العنوان مصر في حالة مخاض وتحول (۲-۲) .. الفرز الحقيقي للمعارضة المصرية .. وأزمتها الحادة
الكاتب د. عصام العريان
تاريخ النشر السبت 27-نوفمبر-2010
مشاهدات 55
نشر في العدد 1928
نشر في الصفحة 18
السبت 27-نوفمبر-2010
ساهمت جماعة الإخوان في إنعاش الأحزاب التي تحالفت معها خلال انتخابات ١٩٨٤ ثم ١٩٨٧م
... ونجحت عامي ۲۰۰۰ و ۲۰۰۵م في تفعيل المعارضة البرلمانية... ما أريك حسابات النظام ومؤيديه في الخارج
رغم كل الأزمات العسيرة التي تمر بها مصر، ويواجهها شعبها بمختلف فئاته وطوائفه، والتي أشرنا إلى أهمها سابقًا، فإن أخطر ما تتعرض له، وأبرز ما يدل على ذلك، هي حال المعارضة المصرية وتفرقها وتشرذمها .. فقد نجح النظام المصري، عبر آلته الأمنية وإرادته السياسية المزيفة في خلق معارضة رسمية وصل عددها إلى ۲۲ حزبا مرخصا لها، وأغلبها لا يعرفها المواطن المهتم بالشأن السياسي، ولا يحفظ منها إلا أسماء أربعة أو خمسة أحزاب فقط!!
وهذه التعددية الحزبية فشلت تمامًا في إقناع المصريين بالمشاركة في عضويتها أو أنشطتها الضعيفة، والدليل على ذلك هو حصيلة مشاركة تلك الأحزاب في البرلمان المصري منذ نشأته حتى يومنا هذا، ولنا في ذلك ملاحظتان جديرتان بالاهتمام أولاهما: انحسار تمثيل المعارضة الحزبية بعد كل انتخابات حتى وصلت إلى أرقام هزيلة جدًا لا تتجاوز عشرة مقاعد »من أصل ٤٤٤ «، وبالتالي قبلت بعض أحزاب المعارضة بفضيحة التزوير في آخر انتخابات للتجديد النصفي في مجلس الشورى التجمع اليساري والناصري العربي، بجانب قبولها للتعيين في المجلسين منذ عقود؛ تعويضًا عن عدم قدرتها على النجاح بإرادة الشعب.
ثانيتهما: بروز حركات سياسية جديدة خارج الأطر الحزبية التقليدية، ومن غمار التيارات السياسية والفكرية التي تمثلها تلك الأحزاب، خاصة التيار اليساري والتيار الناصري القومي بل حتى التيار الليبرالي مثل حركات: »كفاية»، و«شباب ٦ أبريل«، و »الاشتراكيون الثوريون«، وحركات من أجل التغيير.
الإخوان المسلمون
طبعًا كان الجماعة الإخوان المسلمون ومشاركتها السياسية منذ منتصف الثمانينيات حتى الآن أثر بالغ في تركيبة الحياة السياسية والحزبية في مصر فقد ساهم الإخوان - خلال انتخابات ١٩٨٤م، و ١٩٨٧م - في إنعاش الأحزاب التي تحالفت معها انتخابيًا مثل: الوفد ثم العمل، والأحرار.. وفشل حزب التجمع في الحصول على أي مقعد خلال تلك الفترة.
وعندما غاب الإخوان عن المشهد الانتخابي بالمقاطعة عام ١٩٩٠م، وبالقهر الأمني عام ١٩٩٥م، لم تفلح أحزاب المعارضة في تعويض غياب المعارضة عن مجلس الشعب فكان تمثيل المعارضة هزيلًا جدًا لا يتجاوز ١٥ مقعدًا من كل الأحزاب.
ونجح الإخوان عامي ۲۰۰۰ و ۲۰۰۵ م في إبراز المعارضة من جديد في البرلمان المصري، ما أربك حسابات النظام المصري ومن يؤيده في الخارج حيث ازدادت شرعية الإخوان الواقعية والسياسية والمجتمعية بينما وصلت أحزاب المعارضة الرسمية إلى طريق مسدودة، وزاد من حيرتها أن النظام فرض عليها إجبارًا عدم التنسيق مع الإخوان، وخوفها وأرهبها من مجرد الاقتراب منهم !
وصاحب تلك الفترة، خاصة خلال الأعوام ( ٢٠٠٤ - ۲۰٧م). حراك سياسي شديد وصاحب شهد ولادة مبادرات عديدة للإصلاح، منها مبادرة مرشد الإخوان السابق »محمد مهدي عاكف«، وولادة حركة كفاية.. ثم صحوة القضاة وحركة استقلال القضاء بسبب تزوير المرحلتين الثانية والثالثة في انتخابات ٢٠٠٥م. واليوم، فإن هذه الحال التي تشهدها مصر من تحوّل وحراك سياسي شديد.
تقتضي من المعارضة المصرية كلها - بما فيها الإخوان - وقفة للتأمل والمراجعة وجرد الحسابات.. ودون أي إصلاح حقيقي وتغيير جاد في بنية النظام السياسي وقواعد العمل السياسي، فلن تستطيع المعارضة ولا الشعب تحقيق تقدم أو نهضة أو تنمية بشرية واقتصادية واجتماعية إن الأزمات التي أشرنا إليها من قبل تدل على مدى تدهور أداء المؤسسات الكبرى المهمة التي يعول عليها الوطن والمواطنون في الحفاظ على الأمن الوطني والقومي: مثل: الأزمة مع دول حوض النيل وأزمة فلسطين وإدارة الصراع مع العدو الصهيوني، وأزمة السودان في دارفور وحلايب وشلاتين واستفتاء انفصال الجنوب، بجانب أزمة بدو سيناء التي هي انعكاس لأزمتنا مع العدو الصهيوني.
هذا التدهور في الأداء وضعف الكفاءة هو النتيجة المباشرة للإنسداد السياسي وتقلص الحريات العامة، وانعدام تكافؤ الفرص، وسيادة المحسوبية والوساطة حتى في أخطر الهيئات والمؤسسات.
الهدف وتفعيل الوسائل
والفرز الحقيقي الآن بين صفوف المعارضة المصرية يجب أن يتم بعد تحديد الهدف بدقة شديدة، وهو إجبار النظام المصري على التراجع عن تصليه وعناده والبدء الفوري في حزمة إصلاحات سياسية ودستورية تضمن إنهاء حالة الطوارئ وتوافر ضمانات حقيقية لانتخابات حرة ونزيهة تحقق تمثيلًا للإرادة الشعبية، ومحاسبة جادة للفاسدين والناهبين الثروات مصر والمجرمين في حالات التعذيب والتزوير.
هذا الهدف يمكن تحقيقه إذا لاحظنا التراجع الذي حدث في قضية مقتل خالد سعيد و جزيرة آمون و بدو سيناء... ثم يأتي بعد ذلك تحديد الوسائل التي تسلكها المعارضة لتحقيق هدفها النبيل، والتي ينبغي أن تشمل كل صور الضغط الشعبي السلمي.
أمور مرفوضة
وهنا يجب علينا أن نستحضر دروس التاريخ المعاصر والحديث بحيث تتوقف المعارضة المصرية عن التفكير في أي من الاحتمالات الآتية بل يجب أن تعلن رفضها التام لها.
وهي:
- رفض الاستقواء بالخارج أو استدعاء الأجانب للتدخل في بلادنا تحت أي ذريعة ولأي سبب، وفي العراق وأفغانستان والصومال وباكستان العبرة والعظة.
رفض الثورة والفوضى والإنجرار إلى المجهول عبر التهييج المستمر والإثارة الغوغائية التي قد تدفع مجموعات الغاضبين من العشوائيات والدهماء إلى تحطيم كل شيء.
البعد عن المعارك الجانبية حول البرامج التفصيلية والتصورات الثقافية، أو هدم وحدة المعارضة لأي سبب، بل يجب علينا في ظل تلك الظروف القاسية الإتفاق على القواسم المشتركة والحد الأدنى الذي يحقق وحدة المعارضة ضد الإستبداد والفساد والنهب المنظم لثروات البلاد.
الاتفاق الأساسي بين المعارضة يجب أن يكون حول بناء نظام ديمقراطي سليم. يتيح أكبر قدر من الحريات والمقومات الأساسية للبلاد كي تستعيد مؤسسات الدولة المصرية دورها للحفاظ على مصر موقعًا وكيانًا وريادة للمنطقة، وذلك لن يكون إلا باستعادة المواطن المصري ثقته في نفسه وقدراته لتنمية جادة وحقيقية وإحياء التماسك الاجتماعي بين أبناء مصر جميعًا بمختلف طوائفهم وجهاتهم وأديانهم وثقافتهم.
إنقاذ وطني
المطلوب هو أن يتمسك كل بدينه وعقيدته، فلا إكراه في الدين.. وأن يتسلح الجميع بالتسامح والقسط والبر من أجل العيش المشترك الهادئ.. وأيضًا أن تتفق الفصائل المطالبة بالتغيير جميعها حول القواسم المشتركة والحد الأدنى الذي تسعى إلى تحقيقه.
وفي النهاية، أن يقبل الجميع الاحتكام إلى الشعب في انتخابات دورية حرة ونزيهة بحيث يتحمل الجميع مسؤولية البناء الجاد والتعب الحقيقي الذي سيبدأ إذا حدث التغيير، لأن حجم الدمار الذي أصاب مصر خطير جدًا، يوشك أن يهدد سفينة المجتمع بالغرق، وهو ما يجب ألا تسمح به أبدًا، ثم يقبل الجميع ترك مواقعهم رضا وطواعية إذا صوت الناس ضدهم في الانتخابات الدورية النزيهة.
قد تلزم الظروف المصرية المعارضة بالتشارك حول حكومة إنقاذ وطني، وهنا يجب الاتفاق على برنامج محدد الفترة انتقالية يعود بعدها الجميع إلى صناديق الانتخابات، ولنا في دول الجوار العظة والعبرة.
هذا الاتفاق بين قوى المعارضة ليس المجرد التداول على السلطة، وهو حق لكل القوى السياسية في أي نظام ديمقراطي، بل جوهره العمل على بناء مصر دولة عصرية قوية، مرجعيتها يحددها شعبها.
ونظامها السياسي يحقق آمال أبنائها جميعها، يتحقق فيها السلم الأهلي والتماسك المجتمعي، وتطلق طاقات أفرادها ومواطنيها جميعًا للعمل والإنتاج، وتضمن العدالة الاجتماعية والحد الأدنى من الحياة الكريمة للطبقات المعدمة الفقيرة.
حراك مشهود
وفي مصر اليوم، تشهد الساحة انطلاقة جديدة للجمعية الوطنية للتغيير، وتنشيط قوي لحملة التوقيعات الإلكترونية لبيان د. البرادعي «معا سنغير»، وتتواصل فعاليات الجمعية الوطنية للتغيير، في المحافظات المصرية من مكان إلى مكان ووقفاتها الاحتجاجية ضد التعذيب، وكذلك نشاطًا ل »د محمد البرادعي «نفسه الذي يزور الإخوان وبعض الأحزاب، ويرعى الجمعية الوطنية، ويتحرك من أجل التغيير مدعومًا بمكانته الدولية وقلادة النيل المصرية والتفاف الشباب حوله، ونظرة الناس إليه كرمز أثر العمل والتصدي للاستبداد، بدلًا من القعود أو البقاء في الخارج.
كما تشهد الأحزاب الرسمية الضعيفة حراكًا ضد قبول قياداتها بالتزوير الفاضح والانضواء تحت جناح الحزب الحاكم، بينما يريد حزب الوفد، أن يستعيد مكانته القديمة وتاريخه الطويل بعد انتخاب رئيس جديد له، في تحول ديمقراطي أنعش الآمال في إمكانية تجدد حيوية «الوفد»، وهو متردد بين الأحزاب الضعيفة والنظام الذي يريد ضمه إليه وبين الإخوان المسلمين والجمعية الوطنية للتغيير.
وقد تزايد هذا الحراك في ظل الاستعداد للانتخابات البرلمانية الحالية التي يبدو أنها ستكون أكثر الانتخابات سخونة عندما يصر الجميع على مقاومة التزوير بكل الطرق الممكنة، وهو التحدي الحقيقي لفرض إرادة الشعب المصري على النظام الذي شاخ في مكانه، ويصر على حماية الفساد وتكريس الإستبداد
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل