العنوان مصر بين قضايا الداخل والخارج
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 24-يناير-2004
مشاهدات 86
نشر في العدد 1586
نشر في الصفحة 32
السبت 24-يناير-2004
■ هل يتم حل مجلس الشعب المصري .. أم «تنام» القضية في دهاليز المحكمة الدستورية لحين انقضاء مدته؟
إلى جانب ما شهدته الساحة السياسية المصرية من غياب المرشد العام للإخوان المسلمين المستشار المأمون الهضيبي يرحمه الله، وتولي الأستاذ محمد مهدي عاكف المسؤولية مكانه - أعانه الله، فقد شهدت الساحة المصرية تطورات مهمة على الساحتين الداخلية والخارجية، ورغم كارثة الطائرة الفرنسية والاحتجاجات النسائية والإسلامية ضد القرار الفرنسي المزمع خروجه بقانون والتي شملت أول مظاهرة ومؤتمر نسائي نظمته لجنة الحريات بنقابة الصحفيين والندوة المقررة للجنة المرأة بنقابة المحامين والمشاركة في اليوم العالمي في 17/1 بالتظاهر أمام السفارات الفرنسية ورغم التطورات في ليبيا وما يجري في السودان وهي الدول التي تحيط بمصر فقد خطفت ثلاث قضايا مهمة الاهتمام.
إعلان الرئيس مبارك عدم وجود نية مطلقًا لتولي نجله جمال السلطة، وارتباط ذلك بالرئيس القادم في مصر ومبدأ توريث السلطة ومدى استمرار السياسات القائمة لفترات جديدة لحظة؟ وهل يواصل الرئيس مبارك لفترة ولاية خامسة أم يترك الموقع لغيره، ومن المرشح الأوفر حظًا؟
الطلب الذي تقدم به رئيس الوزراء عاطف عبيد بتوجيه من الرئيس مبارك إلى المحكمة الدستورية العليا حول مادتين في قانون مجلس الشعب تتعلقان بالانتخابات التكميلية. ويرتبط بذلك شرعية مجلس الشعب ومدى أهليته لاختيار رئيس جديد للولاية القادمة، وهل يتم حله أم يكمل مدته وحقيقة الصراع بين أجنحة الحكم في الحزب الوطني، وهل تتخلى المحكمة الدستورية عن التقاليد الراسخة في أحكامها السابقة بعد أن تم تعيين رئيسيين لها من خارجها ومن الموالين لوزير العدل توفى أحدهما فجاء الآخر الحديث المتكرر عن عودة العلاقات الطبيعية بين مصر وإيران عقب الزيارة التي قام بها الرئيس مبارك المقر الرئيس محمد خاتمي في جنيف أثناء قمة المعلومات العالمية، وعلاقة ذلك بسياسة مصر الخارجية وخاصة في مواجهة السياسة الأمريكية الجديدة التي تستهدف نظم الحكم الحالية، وهل تستقوي مصر بمحور جديد مع إيران تشارك فيه سورية وقد تنضم إليه تركيا وما الذي يعنيه ذلك داخليًا وخارجيًا.
وكل هذه التطورات سيكون لها انعكاس كبير على التوجهات المتعلقة بالحركة الإسلامية في مصر خاصة الإخوان المسلمين..
أولًا: قضية التوريث:
لا شك أنه كان هناك شعور متزايد في مصر تؤکده قرائن متعددة حول إعداد السيد جمال مبارك لتولي موقع المسؤولية الأولى كرئيس البلاد وقد تصاعدت التكهنات بعد أن ظهر في المناسبات الرسمية وبجواره الوزراء يتلقون توجيهاته وبعد توليه أمانة لجنة السياسات ورئاسة مجلس السياسات الذي أنشئ خصيصًا في الحزب وحشد عدد ضخم من الكفاءات الوطنية حوله وإدلائه بأحاديث صحفية يرد فيها على أسئلة تتعلق بتوليه الرئاسة ينفى أحيانا ويجيب بغموض أحيانا أكبر، وقيامه بقيادة ما يسعى بالتيار الإصلاحي والجيل الجديد داخل الحزب الحاكم، وقد أدى ذلك إلى ظهور حملة مناهضة لذلك التوجه بدأتها جريدة العربي الناصرية وتوالت المقالات في الصحف والمجلات الأجنبية الرصينة تحلل الموقف وتعارض مثل ذلك التوجه.
وقد جاء ذلك في إطار غربي بدأ بسورية التي نفذت ذلك بالفعل وكان العراق ثانيًا لولا أن أطاح الأمريكيون بصدام وعائلته، وما نراه في ليبيا الآن من ظهور سيف الإسلام والساعدي القذافي وتصدرهما للتصريحات الرسمية وما يتردد في اليمن وهكذا بدأ كأن الجمهوريات العربية الثورية ستحكمها عائلات تتوارث السلطة وقد قيل إن أحد أسباب القبض على د. سعد الدين إبراهيم رئيس مركز ابن خلدون بالقاهرة المقال الذي نشره في إحدى الصحف حول الموضوع.
ويتزامن ذلك مع شعور متزايد داخل المجتمع المصري بتوارث المهن خاصة في الجامعات بين أساتذة الجامعات بدأت بالطب ثم انتقلت إلى الآخرين، ثم في الفن والتليفزيون وغيرها مما يقتل تكافؤ الفرص ولا يحقق العدل بين الناس حيث تتم معاملة أبناء القضاة والدبلوماسيين والأطباء والصيادلة وغيرهم على حساب تفوق و امتیاز غيرهم.
وقد انتحر شاب يدعى عبد الحميد شتا بعدما اجتاز جميع الاختبارات اللازمة لقبوله عضوًا بسلك التمثيل التجاري الدبلوماسي ثم قيل له إنك غير لائق اجتماعيًا؟
هذا كله جاء مع توريث أبناء وأقارب أعضاء مجلس الشعب الذين أجبروا على الاستقالة أخيرًا بسبب تهربهم من التجنيد الإجباري بالمخالفة للدستور والقانون وإحداث أزمة دستورية لتحقيق ذلك عبر فتح باب الترشح من جديد، بدلًا من قصر الانتخابات على من سبق له الترشح عام ٢٠٠٠م في تكريس واضح لمبدأ التوريث .
والسؤال هل حقق نفى الرئيس مبارك الأثر المطلوب لمنع مبدأ توريث السلطة؟
يحضري هنا آخر ما صرح به المستشار الهضيبي المرشد الراحل للإخوان المسلمين - يرحمه الله - فقد قال إن مبدأ التوريث مستقر من زمن الثورة حيث كان كل رئيس بدءا من عبد الناصر يورث السلطة لنائبه أيا كان هذا النائب، وبذلك فإن غياب المؤسسات الدستورية الفاعلة وغياب الأحزاب السياسية الحقيقية بمنع الاختيار السليم لمن يتولى قيادة البلاد، وبذلك جاء السادات ولم يأت غيره، وجاء مبارك ولم يأت سواه، وسوف يأتي من يختاره مبارك نائبا له قبل وفاته لأن مجلس الشعب فقد سلطاته الحقيقية وللأسف الشديد فإن الرأي القاطع يكون لجهات خارجية هي التي تفرض رضاها على الأسماء المرشحة كما كان من قبل وإلى الآن.
وبهذا فإن البديل الحقيقي للتوريث هو أن تكون السلطة فعلًا للشعب يختار بحرية عبر انتخابات حرة بين أكثر من مرشح تتولى أحزاب حقيقية تسميتهم ويجري بينهم تنافس جاد عبر برامج وأطروحات حقيقية.
وذلك لن يأتي فجأة، ولا بد له من تمهيد ومرحلة انتقالية، وهذا يقودنا إلى الحديث حول ضرورة الإصلاح الشامل الذي يبدأ بالإصلاح السياسي والدستوري.
ومقدمة الإصلاح السياسي في الانتخابات البرلمانية الحرة النزيهة التي لا يمكن أن تتم إلا بعد إلغاء حالة الطوارئ وإتاحة الفرص لتشكيل الأحزاب السياسية لكل القوى والسماح بحرية التعبير وإصدار الصحف والمجلات والبث الإذاعي والتليفزيوني للجميع مما يمهد لحيوية كبيرة في المجتمع يستطيع المصريون أن يميزوا فيها بين الغث والسمين ويحافظوا على ثوابت المجتمع الأساسية ويتوحدوا خلف قضايا مصيرية لمواجهة التحديات الداخلية والخارجية.
باختصار سيكون ذلك بمثابة الانتقال من مرحلة إلى مرحلة جديدة فبعد نصف قرن من الزمان تجب مراجعة ما أحدثته ثورة يوليو من تغییرات في المجتمع ورصد التحديات الخطيرة لتي تواجه مصر وإعلان أجندة عمل جديدة تناسب هذه التحديات، قد يتطلب ذلك مرحلة انتقالية ولم لا؟ المهم أن نبدأ.
هل يتم حل مجلس الشعب؟
أحدث الطلب الذي تقدم به رئيس الوزراء إلى المحكمة الدستورية العليا حول تفسير مادتين في قانون مجلس الشعب ضجة كبيرة، وأعاد الحديث حول مصير مجلس الشعب.
الجواب السريع أن البلاد لا تحتمل حل المجلس، فهناك انتخابات مقررة لمجلس الشورى هذا العام، واستفتاء رئاسي العام المقبل وانتخابات للمحليات خلال هذه الفترة أيضًا، ولم يتبق من عمر المجلس إلا عامان فقط.
إذن ما المخرج؟
أخطر ما في الأمور أن تقر المحكمة الدستورية ما حدث من تجاوزات قضائية في ظل أحكام لها سابقة بعدم دستورية الاستشكالات التي تقدمها الحكومة وأنصارها أمام محاكم غير مختصة في أحكام مجلس الدولة والقضاء الإداري.
ولم يكن ذلك فقط بل أن الهيئة العامة لمحكمة النقص وهي أعلى هيئة قضائية في القضاء المدني والجنائي العادي قضت بأن هذه الاستشكالات غير سليمة ولا يجب الاعتماد عليها.
وكذلك حكمت المحكمة الإدارية العليا نهائيًا بعدم جواز قبول هذه الاستشكالات أمام محاكم أخرى غير القضاء الإداري.
ما قصة هذه الاستشكالات غير القانونية؟
إنها قصة التحايل والتهرب من تنفيذ. الأحكام القضائية التي تصدر في غير صالح. الحكومة والحزب الوطني قصة إهدار أحكام القضاء وضرب عرض الحائط بها قصة إعلان وفاة السلطة القضائية كما قال المستشار الهضيبي يرحمه الله، ولعل ذلك ما أرهق قلبه، نفسه وهو الذي عاش في رحابها طوال عمره بل عاصرها وهو طفل في رعاية والده المستشار حسن الهضيبي وكان ذلك حديثه طوال الأيام السابقة معنا حيث إن ذلك من وجهة نظره يغلق جميع أبواب الأمل في وجه الإصلاح أو التغيير السلمي ويدفع البلاد إلى دائرة عنف من جديد ولذلك وقف د. محمد مرسي المتحدث باسم كتلة الإخوان في البرلمان يحذر من إهدار الأحكام الأخيرة ( المجتمع عدد 1583) مما دفع رئيس المجلس إلى محاولة إيقافه عن الكلام أو طرده من القاعة، وعندما لم يفلح أحاله إلى لجنة القيم.
ومن فرط الانفعال استمر د. مرسي في الحديث منفعلًا حتى أغمي عليه.
إذن المنتظر من المحكمة الدستورية أن تؤكد على المبادئ القضائية المستقرة وأن تعاقب الحكومة والحزب اللذين أصرا على المضي قدمًا. في الانتخابات رغم الأحكام النهائية ببطلان فتح باب التوسع من جديد، وذلك بإلغاء كافة الإجراءات التي تمت وبذلك يتم إعادة الانتخابات. من جديد في مخرج قانوني من الأزمة التي أوضحت بجلاء حجم الفساد داخل الحزب الحاكم ووجود شلة من المفسدين الذين لا يعبؤون إلا بمصالحهم الشخصية.
المطلوب رسالة إلى الحكومة وإلى مجلس الشعب وإلى السلطة القضائية وإلى الرأي العام أن هناك خطوطًا حمراء لا يجوز تجاوزها، ولعل ذلك ما دفع الرئيس إلى التدخل ولعلها رسالة إلى المحكمة الدستورية أن توقف هذه المهازل التي تكررت طوال عشرين عامًا مضت وتسببت في بطلان تشكيل جميع البرلمانات التي انتخبت خلال العشرين سنة الماضية لسبب أو لآخر والتحايل على الأحكام القاطعة للقضاء الإداري ومجلس الدولة بتقديم إشكالات غير صحيحة أمام قضاء غير مختص مع الإصرار على إجراء انتخابات مطعون في شرعيتها وقانونيتها حتى تمر فترة الإشكال وفرض الأمر الواقع على الجميع والقول بأن المجلس سيد قراره وهو وحده المختص بتحقيق صحة عضوية أعضائه، رغم أن كل الطعون تنصب على الإجراءات التي تتم قبل وأثناء عملية الانتخابات وهو ما تقوم به وزارة الداخلية وتخضع لرقابة القضاء الإداري ومجلس الدولة.
إذا نجحت المحكمة الدستورية في الاختيار فإننا نكون أمام موقف جديد ومأزق جديد فهل يسقط المجلس عضوية الأعضاء الذين أقسموا اليمين رغم اعتراض د. محمد مرسى و النواب المستقلين والمعارضة؟
أم أن المجلس كله سيكون مهددًا بالبطلان ونكون أمام قرار سيادي بحل مجلس الشعب وإجراء انتخابات جديدة؟
هذا في علم الغيب حتى الآن، ولعل الحكم يأتي سريعا ولا يتلكأ في دهاليز المحكمة الدستورية حتى تنقضي مدة المجلس كالمعتاد، وتكون شلة المنتفعين قد نفذت مرادها وورثت المقاعد لأقارب الأعضاء ويفعل الله بعد ذلك ما يشاء.
العلاقات مع إيران
تطور بالغ الأهمية يتمثل في تضيع العلاقات بين مصر وإيران.
وقد سارت الأمور بسرعة وتبدت الرغبة الإيرانية في التعجيل بعودة العلاقات في إعادة تسمية شارع خالد الإسلامبولي وإطلاق اسم «الانتفاضة» عليه، والإعلان عن قرب عودة العلاقات.
أما مصر فقد تباطأت قليلًا تماشيًا مع التقاليد الراسخة في الخارجية المصرية، إلا أن زيارة الرئيس مبارك بنفسه لمقر الرئيس خاتمي ثم إرسال حوالي ست طائرات بمعونات عاجلة لضحايا الزلزال تؤكد أن هناك عودة شبه مؤكدة للعلاقات بين البلدين، وزيارة مرتقبة لمبارك إلى طهران فماذا يعني ذلك؟
هل هناك إمكان لتشكيل محور استراتيجي جديد في المنطقة؟
هل يمكن بناء محور القاهرة - طهران ليمتد إلى دمشق – إسطنبول؟ وهل يعني ذلك مواجهة للسياسة الأمريكية في المنطقة، وهي التي لا ترضى بغير الخضوع والإذعان بديلًا؟ وهل يعني ذلك تطورات إصلاحية داخلية بديلًا عن الإملاءات الخارجية؟ وماذا يعني ذلك بالنسبة للحركة الإسلامية والصحوة الإسلامية؟
من الواضح أن تطورات هذه القضايا ستفرض نفسها علينا في الأيام القادمة .