عبر قوات دولية – تمهيدًا للخطوة التالية على طريق تفتيت السودان.

وثائق الفتنة

أما السياسة الجديدة باتجاه تأجيج الفتنة واستقواء الأقلية القبطية في مصر، فقد ظهرت بوضوح في وثيقتين واحدة صادرة عن الكونجرس، والثانية عن مركز أبحاث أمريكي متصل بالإدارة الأمريكية في غضون أسبوع واحد نهاية يوليو الماضي، تؤكدان تخصيص 50٪ من المعونة الأمريكية لمصر للمناطق السكنية ذات الأغلبية القبطية (الأقباط قرابة 10% من السكان).

ففي 30/7/2007م أكدت وثيقة صادرة عن الكونجرس الأمريكي أن الولايات المتحدة خصصت جزءًا من معونتها السنوية لمصر لتطوير الأقلية القبطية المسيحية... ونصت هذه الوثيقة - الأولى - على ضرورة إنفاق ما لا يقل عن 50% من المساعدات الأمريكية غير العسكرية لمصر على المنظمات غير الحكومية (ومنها مسيحية) بشكل مباشر دون المرور بالحكومة، وفقًا لقانون المخصصات الأمريكية في الكونجرس.

وفي 2 أغسطس 2007م، قدّم أحد المراكز البحثية التابعة للكونجرس الأمريكي تقريرًا يقترح تخصيص جزء من المعونة الأمريكية لمصر لصالح الأقباط، مشيرًا إلى أنه على الرغم من أن هيئة المعونة الأمريكية لا تستهدف دعم ديانة أو أقلية بعينها في مصر، فإنها أفادت الأقباط المصريين من خلال تمويلها المنظمات القبطية غير الحكومية.

وأكد التقرير – الوثيقة الثانية – أن المعونة الأمريكية تعمل مع الأقباط ومدينتي القاهرة والإسكندرية بشكل خاص، ولكنها زعمت أن برامجها تسهم في «زيادة التفاهم» بين المسلمين والمسيحيين في مصر، كما حثت على إنشاء منظمة تعمل على مراقبة التسامح الديني في مصر بأموال المعونة الأمريكية.

وقبل هذا – وبالتحديد في 17 مايو 2006م – كانت وثيقة ثالثة مفصلة أخرى كشفت أن واشنطن غيرت في السنوات الأخيرة الماضية هيكل المعونة المدنية لمصر لتركز بشكل غير مسبوق على «المناطق السكنية التي يمثل الأقباط فيها نسبة كبيرة»، وعلى ما أسمته الوثيقة «تقوية» منظمات غير حكومية مسيحية قبطية منها ما يقوم «بمراقبة التسامح الديني»! 

وتعتبر الوثيقة الصادرة عن الكونجرس أحدث وثيقة تفصل السياسة الأمريكية فيما يتعلق بالمعونة في مصر، خصوصًا أنها تتحدث عن توزيع المعونة لعام 2008م، فهي وثيقة صادرة عن خدمة أبحاث الكونجرس (CRS) الذراع البحثية لأعضاء الكونجرس وهي الهيئة التي يستعينون بها في توثيق قراراتهم، حيث تناقش الوثيقة مجمل المعونات الأمريكية للعالم العربي وإسرائيل من خمسينيات القرن الماضي وحتى الآن، ووزعها مركز الصحافة الأجنبية التابع لوزارة الخارجية الأمريكية على الصحفيين مساء الاثنين 20/7/2007م. 

وجاء في هذه الوثيقة أن صانعي القوانين الأمريكية (الكونجرس) قدموا تعليمات لوزارة الخارجية تطالب بأن تمول برامج المشاركة المدنية وحقوق الإنسان في الجالية القبطية المسيحية، بيد أن الوثيقة لم تتطرق لكيفية إنفاق جزء من المساعدات الأمريكية على أماكن تجمع الأقباط المصريين، ولكنها نصت على ضرورة إنفاق ما لا يقل عن 50% من المساعدات الأمريكية غير العسكرية لمصر على المنظمات غير الحكومية بشكل مباشر دون المرور بالحكومة المصرية، وفقًا لقانون المخصصات الأمريكية في الكونجرس.

ولم تكن وثيقة الكونجرس المعلنة مفاجئة؛ إذ سبقها إقرار مسؤول بارز في هيئة المعونة الأمريكية بأن واشنطن غيرت في السنوات الأخيرة هيكل المعونة المدنية المقدمة لمصر لتركز بشكل غير مسبوق على المناطق السكنية ذات الأغلبية القبطية وعلى ما أسماه «تقوية» منظمات غير حكومية قبطية، منها ما يقوم «بمراقبة التسامح الديني».

حيث أكد «جيمس كوندر»، مساعد مدير هيئة المعونة الأمريكية لشؤون آسيا والشرق الأدنى في تقريره إلى اللجنة الفرعية لشؤون الشرق الأوسط المتفرعة عن لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب أن «مشروعات هيئة المعونة الأمريكية في الصحة والتعليم والبنية التحتية وتنمية المجتمع المدني تعمل الآن في كل منطقة ذات نسبة سكانية قبطية كبيرة، وبشكل أساسي في جنوب مصر وفي مدن مثل القاهرة والإسكندرية».

وعن نواحي الإنفاق أوضح مسؤول المعونة أن «نسبة التمويل المخصصة للقرى ذات النسبة السكانية القبطية الكبيرة تحت برامج معالجة المياه قد زادت، وبلغت وحدها 200 مليون دولار خلال السنوات الخمس الماضية، وأن الحكومة الأمريكية قدمت أيضًا تمويلًا كبيرًا لتجديد أماكن مسيحية مقدسة وأثرية لها قيمة تاريخية وسياحية عالية بقيمة 12 مليون دولار، من بينها الكنيسة المعلقة، وكنيسة القديس جورج (جرجس)، وكنيسة الأب سيرجيوس، وأماكن قبطية مقدسة أخرى في القاهرة القبطية».

وكشفت الوثيقة أيضًا عن وجود تمويل أمريكي مباشر يقدر بـ 202 مليون دولار -أي لا يمر عبر الحكومة المصرية- لعشرات المنظمات القبطية غير الحكومية خلال السنوات الست الماضية.

والغريب أن أقباطًا في المهجر هللوا لهذا التدخل الأمريكي الذي يستهدف ترسيخ الفتنة الطائفية، فوصف موقع «كوبتك أسمبلي أوف أمريكا» على الإنترنت -أو «المجلس القبطي في أمريكا» – وصف الخطط الأمريكية في هذا الصدد بأنها نصر قبطي في مشروع قانون المعونة!

مشروع المعونة الأمريكية في 2008

وأورد المجلس القبطي تفاصيل نص التقرير الخاص بمشروع قانون المعونة الأمريكية لسنة 2008 الخاص بمصر الذي يعطي اهتمامًا خاصًا من قبل مجلس النواب الأمريكي بمشاكل الأقباط، مؤكدًا أن التقرير يضمن شرطين غاية في الأهمية لأهدافنا، فصفحة 71 من تقرير الكونجرس تنص على الآتي:

1- الحريات الدينية في مصر، تبقى اللجنة مهتمة بالمشاكل التي يواجهها مجتمع الأقباط المسيحيين المصريين، وتعتقد اللجنة أن الحكومة المصرية يجب أن تبذل كل شيء ممكن من أجل توفير فرص عمل وتعليم عادلة للأقباط.

وأيضًا تقوم اللجنة بتوجيه وزارة الخارجية الأمريكية إلى دعم البرامج التي تساعد على تقدم المشاركة المدنية وحقوق الإنسان في المجتمعات القبطية.

2- تضمن توصيات اللجنة 415 مليون دولار للبرامج في مصر، وهو المبلغ المقدم في الطلب. وضمن المبلغ المقدم لدعم البرامج المختلفة توصي اللجنة بأن يخصص مبلغ لا يقل عن 50 مليون دولار لدعم برامج حقوق الإنسان والديمقراطية، ومبلغ 50 مليون دولار تخصص للبرامج التعليمية.

وتوصي اللجنة بتوزيع 50% من المبلغ المخصص لتحسين الديمقراطية والحكومة وحقوق الإنسان عن طريق منظمات غير حكومية من أجل دعم التنظيمات الاجتماعية المدنية المصرية وتحسين مقدرتها على تقديم ورقابة حقوق الإنسان.

ويؤكد تقرير كوبتك أسمبلي أوف أمريكا أن هذه أول مرة يذكر فيها الأقباط في نص تقرير مشروع قانون المعونة.

أقباط مصر يرفضون

ولأن الخطط الأمريكية تبدو خبيثة وتعطي انطباعًا بوجود تنسيق قبطي أمريكي إزاءها، فقد رفض قادة الطوائف المسيحية في مصر تخصيص أي جزء لصالحهم من المعونة الأمريكية المخصصة لبلادهم، وحذروا من أخطار هذه السياسة على وحدة الأقباط والمسلمين في مصر. 

وكان أكثر من شن هجومًا ضد هذه التفرقة الدينية في المعونة الأمريكية هو القمص مرقص عزيز كاهن الكنيسة المعلقة الذي أكد أن الولايات المتحدة بهذا التوجه تثبت أنها لا تريد خيرًا لمصر، وإنما تريد أن تسير على درب كل المستعمرين الذين وفدوا على منطقتنا من قبل وحاولوا اللعب على الوتر الطائفي.

موقف الكنائس الرسمي فيما شدد الأنبا يوحنا قلتة نائب بطريرك الكاثوليك على أن الغرض الأمريكي وراء هذا التوجه يتفق مع الهدف الإستراتيجي العام الأمريكي في المنطقة الذي يستهدف تقسيم خريطة الشرق الأوسط إلى دويلات من خلال إشعال نار الفتنة الدينية في هذه المناطق الحساسة دينيًّا، حتى تفقد قواها، وهو ما يصب في صالح، إسرائيل التي تستفيد من سياسات اليمين الأمريكي.

وقال الأنبا يوحنا إن ما تسعى إليه الولايات المتحدة يضر الأقباط ولا يفيدهم حيث سينظر إليهم في مجتمعهم نظرة شك وربية، ويمكن أيضًا أن يتم اتهامهم بالعمالة والولاء لأمريكا، وليس لوطنهم وهو أمر عار تمامًا من الصحة، وواشنطن تعلم ذلك جيدًا ويبدو أنها تريد ترسيخ هذه الصورة، حتى يسهل تمزيق شمل الوطن بما يحقق أهدافها.

ويقول جمال أسعد عبد الملاك النائب البرلماني القبطي الأسبق: إن هذا التمييز الطائفي في توجيه المعونة الأمريكية لمصر «يكشف واقعًا سياسيًّا خطيرًا كثيرًا ما نبهنا لخطورته، وهو أن اليد الأمريكية تتدخل بشكل مباشر وسافر في الشؤون المصرية، وتلعب بالعلاقة الإسلامية المسيحية بشكل يتطابق مع الدور الأمريكي في المنطقة، بزعم إعادة تقسيمها على أسس طائفية».

وأكد عبد الملاك أن المقصود بالإعلان عن أموال أمريكية تأتي إلى مصر وتخصص للأقباط بالذات، سواء عن طريق تجديد كنائسهم أو من خلال رصد أموال لمواقع يوجد بها أغلبية قبطية، توجيه رسالة أمريكية للأقباط مفادها أن أمريكا معهم وأنها تساعدهم في مواجهة الاضطهاد المزعوم. 

كما رفض هذا التوجه الأمريكي الدكتور القس إكرام لمعي مسؤول الإعلام بالكنيسة الإنجيلية، قائلًا: «نرفض هذه الأقاويل بصورة واضحة؛ لأنها تذكرنا بما حدث قديما بعد انهيار الدولة العثمانية وتدخل الدول الكبرى في مصر، بحجة حماية الأقليات، كما نفى ما يتردد بأن الإنجيليين المصريين سيكونون هم المستفيدون، مؤكدًا أن الفكرة كلها سياسية، وأمريكا تتخذ الدين ذريعة للتدخل السياسي في شؤون الدولة».

أما الأنبا بسنتي أسقف حلوان والمعصرة (جنوب القاهرة) فقد أكد رفضه دخول دولار أمريكي واحد في أموال الكنيسة الأرثوذكسية، مشددًا على أن الكنيسة القبطية كنيسة مصرية مسيحية أرثودكسية، وتاريخها غير قابل للمساومة من أجل حفنة دولارات، وما يقال في الكونجرس مجرد كلام للاستهلاك المحلي فقط.

وشدد بسنتي على صعوبة إمكانية سيطرة الكنيسة على الجمعيات الأهلية القبطية أو قدرتها على منعها من تقبل أموال من الخارج، موضحًا أن هذه الجمعيات خاضعة لوزارة الشؤون الاجتماعية والدولة، وغير خاضعة للكنيسة بأي شكل من الأشكال.

الرابط المختصر :