العنوان مصر: اتساع دائرة المعارضة لقانون الأحوال الشخصية الجديد
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 25-يناير-2000
مشاهدات 64
نشر في العدد 1385
نشر في الصفحة 35
الثلاثاء 25-يناير-2000
المشروع ييسر الخلع ويعترف بالزواج العرفي ويبيح السفر للمرأة بدون إذن زوجها!
برغم موافقة مجمع البحوث الإسلامية عليه، ووصف شيخ الأزهر له بأنه يتفق تمامًا مع أحكام الشريعة الإسلامية، إلا أن دائرة المعارضة لمشروع قانون الأحوال الشخصية - الذي أقره مجلس الشعب المصري من حيث المبدأ في الأسبوع الماضي وقرر تأجيل المناقشات للأسبوع الحالي – ما زالت تتسع يومًا بعد يوم لتضم إليها مزيدًا من علماء الدين وكبار المثقفين والقضاة والمختصين.
فقد حمل 22 من علماء الأزهر وأساتذته على مشروع القانون بشدة، وحذروا من التسرع فيإقراره «مما قد يهدد استقرار المجتمع»، معربين عندهشتهم من «استعجال تمرير المشروع وتوقيت طرحه» في الوقت الذي أبدت فيه فاعليات ثقافية وإسلامية وسياسية عدة معارضتها لمشروع القانون، ووصفت كثيرًا من بنوده بأنها مخالفة واضحة للشريعة الإسلامية.
وبداية فقد أجمع المؤيدون والمعارضون للقانون على السواء على إيجابيات عدة فيه، يأتي في مقدمتها اختزاله 600 مادة قانونية سابقة في 81 مادة فقط، وقضاؤه على التكرار والتناقض الذي كان قائمًا بين الكثير من هذه القوانين بحيث كان من الصعب التعامل معها، والإلمام بها، وذلك إضافة إلى إيجابية أخرى هي جودة صياغته، وخلوه من ثغرات عدة تراكمت في القوانين المذكورة.
لكن القانون احتوى على مثالب كثيرة، ويرى المعارضون أنه من الصعب تمريرها، حتى إن 22 من علماء الأزهر المعتبرين أصدروا بيانًا ناشدوا فيه الرئيس المصري - وهي المناشدة التي لم تتم الاستجابة لها - «أن يصدر توجيهات بتأجيل عرض المشروع على البرلمان فترة كافية لا تقل عن ثلاثة أشهر مع تشكيل لجان يناط بها مراجعة القانون وإعادة صياغته بعد ضبطه بموازين الشريعة،مقترحين أن يتم ذلك على مرحلتين، يتولى الأولى فريق من علماء الدين وفقهاء الشريعة، على أن يشارك في المرحلة الثانية رجال قانون وفقهاء وعلماء في الشريعة».
وقد انصبت نقاط الاعتراض الجوهرية على إباحة القانون الخلع للمرأة بحكم قانوني من القاضي وبدون الرجوع إلى الزوج، إضافة إلى السماح لها بالسفر بدون إذن زوجها بترخيص من القاضي أيضًا، فضلًا عن الاعتراف بالزواج العرفي وذلك عندما اعترف القانون رسميًا بالطلاق المترتب عليه!
تلفيق.. وتفريق
يقول الدكتور علي الغتيت في ندوة عقدت بالقاهرة مؤخرًا:
أولًا: إن المشروع يسمي نفسه منظمًا لإجراءات التقاضي، إلا أنه ينحرف عن هذا العنوان، ويضمن صلبه أحكامًا موضوعية جديدة، وبعضها أضيف فجأة وحتى في طرحه لهذه المسائل الموضوعية أضاف مسحة من التلفيق!
ثانيًا: إن المشروع يفرق بين الطلاق الذي يقع دينًا والطلاق الذي يقع قانونًا، وهذا أمر خطير أن يدخل في التشريع مبدأ جديد يفرق فيه بين الحكم الشرعي الذي يبين الحلال والحرام وبين الحكم القانوني الذي يختلف عن هذا، فهذا نوع من الانخلاع من الدين وتصبح علاقة الرجل بزوجته وأسرته خاصة بالقانون يحكم بها القضاء متفردًا!
ثالثًا: إن المشروع يقول: إنه لا يعتد بالطلاق إلا بالإشهاد والتوثيق فإن أصبر الزوجان معًا على إيقاع الطلاق فورًا أو قررا معًا أن الطلاق قد وقع، فهنا قصد مزدوج وعيب في النيات نتج عنه خطأ في الصياغة، كما أن المشروع فيما يخص قضية منع من السفر يقول: إن القاضي يختص دون غيره، أي أن اختصاص المنع من السفر أصبح للقاضي وحده أي أن الزوج قد سلب منه حقه الشرعي.
وأضاف د. الغتيت أن الموضوع المثار هو إحدى النكبات التي نفاجأ بها من وقت لآخر وهو جزء من خطة متكاملة تخرج علينا بصورة متدرجة، جزء منها في الآثار وجزء منها في الهوية وآخر في الأسرة.
الخلع.. والسفر
ويقول المستشار عمر العطيفي: إن كل ما يثار في هذا المشروع يدور حول محورين اثنين: الأول خاص بقضايا الخلع، والثاني خاص بالمنع من السفر، يضاف إليهما بعض الأمور البسيطة المتناثرة هنا وهناك.
والملاحظ ذلك التشدد غير المبرر في معاملة الزوج، والذي يتفحص مواد القانون يجد تيسيرًا شديدًا بالنسبة للخلع، ويجد في الوقت نفسه تشديدًا زائدًا بالنسبة للطلاق!
ويضرب المستشار العطيفي مثالًا بالمادة الثانية والعشرين ففيها إخلال بمبدأ المساواة، إذ تقول: «يحق للزوجة إثبات مراجعة مطلقها بجميع طرق الإثبات» أما بالنسبة للزوج فلابد من الوثيقة الرسمية! وهذا النص غير دستوري.
أما نص المنع من السفر فهو «يختص قاضي الأمور الوقتية بالمحكمة الابتدائية دون غيره بإصدار أمر عريضة بمنع الزوجة أو الأولاد القصر من السفر أو استخراج جواز سفر»، فالأصل أنها تسافر كما تشاء، ولكنه فقط يتدخل ليمنع، وطبعًا حينما يكون الزوج قد أوصل دعواه للقاضي تكون الزوجة قد سافرت وانتهى الأمر! وكان المفترض أن يكون النص: «أن تسافر الزوجة بإذن الزوج وإذا تعسف الزوج في إستعمال حقه فلها أن تلجأ إلى القاضي بأمر عريضة ليسمح لها بالسفر».
مناخ العولمة
عند هذه النقطة يقول الدكتور علي جمعة - أستاذ الفقه بجامعة الأزهر -: هذه المادة بالذات وضعت من أجل مؤتمر السكان ومؤتمر المرأة، فما دخل الأحوال الشخصية والسفر؟ إن المرأة تسافر بحكم الدستور لأن حرية السفر مكفولة بالدستور وتصبح ناشزًا وينتهي الأمر.
ويضيف: فيما يخص الخلع فإن الحديث المعتمد هو «ردي عليه الحديقة وطلقها تطليقة» والحديقة هي ما أعطاها، ولكن الحديقة عين وليست دينًا، والعين تحتفظ بقيمتها عبر الأزمان، لكن الدين ينخفض عبر الزمن، فالمائة جنيه التي تزوج بها الرجل من ثلاثين سنة تساوي الآن عشرين أو ثلاثين ألف جنيه، لكن في الخلع رسول الله صلى الله عليه وسلم ألزمها بأن ترد عليه الحديقة، وبالتالي فالخلع ليس فيه أي شيء، والمرأة التي تبيع نفسها لتختلع ليست هي المرأة المثالية، ولو فعلت ذلك يصبح من الأفضل تطليقها.
متفقًا مع الرؤية السابقة يقول الدكتور محمدعمارة:« إننا الآن في مناخ يتناول كل القضايا المتعلقة بالمرأة والأسرة في ظل مظلة عامة هي عولمة منظومة القيم الغربية وسيادتها في العالم كله، وهي جزء من العولمة التي لها أبعاد سياسية واقتصادية وعسكرية وتشريعية، فالكونجرس الأمريكي أصبح يشرع للعالم كله، ولم يعد يشرع لأمريكا فقط، كما أن هناك بعدًا قيميًا للعولمة، أي صياغة قيم الحضارة الغربية في مواثيق ترفع علم الأمم المتحدة، وتفرض على العالم بكامله، وبالتالي فعندما نجد في قانون إجراءات الأحوال الشخصية الذي نحن بصدد مناقشته كلامًا غير مفهوم فيما يتعلق بالسفر أو أن تعطى المرأة تفضيل يساعدها على هدم الأسرة، وكذلك في موضوع الخلع، فهذا كله تنظر إليه في إطار عولمة القيم الغربية كما قلت».