العنوان مصارحات في الدين والسياسة (2).. في الحرية والديمقراطية
الكاتب النذير المصمودي
تاريخ النشر السبت 02-أغسطس-2003
مشاهدات 69
نشر في العدد 1562
نشر في الصفحة 42
السبت 02-أغسطس-2003
الجرأة على الوقوف أمام النفس ومحاسبتها بشجاعة على الجليل والتافه من شؤونها.. دليل على روح اليقظة، وشارة على الضمير الحي. وهذه وقفات أمام النفس، تصلح لأن تكون مقدمة لنقاش جاد في قضايا الدين والفكر والسياسية.
نسبة الأمية في أوروبا غير بعيدة عن الصفر، أما نسبة المسجونين بسبب آرائهم فهي صفر مؤكد، إن العلم والحرية أساس لا محيص عنه لسيادة الأمم وتبوئها المكانة الأرقى، ولقد تعرضت أوروبا في تاريخها الطويل للجهل والتخلف، كما تعرضت لنزوات الحكام المستبدين، وقاست من كل ذلك مثلما قاسينا أو أشد، لكنها استطاعت التخلص من الجهل والتخلف بإعمال العقل الذي نال حرية مفرطة في التأمل والبحث، فانتقلت بالحياة من طور إلى طور، واستطاعت التخلص من الحكام المستبدين بالعزل أو الفتك، ثم وضعت دساتير تنظم العلاقة بين الحاكم والشعوب تنظيمًا جادًا، يمنع الظلم والاستبداد، ويوصد الأبواب في وجوه لصوص السلطة وقطاع الطرق السياسيين، وقد كان المسلمون الأوائل على بصيرة بهذا الأمر، فتركوا لطبائعهم أن تبتكر وتجيد، وأفتى علماء الأمة باتفاق أن إقامة الحرف والصناعات فريضة على المجتمع، يأثم من يتركها، فكانوا مثل غيرهم من أهل الأرض أو أذكى وأقدر في شؤون العمران وترقية وسائل الحياة، وتحسين شروطها، ونجت الأمة في عصورها الأولى من سطوة الحكم الفردي المستبد بفقه دستوري حدد وظيفة الحاكم وصلته بالأمة والسلطات التي يملكها، والحقوق والواجبات المتبادلة بين شتى الأجهزة الإدارية التي تشكل عمومًا نظام الدولة، فكان الأمر على أساس: ﴿وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِۖ﴾ (سورة آل عمران: ١٥٩) ﴿وَأَمۡرُهُمۡ شُورَىٰ بَيۡنَهُمۡ﴾ (سورة الشورى: ۳۸)، هذه الآيات التي أخذت مجراها في الحياة العامة تطبيقات ملزمة جعلت الخلافة وليدة بيعة حرة، وليس لأحد بعد الرسول الكريم ﷺ حق إلهي، ولا وصاية عليا على الناس تجعل وجوده السياسي ضربة لازب!!
إن الحكومات اليوم في أوروبا في صدى رغائب الشعوب وعزائمها، وأداتها إلى بلوغ ما تهوی، فلماذا هي في أكثر بلداننا مفروضة بالرهبة أو الرغبة؟ لماذا الحكام في أوروبا تأتي بهم الانتخابات الحرة، وتذهب بهم الانتخابات النزيهة، بينما يأتي الحكام في بلداننا على ظهور الدبابات المحلية أو الأجنبية؟ لماذا يخرج رؤساء أوروبا كما دخلوا ليس في جيوبهم إلا مرتباتهم المحددة؟ بينما يضمن الحكم في بلداننا لأصحابه المغانم والمغرب، ويجشم الشعوب المغارم والأعباء؟ هذه القارة التي لم يبلغها بعد ما أنزل الله تكره الظلم، وتستقبح النكوص عن أداء حقوق شعوبها في الحياة الكريمة والعدل والمساواة، وتحتاط بقوانين صارمة كيلا يقع أذى ذلك على الأفراد والجماعات قوانين تضمن الحقوق، وتصوتها بطريقة تجعل المواطن العادي يستطيع محاكمة رئيس الوزراء أو رئيس الدولة.
سمعت بعض المتدينين يلعن ديمقراطية الغرب إجمالًا من غير إنصاف، وذكر أحدهم في خطبة طويلة أن هذه الديمقراطية كفر، والخلاص منها شيء لا مفر منه لصلاح الدنيا والآخرة. ولو أن هذا الخطيب قال مثل هذا الكلام في بلده الأصلي لالتمست له عذرًا، ولعله عذر الجهل بالغرب وشؤونه، أما أن يقول ذلك في بلد غربي هو يعيش فيه قرارًا من جور حكام بلاده، فالأمر يحتاج إلى مراجعة واستبانة، وأنقل الحوار الساخن الذي دار بيني وبينه: قلت: إن القول بأن الديمقراطية كفر على الإطلاق قول مبالغ فيه، وفي رأيي أن أوروبا ما استطاعت أن تأخذ طريقها إلى الرقي إلا بالديمقراطية، وبها وحدها الرد سيرها في كل مجال، فإذا هي تبلغ أوجًا يرد الطرف وهو حسير قال بغضب: أتعتبر العبث الأخلاقي المنتشر في أوروبا حرية وديمقراطية وإيمانًا؟ قلت: لا، فإن صرف طاقات الأفراد في تسيير الخنا والفساد فوضى ضاربة، وتمهيد لمحق أسباب العمران والحضارة، هذه سنة إلهية جارية، قال وهل تعتبر العربي حرية؟ قلت: لا، قال وأي فرق إذن بين الكفر وهذه الحرية؟ قلت ولكن الحرية في الغرب ليست فقط حرية العري، هناك حريات أخرى لا ينبغي هجرها، فهناك مثلًا حرية الصحافة وإبداء الرأي، وهي الحرية التي كانت ومازالت الحاجز القوي أمام العبث بشؤون الشعوب، قال: ولكنها صحافة خليعة أيضًا، قلت ليست أخلع من صحافتنا في بلداننا، والخلاعة السياسية التي تنشرها هذه الأخيرة ليست أقل ذنبًا من صورة امرأة عارية تنشرها الصحافة الغربية، وكلاهما حرب على الأخلاق إنني أتحدث عن الحرية، والديمقراطية في جوهما العام الجو المليء بما يصون الكرامات، ويقدس الدماء والأموال والأعراض، الجو الذي يحسن فيه الإنسان العمل والإنتاج، الجو الذي تختفي فيه سياسة العصا، ويختفي فيه الرعب والترويع، الجو الذي تأخذ فيه الجماهير طريقها الأشرف إلى الحرية، وتأخذ قيادتها طريقها إلى أيدي الأكفاء، الجو الذي لا يستعلي فيه نفر من البشر يحسبون أن الشعوب قطعان من... يركبون ظهورها، الجو الذي يكثر فيه النقاد للأغلاط الكبيرة والصغيرة، حيث لا عصمة لكبير أو صغير، ولا يخافون بعد ذلك مسالمة أو عقابًا أليست هذه الحرية من صميم الإسلام وروحه؟ قال وقد تراجع خطوتين كنت أتحدث عن حرية الغريزة، قلت وأنا أيضًا ضد هذه الحرية التي تجعل الغريزة تطيش وتنزو وتضطرم، وفي الغرب عقلاء لا یرون ذلك صوابًا، وأصواتهم مازالت ترتفع بالنكير.
ما المانع أن نؤسس لأنفسنا قوانين ودساتير حقها في أن تحكم نفسها بنفسها وفق تسلم الأمة عقائدها ومثلها وقيمها؟ ولماذا لا تقتبس من الدساتير والقوانين التي هديت إليها شعوب الأرض فيما يحمي الحقوق، ويكفل الحريات، ويصون الأنفس والأعراض والأموال من أنظمة الحكم الشمولي والإهدار الكفور لحقوق الإنسان؟ قال: إنها دساتير من صنع البشر، والأخذ بها كفر وعصيان قلت، ولكنها تتضمن نماذج حسنة لما يجب أن تكون عليه العلاقة بين الحاكم والمحكوم، فلماذا لا نستفيد منها ونحن نكافح ضد الحكم الفردي والأنظمة الشمولية؟
قال: ولكنها ترفض الولاء لله والوحي الأعلى، فلماذا نفتح أبوابنا لها ونقلدها، ونحن عندنا ما هو أسمى وأشرف، عندنا الشورى؟
قلت، وما الشورى؟
قال: مشورة أهل العقد والحل، قلت: فهي بهذا المعنى تمنح الأمة القدرة على معالجة قضاياها، وتمنع طغيان الفرد،
قال: نعم، لكنها معلمة لا ملزمة،
قلت: إن أصحاب هذا الرأي أخطئوا فما الفرق بين أي دكتاتور في العالم، وبين من يتولى أمور المسلمين دون رقابة، ودون أن ينقده الناس بكل حرية فيما يقطع من أمور؟
إن ميدان الفقه الإسلامي مجال رحب لوجهات النظر المتعددة، فلا ينبغي أن يبقى هذا الفقه متحجرًا لا نمو فيه ولا تطور، كما نأبى إذا ما فتح باب الاجتهاد أن يلجه أغبياء لا فقه لهم، وما زلت أرى أن فقهنا الدستوري بحاجة إلى أن يوسع ويقعد باجتهادات ذكية في تكوين السلطات العليا وعلاقة الحاكم بالمحكوم عبر ضمانات وثيقة تجنب المجتمع طريق الدمار، والإفادة من تجارب الآخرين في هذا المجال عظيمة الجدوى واقتباس وسيلة أجنبية لبلوغ مقاصد الشريعة الكبرى، لا يقدح أبدًا في مواريث الدين، وليس دليلًا على عجزه لمواكبة العصر، إنما هو كما قال العلماء: «نقل لوسائل متجددة بطبيعتها لتحقيق الغايات التي جاء بها الدين لإنقاذ النصوص»
إننا نأبى الخلخلة الاجتماعية والثقافية التي ينقلها إلينا عبيد الغرب حين يقترحون علينا أن نأخذ حضارته بما لها وعليها، غير متقيدين بمواريثنا المقدسة وحدودها وآدابها، كما نأبى في الوقت نفسه أن تبقى ثقافتنا الإسلامية عاجزة عن الاجتهاد فيما يخدم مصلحة الأمة ورسالتها، وعلى أولي الألباب والراسخين في العلم مهمة ذلك، عندما نتحدث عن الحرية، لا نتحدث عن التوافه والملذات، إنما نتحدث عن حرية العقل في أن يفكر ويكتشف، عن الحرية التي تزيل العوائق المفتعلة من أمام الفطرة الإنسانية عندما تطلب حقوقها في الأمن والعدل، عن حرية الشعوب التي تجعل المسؤولين يفكرون طويلًا قبل الإقدام على أي عمل صغير أو كبير متصل بالأمة، الحرية التي تعهد لاندثار التافهين وفارغي الرؤوس، وتفسح المجال أمام تألق الذهن وجودة التفكير، هذه هي الحرية التي نريد، وفي غير جوها لن نتنفس إلا دخانًا تختنق الأرواح والأجساد في نطاقه حيث امتد وقبل أن نختنق، على المجددين الإسلاميين الكفاح بحرارة من أجل إصلاح أداة الحكم والمطالبة بدستور يحد من طغيان الأفراد، ويمنح الشعوب القدرة على الحياة بشرف في جو من الشورى الهادئة المتريثة،
إن الآمال معقودة على الرجال الفاقهين في تخليص الأمة من الاستبداد، فإن بقاءه منكر، والتعاون معه جرم، والرضا به مهلكة.