العنوان مصر.. «تيار» يبني و« تيار» يهدم!
الكاتب مؤمن الهباء
تاريخ النشر السبت 02-مارس-2013
مشاهدات 77
نشر في العدد 2042
نشر في الصفحة 24
السبت 02-مارس-2013
- الإسلاميون يدافعون عن الانتخابات والاستقرار ومؤسسات الدولة .. والعلمانيون يطلبون انقلابًا عسكريًا ويقدمون الغطاء السياسي للعنف
- الآلة الإعلامية القذرة لجأت لدق إسفين بين رئاسة الجمهورية والقوات المسلحة لم يحبطه إلا بيان من المتحدث العسكري وآخر من الرئاسة
عبر كل نافذة تطل منها على مصر سوف ترى صورتين وتسمع صوتين.. وفي كل صحيفة أو مجلة أو قناة فضائية، سوف تقرأ أو تشاهد أناسا يدعون إلى العمل والإنتاج وبناء مؤسسات الدولة، وأناسا آخرين يحرضون ضد أي تحرك للأمام، وإن كان من أجل لقمة العيش وتأمين الاحتياجات الأساسية للمواطنين.
وحتى في المظاهرات والمليونيات الشهيرة سوف ترى فريقا يحتشد بالآلاف من أجل رفض العنف ورفض الفوضى، ثم يفض مظاهرته في سلام وأمان، ويدعو أتباعه إلى تنظيف المكان قبل المغادرة، بينما يدفع فريق آخر ببعض الصبية من المغامرين والمشاغبين وأطفال الشوارع إلى قصر الرئاسة أو مقر وزارة الدفاع أو مقر وزارة الداخلية بزجاجات المولوتوف لإعلان سقوط الدولة. وعلى مستوى الجدل السياسي، ستجد تيارا يسعى بكل همة نحو الحوار السلمي ولم الشمل والتفاهم والتعايش وإجراء الانتخابات والاحتكام إلى الدستور والقانون و احترام إرادة الجماهير الممثلة في صناديق الاقتراع، بينما يصر التيار الآخر على العنف بكل صوره واحتقار القانون والسخرية من الصندوق ورفض الحوار والانسحاب من الانتخابات .. بل وتعمد تصعيد موجات التوتر قبل أي استحقاق دستوري أو انتخابي. وهكذا صارت مصر منقسمة دائماً بين فريقين وتيارين.. تيار إسلامي عريض بكل تنويعاته وألوانه من الإخوان المسلمين والسلفيين والجماعة الإسلامية، وأنصار السنة والجهاد، والوسط، والحضارة.. يقف بكل قوة مع الشرعية واستكمال بناء مؤسسات الدولة التي سقطت مع سقوط نظام «مبارك».. على اعتبار أن أهداف الثورة في الحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية لن تتحقق إلا من خلال قيام الدولة الديمقراطية الحديثة. بينما يتكتل التيار العلماني المتدثر بالمدنية الزائفة من الليبراليين، والناصريين والوفديين، والشيوعيين، وأنصار نظام مبارك في جبهة الإنقاذ الوطني التي يطلق عليها العامة اسم جبهة الخراب الوطني من كثرة ما قدمت من مشاكسات ومناكفات سياسية .. ويقف هذا التيار ضد الانتخابات والدستور والحوار، ويعمل بكل السبل المشروعة وغير المشروعة من أجل تقويض بنيان الدولة المصرية.
ومن المفارقات الكثيرة في المشهد السياسي المصري هذه الأيام، والتي أدهشت المراسلين الأجانب في القاهرة: أن الإسلاميين المتهمين في قناعاتهم الليبرالية والمدنية هم الذين يدافعون في خطابهم السياسي وفي مظاهراتهم عن حرية الرأي والتعددية وقبول الآخر وآليات الديمقراطية، في الوقت الذي يجاهر دعاة الليبرالية بالدعوة إلى إلغاء الانتخابات، وتحريض الجيش للقيام بانقلاب عسكري بادعاء أن الشرعية سقطت أو تأكلت ثم تجاوز كل الخطوط الحمراء بتوفير الغطاء السياسي لجرائم الملثمين من جماعات بلاك بلوك»، و«جرين إيجل» و«الأناركية».. وهي جماعات عنف وإرهاب منظم مرفوضة شعبيا وملاحقة قانونيا . يتحدث الإسلاميون عن ضرورة استكمال مشوار الثورة بطريقها السلمي الذي كان من أهم عوامل نجاحها وتثبيت قواعد العملية الديمقراطية، ويمدون أيديهم للحوار ويبدون استعدادا كبيرا للتفاهم.. بينما يصمم العلمانيون على الزج بالبلاد في أتون الفتن والاضطرابات، ويشجعون على إسقاط النظام الديمقراطي، وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة اتساقا مع مخطط عدم الاستقرار وهروبًا من أي مواجهة حقيقية مع الجمهور أمام الصناديق؛ لأن هذه المواجهة سوف تكشف بالتأكيد عن الأوزان النسبية للطرفين على الأرض.
● دق الأسافين
وقد لجأت الآلة الإعلامية العلمانية أخيرا إلى لعبة قذرة لدق إسفين بين رئاسة الجمهورية والقوات المسلحة بادعاء وجود مخطط رئاسي لإقالة وزير الدفاع القائد العام للقوات المسلحة الفريق عبد الفتاح السيسي على غرار ما حدث من قبل مع المشير محمد حسين طنطاوي، رئيس المجلس العسكري الذي تسلم السلطة من «مبارك» بعد التنحي، ونائبه الفريق سامي عنان رئيس الأركان السابق، ثم نقلت هذه الآلة الرهيبة عن مصدر عسكري مجهول أن الجيش لن يقف مكتوف الأيدي والضباط والجنود لن يسكتوا .
ولم يحبط هذه الفتنة إلا بيان من المتحدث العسكري، يؤكد أن الجيش لا يتعامل مع الشائعات، ويقوم بدوره الوطني الذي يحدده الدستور، بعيدا عن الصراع السياسي وصدور بيان آخر من رئاسة الجمهورية. يحمل الشكر والتقدير لرجال القوات المسلحة وقادتها للجهود الهائلة التي بذلوها في تأمين القمة الإسلامية التي عقدت بالقاهرة وتأمين الاستفتاء على الدستور، وحماية استقرار البلاد.
وتعمدت القوى العلمانية إثارة الشارع المصري بدعايات مغرضة ومكشوفة ضد الإسلاميين مثلما كان يفعل نظام الطاغية مبارك.. فأشاعت قصصاً كاذبة عن تعرض فتيات التحرير لتحرش جنسي على يد شباب ملتح لإجبارهن على عدم المشاركة في المظاهرات والاعتصامات، وذلك رغم أن الشباب الإسلامي امتنع منذ فترة طويلة عن دخول ميدان التحرير تجنباً لأي احتكاكات أو مصادمات مع العناصر فاقدة الهوية التي احتلت التحرير وصادرته لحسابها . وتعمل القوى العلمانية بكل وسائلها الدعائية تساندها آليات الدولة العميقة وفلول نظام مبارك على دعم الانتهاكات اليومية التي تقوم بها الجماعات والمليشيات الشبابية تحت ستار الثورية والمطالب الفئوية والاعتصامات والعصيان المدني.. وكان أبرز هذه الانتهاكات إغلاق مجمع التحرير للخدمات الحكومية، أمام أصحاب المصالح وإغلاق ميدان التحرير أمام حركة المرور وقطع الطرق، وتعطيل حركة مترو الأنفاق وفرض العصيان المدني بالقوة الجبرية على أهالي مدينة بورسعيد وإغلاق المحلات، ومنع دخول أو خروج السيارات حتى ولو كانت سيارات الإسعاف.
لقد حولت القوى العلمانية التي اجتمعت في جبهة الإنقاذ مفهوم المعارضة السياسية إلى صراع سياسي مكشوف يحارب النظام علنا، ويناوئ القرارات، ويشكك في كل إجراء أملاً في إعادة إنتاج ثورة جديدة تمكن للذين لم يأتوا إلى الحكم بإرادة المواطنين أن يأتوا على أسنة الرماح.. ومما يؤسف له أن هناك العديد من المؤسسات الخاضعة لنفوذ فلول نظام «مبارك» تتواطأ مع التيار العلماني في هذا الاتجاه بشكل سافر، وفي المقدمة مؤسسة القضاء التي أقحمت نفسها في المستنقع السياسي، وصارت طرفا في خندق جبهة الإنقاذ..
والواضح من التجارب الكثيرة الماضية أن التيار العلماني يريد السلطة بدون انتخابات وهو لا يتجنب الانتخابات فقط، وإنما يرفضها على طول الخط، وكثيرا ما يسخر منها، رغم زعمه الإيمان الكامل بالديمقراطية.. فعندما فشلت قياداته في الانتخابات الرئاسية وتبين أن جولة الإعادة الحاسمة ستكون بين د. محمد مرسي مرشح الإخوان والثورة والفريق أحمد شفيق مرشح نظام «مبارك». خرجت أصوات شيوعية وناصرية وليبرالية تطالب بإلغاء الانتخابات وتشكيل مجلس رئاسي بديل، ثم هلل التيار ذاته عندما تم حل أول مجلس برلماني منتخب بحرية ونزاهة في تاريخ مصر لأنه كان يضم أغلبية إسلامية رفضاً واستعلاء على الانتخابات والامتثال وعندما دعا الرئيس الاستفتاء الشعب على الدستور الجديد أقاموا الدنيا ولم يقعدوها: لإرادة الشعب.
وها هم اليوم يملؤون الأفق صراحًا وضجيجًا وعويلًا قبيل إجراء الانتخابات البرلمانية للمجلس النيابي الجديد، واستكمال بناء مؤسسات الدولة، وتشكيل أول حكومة دستورية في تاريخ مصر، وها هم يشهرون سلاح المقاطعة على أمل إعاقة مسيرة البناء الديمقراطي، وإطالة فترة المرحلة الانتقالية حتى تظل البلاد غارقة في الفوضى والارتباك، فلربما يكون هذا هو طريقهم الأسهل للانقضاض على السلطة.