; مصالحة واعية بين مصر والسودان | مجلة المجتمع

العنوان مصالحة واعية بين مصر والسودان

الكاتب محمد جمال عرفة

تاريخ النشر الثلاثاء 01-يونيو-1999

مشاهدات 77

نشر في العدد 1352

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 01-يونيو-1999

  • لأول مرة: التركيز على التهديدات الخارجية التي تواجه البلدين وحل الخلافات وديًّا

  • القاهرة تستعد لاستضافة مؤتمر مصالحة شامل بين حكومة الخرطوم والمعارضة

للمرة الأولى منذ التوتر الحاد والطويل الذي خيم على ملف العلاقات المصرية – السودانية طوال السنوات الست الماضية، بدأت في القاهرة والخرطوم اجتماعات مصالحة لإنهاء خلافات الحكومتين، ووضع خطط مشتركة لمواجهة الاستهداف الخارجي الذي يسعى لاقتناص الدولتين معًا، وزرع التوتر بينهما باستمرار.

وأشارت مصادر دبلوماسية سودانية ومصرية إلى أن التحسن الحالي في العلاقات والذي سيشهد المزيد من «الانفراجات السياسية» و«الانطلاق» -على حد قول كبار مسؤولي الخارجية المصرية- يرجع في المقام الأول إلى تزايد التهديدات الخارجية للبلدين ووصول تقارير إستراتيجية لمسؤولي البلدين، تحذر من خطط للاستهداف الخارجي بحجة حقوق الإنسان أو المياه وغيرها، وصولاً لفرض حصار فضلاً عن تغيير الخرطوم سياستها التصادمية مع مصر والتركيز على حل القضايا الخلافية وطمأنة القاهرة حيال كل ما كان يسبب لها قلقًا من جهة الخرطوم، بما في ذلك توجهات الحكومة نحو فصل الجنوب، بل إن مصادر دبلوماسية سودانية بالقاهرة ألمحت -في تصريحات لـ المجتمع إلى أن هناك الآن شبه اتفاق مصري- سوداني «سري» على تحسين العلاقات، ووضع أسس المصالحة والتعاون المشترك لمواجهة المؤامرات الخارجية المتزايدة والتي بدأت تتمحور حول السعي لتقسيم السودان عبر التدخل في شؤونه بمزاعم شتى «الرقيق - حقوق الإنسان - الإرهاب»؛ الأمر الذي يؤثر على أمن مصر، وقالت إن أسس هذا الاتفاق والمصالحة أنهيت على ما يبدو خلال لقاءات واتصالات مكثفة بين البلدين، وخصوصًا لقاءات وزيري خارجية البلدين عمرو موسى ومصطفى عثمان في كل من جنيف وأديس أبابا خلال الأشهر الثلاثة الماضية، ثم في القاهرة مؤخرًا.

ولم تستبعد المصادر الدبلوماسية في البلدين أن يتم تبادل الزيارات بين كبار مسؤولي البلدين في القريب العاجل، مشيرة إلى أن الرئيس البشير قد يزور القاهرة للقاء مع الرئيس مبارك ومع عثمان الميرغني وأحمد الميرغني (رئيس السودان السابق)، كما قد توجه الدعوة للرئيس مبارك لحضور احتفالات السودان بتصدير البترول في آخر يونيو الحالي.

وفي القاهرة عاد الحديث عن عقد مؤتمر المصالحة «المؤجل» بين الحكومة السودانية والمعارضة برعاية مصرية، بعدما حرّك لقاء جنيف بين المهدي والترابي الركود في بحيرة المصالحة الراكدة، وتردد أن القاهرة طرحت الفكرة مجددًا على قيادات المعارضة السودانية الذين التقاهم الرئيس مبارك ووزير الخارجية عمرو موسى كما طرحتها على الجانب السوداني، وأن الأمر معلق على اجتماعات المعارضة السودانية المقبلة في أسمرة وقبولها مبدأ المصالحة، خاصة أنه سبق للمعارضة رفض المصالحة ووضع شروط تعجيزية لها، بعكس الوضع الحالي، حيث يطرح الصادق المهدي مشروعًا محددًا أمام التجمع حول المصالحة.

التركيز على المؤامرات الخارجية

وكانت بوادر المصالحة الشاملة الأخيرة بين القاهرة والخرطوم قد لاحت منذ شهرين تقريبًا، حين حذرت القاهرة من محاولات استهداف خارجية للسودان، ووزع السودان مذكرة تفصيلية على عدة دول عربية -بينها مصر- عبر الجامعة العربية، تتحدث عن خطط أمريكية وإسرائيلية لضرب وحدة السودان ومد المتمردين بسلاح متطور تمهيدًا لهجوم شامل جديد في الجنوب تدعمه أوغندا ودول أخرى، وتزامن ذلك مع زيارة رئيس الموساد الإسرائيلي إفرايم هاليفي لجنوب السودان في أبريل الماضي، حيث تفقد قوات جارنج واحتياجاتها من السلاح.

ولفت عبدالرحمن النميري وزير الدولة السوداني للشؤون الخارجية الأنظار لهذه المؤامرة عندما قال - عقب زيارة للقاهرة في منتصف أبريل الماضي:

«إن مصر والسودان اتفقتا على توحيد جهودهما لمواجهة الاستهداف الخارجي الذي يتعرض له السودان، وصد الهجمة الشرسة فيما يتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان وتجارة الرقيق وتجنيب البلدين أخطارها»، وقال: «إن مظاهر الاستهداف التي يتعرض لها السودان فيما يتعلق بتجارة الرق وتعطيل الإغاثة وانتهاك حقوق الإنسان تهدف في نهاية الأمر إلى استصدار قرار من مجلس الأمن لتجزئة السودان وفصل جنوبه عن شماله».

ولوحظ إكثار المسؤولين المصريين من التصريحات حول وحدة السودان ورفض تقسيمه أو التدخل في شؤونه، وتعاون وزارتي خارجية البلدين لإحباط محاولات لإدانة السودان في الأمم المتحدة بالمسؤولية عن انتشار تجارة الرقيق وتعطيل الإغاثة لأبناء الجنوب المتضررين.

وكانت منظمة التضامن النصراني التي ترأسها عضوة البرلمان البريطاني البارونة كوكس قد زعمت أنها اشترت (١٧٨٣) جنوبيًّا من تجار عرب شماليين بعدما أسرتهم القوات المسلحة السودانية - وتم تصعيد هذه القضية في اجتماعات لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، وفي منظمة اليونيسيف «صندوق الأمم المتحدة لرعاية الطفولة» وطرحت فكرة إرسال مراقبين دوليين للسودان ومناقشة الأمر في مجلس الأمن وهو ما رفضته مصر، مع حدوث تقدم ملموس وانفراج كبير في ملف القضايا العالقة بينهما، وخصوصًا موضوعي الممتلكات المصرية المصادرة في السودان، والتنسيق الأمني «التهريب عبر الحدود - تبادل المعلومات الأمنية» والتوصل لشبه اتفاق نهائي بين العاصمتين لحل هذه الخلافات، وتجميد الخلاف حول حلايب.

وللمرة الأولى تقريبًا، منذ توتر العلاقات بين البلدين نوقش ملف العلاقات مع السودان في اجتماع موسع لمجلس الوزراء المصري بحضور الرئيس مبارك أوائل مايو الماضي، وللمرة الأولى أيضًا يخرج الاجتماع بتوصية تقول إن «الأولوية للعلاقات مع السودان». فقد حرص وزير الخارجية المصري على انتقاء عبارات تدل على التحسن الحقيقي في العلاقات، وتكشف ضمنًا أن هناك اتفاقات أبرمت على الرغم من عدم الإعلان عنها، فقد قال عمرو موسى في لقاء مع الصحفيين، وآخر مع أعضاء لجان الشؤون الخارجية والعربية والأمن القومي بالبرلمان المصري: «نحن مقبلون ومقدمون على وضع هذه العلاقات في أولوية عالية»، واعترف بوجود «لقاءات مكثفة وعمل مستمر الآن بين الجانبين انطلاقًا من الحرص الكامل على مصالح السودان الشقيق وعلى العلاقات المصرية – السودانية الخاصة والمتميزة ومحاولة تنقية المسار حتى لا يتعرض لعملية تشويش».

والأهم أن موسى وعد الجميع بأنهم على موعد مع نبأ سار، كما قال د. أسامة الباز المستشار السياسي للرئيس مبارك إن الأيام المقبلة ستشهد «انفراجة سياسية» في العلاقات بين مصر والسودان.

وبالمقابل، أطلق المسؤولون السودانيون سلسلة من التصريحات المطمئنة لمصر، وبالتحديد حول نية حكومة السودان عدم فصل جنوب السودان عن شماله إطلاقًا بعدما سبق أن صدرت تصريحات على لسان كبار المسؤولين بتلوح بقبول استقلال الجنوب، إذا كان ذلك سيوقف الحرب في السودان، ونقلت إيضاحات سودانية رسمية أن المقصود النهائي لن يكون الانفصال، وأن أقصى المعروض للجنوبيين هو حكم ذاتي، وقد رحب السودان بمشاركة مصر في وساطة «الإيجاد» بين الحكومة والمعارضة، وبدور مصر ومبادرتها عمومًا للمصالحة، واعترف محمد الأمين الذي يرأس لجنة الحوار في الحزب الحاكم «المؤتمر الوطني» بوجود دور مصري للمصالحة وجهود مصرية تستهدف جمع وحدة السودانيين.

واعتبر تصريح الرئيس السوداني البشير الذي قال فيه إن سقف العلاقات مع مصر هو الوحدة ووجه فيه الدعوة للرئيس مبارك لزيارة السودان، اعتبر أكبر دليل على مستوى التقدم والتحسن الذي طرأ على علاقات البلدين، ولذلك لا يستبعد دعوة البشير لمبارك رسميًّا في مناسبة تصدير البترول أو احتفالات الثورة القادمة.

لجان تسليم فنية لا سياسية

ووفقاً لمعلومات لـ المجتمع من مصادر سودانية ومصرية، فقد فشلت العملية الأولى لتسليم الممتلكات المصرية المصادرة التي جرت العام الماضي بسبب أخطاء من الطرفين، أدت لرد فعل عكسي أدى بدوره لمزيد من التدهور في العلاقات، فوفقًا للمصادر المصرية، أخطأ السودان لعدم تسليمهم كافة الممتلكات المصرية المصادرة وعرضهم تسليم حوالي ثلث الاستراحات والمدارس فقط، وأخطأوا أكثر حينما سعوا للتشديد على أن بعض هذه الممتلكات لن تعود أبدًا مثل جامعة القاهرة فرع الخرطوم «النيلين حاليًا».

وبالعكس، يقول مصدر سوداني دبلوماسي مطلع للمجتمع، إن الخطأ الذي حدث وقع بسبب مصر؛ لأن اللجنة المصرية التي سافرت إلى الخرطوم لاستلام الممتلكات برئاسة السفير فؤاد يوسف -مدير إدارة السودان بالخارجية المصرية- كانت لجنة فنية وليست سياسية، وكانت أشبه بلجنة تسليم عهدة بدون تفاوض، الأمر الذي أثار استياء السودان، لأن مبادرة الحكومة السودانية التي أعلنها الرئيس البشير في ذلك الوقت كانت ذات أبعاد سياسية وتحتاج لرد سياسي مصري يجب أن تقوم به لجنة سياسية لا فنية.

ولذلك راعى الطرفان هذه المرة أن يكون هناك تنسيق سياسي قبل سفر الوفد المصري، والتوصل لحلول محددة قبل سفره، حيث قامت لجان مشتركة من الطرفين بالاتفاق حول الممتلكات التي ستعود فورًا والأخرى التي سوف تتأثر لاعتبارات فنية، والثالثة التي لن تُعاد وسيتم التعويض عنها لاستغلالها -بعد المصادرة- في أغراض رسمية سودانية، وقد سافر سفير السودان بالقاهرة د. أحمد عبد الحليم إلى الخرطوم يوم ٥ من مايو الماضي للترتيب لزيارة وفد التسليم المصري، والذي يمثل وزارات الدفاع والري والتعليم والتعليم العالي والخارجية.

التعاون الأمني موجود.. غير موجود؟!

وقد لفت تصريح لوزير الداخلية المصري حبيب العادلي - يوم ١٠ مايو الماضي يتهم فيه السودان بعدم التعاون الأمني مع مصر- الأنظار إلى استمرار وجود بعض الخلافات، إلا أن العادلي قال في التصريح ذاته إن مصر ستسعى على الرغم من ذلك لإقامة علاقات جيدة مع السودان، والقصة باختصار أنه على الرغم من كل ما قيل سابقًا عن تسليم الخرطوم مطلوبين لمصر، فالحقيقة غير ذلك، والمسؤولون السودانيون -حسبما قال وزير الداخلية السوداني لـ المجتمع- سبق أن أبلغوا الحكومة المصرية أنه لا يوجد لديهم أي مطلوبين مصريين ولو وجدوا لقام السودان بتسليمهم، وهو ما أكده العادلي في تصريحه الأخير، حيث قال: «حتى لو لم يسلمونا العناصر المطلوبة، فنحن لا نريد أن يأتي من السودان ما يعكر مزاج مصر، وسنسعى لإقامة علاقات جيدة معه».

ولكن عدم التعاون الأمني مع السودان في قضية المطلوبين لا يعني عدم وجود أي تعاون؛ إذ إن هناك اتفاق تعاون مستمر فيما يتعلق بمراقبة الحدود لمنع تهريب السلاح والجمال وغيرها، فضلاً عن تبادل المعلومات الأمنية وتبادل المجرمين.

وأيًّا ما كان الأمر، فالواضح أن هناك تغييرًا جديًّا في أسلوب تعامل القيادتين مع قضية العلاقات والإحساس بأن هناك قضايا كبيرة خطيرة، مثل قضايا تدويل المشكلة السودانية والسعي لتقسيمه والاستهداف الخارجي لمصر والسودان معًا، مما يحتاج إلى تعاون مشترك.

أيضًا من الواضح أن هناك تغييرًا كبيرًا لصالح حكومة الإنقاذ داخليًّا وخارجيًّا عكسته حرب إثيوبيا وإريتريا التي خففت الضغط نسبيًّا على الخرطوم، وفشل المعارضة الشمالية المسلحة واضطرارها للحوار مع الحكومة وفق شروط الإنقاذ، بل وتراجع أمريكي تجاه إدانة وحصار السودان، خصوصًا مع اقتراب تصدير البترول، وكلها عوامل سرعت من تفعيل المصالحة المصرية – السودانية.

الرابط المختصر :