العنوان مصر: المؤسسات الدينية الرسمية تقود حملة مناهضة الحرب في العراق
الكاتب محمد جمال عرفة
تاريخ النشر السبت 22-مارس-2003
مشاهدات 62
نشر في العدد 1543
نشر في الصفحة 30
السبت 22-مارس-2003
رغم أن مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر يعد هيئة فقهية تختص ببحث المشكلات التي يواجهها المجتمع المسلم وبيان الرأي فيها، فقد شهد دور هذا المجمع صعودًا وهبوطًا وفقًا للظروف السياسية التي حكمت مصر من جهة والدور الذي لعبه شيخ الأزهر في الأزمنة المختلفة – باعتباره رئيس المجمع- في تنشيط دوره أو تجميده.
فقد قام المجمع في عهد شيخ الأزهر السابق جاد الحق على جاد الحق بدور بارز في مواجهة ما حاول مؤتمر القاهرة الدولي للسكان الذي عقد في عام ١٩٩٤ تمريره، مثل الإجهاض والشذوذ وزواج الشواذ وغير ذلك، كما تابع المجمع ما صدر من مؤلفات تناهض الإسلام، فضلًا عن قضايا الأقليات المسلمة في العالم ومناقشة العديد من الكتب أو القضايا المثيرة للجدل.
ورغم ذلك، فقد شهد المجمع – الذي يضم في عضويته حوالي ٥٠ عالمًا، ٢٠ منهم من غير المصريين – نوعًا من الركود في السنوات العشر الأخيرة، ومن المفارقات أنه في الوقت الذي خفت فيه صوت جبهة علماء الأزهر بسبب حل الجمعية تارة وبطش شيخ الأزهر بمعارضيه داخلها، حدث نوع من النشاط غير العادي في مجمع البحوث الإسلامية قاده شيخ الأزهر في قضايا محلية وأخرى دولية.
وجاء البيان الحاد والقوي ضد ضرب العراق متضمنًا ليس فقط التحريض على الجهاد في حال غزو أمريكا العراق، ولكن أيضًا وصف الحملة الأمريكية بأنها حرب صليبية.
بیان مجمع البحوث الإسلامية بشأن العراق جاء بعد حادثة مغايرة في الاتجاه، فقد فاجأ شيخ الأزهر د. سيد طنطاوي الجميع قبل أسابيع بقرار إقالة الشيخ على أبو الحسن رئيس لجنة الفتوى بالأزهر عقب نشر فتوى له بوجوب قتال القوات الأمريكية إذا دخلت العراق وأن دماء الجنود الأمريكيين والبريطانيين تعد في هذه الحالة حلالًا. كما أن قتلى المسلمين يعدون شهداء وأشيع وقتها أن أمريكا احتجت على هذه الفتوى لأنها تحرض ضدها فتمت إقالة الشيخ أبو الحسن.
ويبدو أن السياق الذي جرى فيه إقالة الشيخ أبو الحسن يختلف عن السياق الذي صدر فيه بيان المجمع، رغم أن ما قاله أبو الحسن لا يختلف عما جاء في بيان مجمع البحوث الإسلامية، بل كان بيان المجمع أشد قوة وصراحة وصرامة!. وهنا يلاحظ أن هناك نوعًا من الاتساق والتوافق بين المواقف الصادرة من الحكومة المصرية وتلك التي تصدر عن الأزهر ومجمع البحوث الإسلامية، فقد جاءت فتوی تحلیل فوائد البنوك متمشية مع سياسة الدولة، وبيان العراق متوافقًا مع الرغبة الرسمية، وأنه مع تزايد الرفض المصري الرسمي لضرب العراق جرى ترك حرية تحرك أوسع للأزهر والقوى الشعبية للتعبير عن معارضتها الحرب، مما تمثل في السماح بمظاهرة كبيرة للمعارضة في إستاد القاهرة يوم ۲۷ فبراير ۲۰۰۳ تبعتها أخرى للحزب الحاكم في مارس، مع صدور العديد من التصريحات الرافضة لضرب العراق من جانب شيخ الأزهر تبعها بيان مجمع البحوث الإسلامية وربما يتصل بها أيضًا ترك فئات أخرى من الشعب تعبر عن مواقفها المعادية للحرب بهدف توصيل رسالة لأمريكا بأن هناك رفضًا رسميًا وشعبيًا للحرب، حتى إن الرقابة أجازت أغنية للمطرب الشعبي شعبان عبد الرحيم تقول: الضرب في العراق ماكنش عمره حل، وتتضمن نقدًا حادًا لأمريكا في حين أنها سبق أن اعترضت على كلمات أغان سابقة وطلبت حذفها لأنها تنتقد أمريكا.
د. طنطاوي يتحفظ على «غزو صليبي»
بعد صدور بیان مجمع البحوث أعلن الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر رفض الأزهر لكلمة «غزوة صليبية» لأنها تحمل معنى العنصرية، وهي ضد الإسلام والمسيحية، حسب قوله. وأكد طنطاوي خلال استقباله ١٥ مارس الدكتور مجدولاند رئيس المجمع الأعلى للكنائس الإنجيلية بإسكتلندا والوفد المرافق له أن جميع الأديان السماوية تدعو إلى السلام والاستقرار والإصلاح ورفض الحروب، وقال: إنه لا يوافق على كلمة «غزوة صليبية» وقد آثار التصريح تساؤلًا حول ما إذا كانت هناك خلافات بين شيخ الأزهر ومجمع البحوث الذي أصدر البيان، أم أن شيخ الأزهر تعرض لضغوط أو إحراج من قبل رئيس المجمع الأعلى للكنائس الإنجيلية فأصدر تصريحه ذاك.
بیان مجمع البحوث الإسلامية الأخير أكد أن الامة والعقيدة الإسلامية بمثابة هدف أساسي كل هذه الحشود العسكرية بالمنطقة العربية, أن الحشود العسكرية تستهدف «ملايين البشر من أبناء أمتنا، وتستهدف كذلك عقيدتنا وكافة مقدساتنا، وكل ما يملكه عالم العرب والمسلمين من مصدر الثروة والقوة».
وقال المجمع إن الإصرار على ضرب العراق ما هو إلا مقدمة لضربات أخرى تستهدف بقية الوطن العربي الذي أعلنت القوى المعادية للإسلام والعروبة أنها بعد السيطرة على العراق ستعيد تقسيم وترتيب الأوضاع فيه بما حقق المصالح الأمريكية والإسرائيلية وينهي مقاومة الشعب الفلسطيني.
ودعا المجمع إلى الجهاد في حالة نزول الغزاة إلى أي أرض إسلامية، ووصف ما سيحدث بأنه غزوة صليبية قائلًا: «بمنطق شريعة الإسلام أنه إذا نزل العدو في أرض المسلمين يصبح الجهاد فرض عين على كل مسلم ومسلمة لأن أمتنا العربية والمسلمة ستكون أمام غزوة صليبية جديدة تستهدف الأرض والعرض والعقيدة والوطن».
كما أدان المجمع رغبة أمريكا في السيطرة على المنطقة العربية ورفضها الانصياع لقرارات مجلس الأمن وسعيها للخروج عن قرارات المجلس وعدم الالتزام بها، مشيرًا إلى أن الهدف هو رغبتها في السيطرة على مصادر الثروة والقوة في الوطن العربي، داعيًا العرب والمسلمين لأن يكونوا على استعداد للدفاع عن أنفسهم ومقدساتهم وألا يضعفوا أمام العدوان؛ ولأن البيان قوي فقد أغضب أمريكا واهتمت به الصحف الأمريكية باعتباره بيانًا صادرًا عن أعلى مؤسسة دينية إسلامية مصرية، واهتمت وسائل الإعلام الغربية أكثر بوصف الحملة أنها صليبية.
والحقيقة أن شيخ الأزهر الدكتور محمد سید طنطاوي سبق أن أصدر عدة تصريحات تدور حول رفض العدوان، معتبرًا أن مقاومة العدوان واجب شرعي، ولكن إقالته لرئيس لجنة الفتوى عقب تصريحاته ضد الحرب أثارت السؤال عن حقيقة الأمر وهل هو مجرد إجراء إداري لا علاقة له بتصريحات الشيخ أبو الحسن، أم أن هناك أسبابًا سياسية وراء الإقالة.
فقد وصف شيخ الأزهر منع العدوان الأمريكي على العراق بأنه (جهاد)، وقال: إن مقاومة أي اعتداء على الأراضي العراقية أمر واجب شرعًا.
وقال عقب افتتاحه أعمال مؤتمر تحرير المرأة في الإسلام بجامعة الأزهر في 22/2/2003: «إننا نرفض وقوع أي مكروه للشعب العراقي؛ لأنه جزء لا يتجزأ من الأمة العربية والإسلامية، ولا يمكن التنازل عنه ونتمنى من الله أن ينصره على كل من يعتدي عليه، وإنه يجب شرعا الوقوف مع العراق ضد أي عدوان يقع عليه من منطلق أن مقاومة العدوان على أي دولة إسلامية دون مبرر هي جهاد وواجب إسلامي».
كذلك طالب شيخ الأزهر الزعماء العرب قبل القمة العربية الأخيرة بأن يبذلوا جهدهم لوقف العدوان على العراق، وأن يتخذوا قرارًا حاسمًا في القمة؛ لتجنيب الشعب العراقي كل مكروه مشيرًا إلى أنه يجب على جميع دول وشعوب العالم أن تقف إلى جانب الحق في القضية العراقية حتى تمر هذه الأزمة بسلام, بل إن شيخ الأزهر أبلغ هذا ريتشارد هاس مدير إدارة تخطيط السياسات بالخارجية الأمريكية عقب موافقة العراق على عودة المفتشين، مؤكدًا أنه يرفض شن حرب على العراق بعد أن أعلنت بغداد السماح بعودة مفتشي الأسلحة، وأن الإسلام ضد ضرب المدنيين والعدوان على الأطفال والنساء بغير مبرر مشروع.
وقال في تصريحات نشرتها صحيفة الرأي العام، الكويتية 29/9/2002: «نحن مع الشعب العراقي وضد أي عدوان عليه، ولن نرضى بالظلم والعدوان ضد أي دولة عربية أو إسلامية مهما كانت، وعندما نرفض العدوان على الشعب العراقي الأعزل أطفالًا ونساءً وشيوخًا فإننا لا ندافع عن النظام العراقي بل عن الشعب العراقي المسلم الذي هو جزء منا ونحن جزء منه».
كما دعا علماء في الأزهر، الحكومات الإسلامية إلى مواجهة العدوان الأمريكي المحتمل على العراق، والحيلولة دون وقوعه. وحذر العلماء في الحوار المفتوح الذي أقيم على هامش افتتاح الموسم الثقافي للمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية 17/2/2003 من شيوع نغمة اليأس والإحباط بين الشعوب مؤكدين أن الشعوب تملك الكثير، وتستطيع أن تفعل الكثير لمواجهة الغرور والصلف الأمريكي والصهيوني, وأهاب الدكتور أحمد عمر هاشم رئيس جامعة الأزهر بالمؤسسات والهيئات والشعوب الإسلامية والعلماء والمثقفين أن يخرجوا من حالة الصمت والعجز، وأن يقوموا بواجبهم إزاء شعب العراق وأن يجهروا بكلمة الحق وألا يخشوا في الله لومة لائم، مؤكدًا ضرورة أن يعمل العلماء والمثقفون على حث الحكومات الإسلامية للوقوف إلى جانب العراق، ومواجهة العدوان الأمريكي المتوقع، وتعبئة الرأي العام الإسلامي المساندة الشعب العراقي.
ولا شك أن عودة مجمع البحوث الإسلامية لدوره النشط في مجال التفاعل مع هموم الأمة الإسلامية علامة جيدة على صحوة في إحدى هيئات الأزهر، ولكن القضية هي: هل صحوة مجمع البحوث مرتبطة بأسباب سياسية تتعلق بالضغوط على الأزهر نفسه والمؤسسات الدينية منذ 11 سبتمبر، ومرتبطة بمشيئة شيخ الأزهر الذي يدعو لمناقشة قضايا دون أخرى أم أنها صحوة عامة فرضتها الظروف الدولية؟
من متابعة أنشطة المجمع الأخيرة قد يبدو أن هناك تناقضًا فيما يتعلق بالقضايا التي ناقشها المجمع بين قضايا تتعلق بإباحة فوائد البنوك وعدم وصف اليهود الحاليين بأنهم أبناء القردة والخنازير.. وهذه جاءت بناء على رغبة حكومية رسمية، وقضايا أخرى مثل رفض ضرب العراق والحث على الجهاد وهذه قضية شعبية في المقام الأول ولكنها أيضًا تتماشى مع الرغبة الرسمية الرافضة للحرب.
العبرة إذًا بالمواقف التالية للمجمع وعدم تدخل شيخ الأزهر في فرض قضايا معينة ذات خلفية رسمية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل