العنوان مصادر الخوف والقلق في السياسة الأمريكية
الكاتب د. مأمون فندي
تاريخ النشر الثلاثاء 05-ديسمبر-1995
مشاهدات 76
نشر في العدد 1178
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 05-ديسمبر-1995
في الوقت الذي تبدو فيه أمريكا الدولة المهيمنة وصاحبة النفوذ الأوحد في عالم جديد على مشارف قرن جديد –كما تبدو صورتها من منظور العرب– تظهر أمريكا للذين يعيشون فيها خائفة ومترددة في خطاها تحاصرها أخطار كثيرة ربما لن تكون قادرة على مواجهتها – ويظهر ذلك جليًا في آراء الساسة الأمريكيين، وكذلك في كتابات من يهتمون بالشؤون العامة في أمريكا وفي إصدارات مراكز الأبحاث التي تتزايد يومًا بعد يوم. في هذا المقال سأحاول توضيح مصادر هذا القلق والتخوف الأمريكي، بهدف أن أنبه لخطر أن يضع القادة العرب كل «البيض في سلة أمريكا»، ذلك لأن المصالح العربية إن اعتمدت اعتمادًا كاملًا على السيادة الأمريكية المترنحة فقد يأتي هذا بخسائر مخيفة، تكون لها دلالات على المدى البعيد على مستقبل الأجيال العربية القادمة.. إن مراعاتنا لحقيقة مفادها أن المنطقة ليست حكرًا لجيل واحد، وأن للأجيال القادمة علينا حق تقتضي تفهمًا واضحًا لمشاكل ومخاوف الدولة الوحيدة التي نتسابق على إرضائها.
نهاية القرن الأمريكي
في عام ١٩٨٧م نشر بول كيندي كتابه المعروف «بزوغ وأفول الدول العظمى» والذي أكد فيه على نهاية ما كان يسمى بـ «القرن الأمريكي» وأن سيطرة أمريكا التي بدأت مع نهاية الحرب العالمية الثانية تتضاءل تدريجيًا، ويرى كيندي أن معضلة أمريكا لا تختلف كثيرًا عن معضلات الدول المسيطرة في عهود سالفة وأن أساس المشكلة هو «أن «أمريكا» تنفق بسخاء على مصادر قوتها العسكرية في الوقت الذي تتضاءل فيه قوتها الاقتصادية» «ص ٥٢٩» (١)
هذا الفارق بين المدخول الاقتصادي الأمريكي والإنفاق العسكري، قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة يمكن حصرها في نقص الاستثمار، وتناقص معدلات النمو الاقتصادي وزيادة في الضرائب، كذلك تسهم في خلق جو سياسي مشحون قد يغلب عليه طابع الصراع حول ماهية الأولويات.
إن رؤية بول كيندي، رغم أن الكثيرين تجاهلوها بعد نهاية الحرب الباردة، ورموها لكونها رؤية تنطبق فقط على الدور الأمريكي أثناء مرحلة الصراع الأمريكي السوفييتي، عادت الآن كي تشكل أحد محاور النقاش الدائر حول قدرة أمريكا على التعامل مع العالم الجديد المعقد المخاطر والمصالح، وكذلك حول قدرة أمريكا على التعامل مع معطيات القرن الواحد والعشرين وما رؤية كيندي هذه إلا واحدة من عديد من الرؤى التي تشير إلى تضاؤل قدرة أمريكا.
تناقص قوة أمريكا الاقتصادية
الإحصاءات الاقتصادية كذلك إن لم تؤكد تناقص في القدرة الاقتصادية الأمريكية، تشير إلى تزايد قدرات الدول المنافسة، فعلى سبيل المثال منذ عام ١٩٥٠م.
تناقصت سيطرة أمريكا على السوق العالمي للصادرات بنسبة 30%، كذلك انخفضت قدرة أمريكا على التنافس حتى في سوقها المحلي، ففي مجال التليفونات مثلًا تضاءلت نسبة أمريكا في السوق المحلي من ٩٩٪ في عام ١٩٧٠م إلى نسبة ٢٥٪ عام ١٩٨٧م، كذلك كان الحال بالنسبة لصناعة المعدات الميكانيكية من ١٠٠٪ عام ۱۹۷۰م إلى ٣٥٪ عام ۱۹۸۷م، وفي مجال الأدوات الإلكترونية، ومنها التلفزيونات الملونة –على سبيل المثال– انخفضت نسبة أمريكا في السوق من ٩٠٪ عام ۱۹۷۰ م إلى ١٠٪ عام ۱۹۸۷
كذلك يذكر إيرل فراي في كتابه «أمريكا غير المحصنة» «إنه في نهاية عام ۱۹۸۷م، كان نصيب أمريكا من المائة شركة تصنيع كبرى في العالم هو ٣٤ شركة، بينما استحوذت اليابان بمفردها على ٥٣ شركة، (ص ٥٠) (٢)
أما نصيب أمريكا من المصارف العالمية الكبرى كان ۱۱ مصرفًا من أصل مائة، بينما استحوذت اليابان على ۲۸ مصرفًا، أي أكثر من الضعف، وجاءت المنافسة الثالثة ألمانيا. رغم صغر حجمها مقارنة بأمريكا، في مركز مساو بنصيب ۱۱ مصرفًا عالميًا.
الانعزالية والانغلاق
هذه المؤشرات خلقت حوارًا أمريكيًا داخليًا حول تناقص قدرة أمريكا الاقتصادية، يتنازعه طرفان أحدهما يدعي بأن خلاص أمريكا مرهون بزيادة قدراتها ومنافستها في الأسواق العالمية، وطرف آخر يدعو أمريكا للانعزال والانكماش على نفسها من أجل استغلال مواردها المصلحة الأمريكيين وحدهم.
هذا الصراع بين طرفي المعادلة الأمريكية جاء واضحًا في الانتخابات الرئاسية السابقة، وكذلك تظهر ملامحه الآن مع بداية حملة انتخابية جديدة من دعاة الانعزالية الأمريكيين كتاب محافظون مثلك باترك بيوكائن، وهذه الدعوة ليست حديثة في أمريكا، فقد بدأت في الظهور بعد الحرب العالمية الأولى، حيث رأى كثير من الأمريكيين أن سياسات التدخل والعالمية هي التي دفعت أمريكا للدخول في تلك الحرب، وتؤدي بعض المشاكل العالمية الآن بكثير من الأمريكيين بالعودة إلى هذا الخط وخصوصًا قضية الهجرة في ولايات في الجنوب الغربي كولايات تكساس وكاليفورنيا، اللتين تعانيان من تدفق المهاجرين من أمريكا اللاتينية وخصوصًا المكسيك، والصين والفلبين، في حالة ولاية كاليفورنيا، أو الكوبيون في حالة ولاية فلوريدا، ويرى حكام هذه الولايات أن المهاجرين وخصوصًا غير القانونيين منهم يمثلون أعباء على اقتصاد تلك الولايات ومؤسساتها الاجتماعية والتعليمية، كذلك يساعد تدفق المهاجرين على زيادة نسبة الجريمة، ولذلك صوت الناخبون في ولاية كاليفورنيا في العام السابق على قانون يحرم المهاجرين غير القانونيين من الخدمات التعليمية والصحية.
هناك سبب آخر يدعو إلى الانعزالية، وهو ما توقعه مركز الإحصاء الوطني بأنه وفي عام ۲۰۲٥ سيكون البيض أقلية في المجتمع الأمريكي، الأمر الذي قد يؤثر على ديانة المجتمع وقيمه، وكذلك لغته الوطنية، حتى أن المرشح الجمهوري بوب دول يقترح أن يجعل اللغة الإنجليزية لغة رسمية للبلاد حال نجاحه، لأنه يرى أن اللغة الإسبانية الآن تمثل خطرًا على اللغة الإنجليزية في ولايات تكساس وكاليفورنيا، وفلوريدا.
ويقول باتريك بيوكائن بأن السماح للمهاجرين من أصول غير بيضاء وغير مسيحية قد يؤدي إلى ما أسماه بحرب حضارية ثقافية داخل الولايات المتحدة ذاتها.
أما السبب الثالث الذي يدفع أمريكا إلى مزيد من الإنعزالية هو «أن تدخلها في مشاكل بعض الدول يجلب الإرهاب إلى الأرض الأمريكية» وهذا يهدف بالطبع إلى منع قبول المهاجرين العرب خصوصًا الفلسطينيين والمصريين منهم، خاصة بعد حادث مركز التجارة العالمي في نيويورك.
دعاة العالمية
ورغم ذلك فما زالت الدعوة إلى عالمية أمريكا قوية مدفوعة برؤى رجال الأعمال، وخصوصًا رؤساء الشركات عابرة القومية التي ترى أن نجاح الاقتصاد الأمريكي مرتبط بأن يكون لأمريكا دور كبير في إدارة شؤون العالم، وتقود هذه الحملة شركات الأسلحة والبنوك.
وتدعم معظم هذه الشركات الحملات الانتخابية للمرشحين الأمريكيين ودور هؤلاء الذين يدعون إلى ارتباط أكثر بين أمريكا والاقتصادات العالمية يصعب شرحه للمواطن العادي، وخصوصًا إذا كانت النتيجة هي موت أمريكيين في البلقان، أو الصومال، أو هاييتي، فالحركات القومية في تلك المناطق تشكل للاستراتيجية الأمريكية كابوسًا في صنع السياسة، وبذلك تطفو على السطح أسئلة كثيرة تتعلق بدعم أمريكا لبعض الدول الحليفة كإسرائيل ومصر وما هو مبرر أن تدفع أمريكا الآن لإسرائيل ثلاثة بلايين دولار سنويًا، هذا علاوة على القروض ذات الامتيازات الخاصة وما الذي يعود على أمريكا من هذا؟
وما هي الفائدة التي سيجنيها المواطن الأمريكي من وراء أن تدفع أمريكا معونة لمصر قدرها ۲,۳ بليون دولار سنويًا؟
هذه الأسئلة محرجة لدعاة التدخل الأمريكي، كذلك هناك نقاش حول دور القوات الأمريكية في البوسنة، ودورهم كذلك في الجولان إذا ما حل سلم بين سوريا وإسرائيل، على دعاة الدور العالمي لأمريكا أن يشرحوا وجهة نظرهم من خلال الإعلام للمواطن الأمريكي، وهذا الشرح يتطلب حصافة خاصة لاسيما إذا ما عرفنا أن الفقر في أمريكا ذاتها، وفي المدن الكبرى على وجه الخصوص في تزايد مستمر، وأن واحدًا من كل عشرة أطفال أمريكيين يعيش تحت خطر الفقر، كذلك كيف يبرر الكونجرس خفض الميزانية، وتقليص المعونات الاجتماعية للفقراء والمسنين، ويدعو في الوقت ذاته لمساعدة إسرائيل، أو إرسال القوات لحفظ السلام في ركن ما من أركان العالم؟
وقد ظهرت على السطح أيضًا أسئلة جديدة عندما وقع الرئيس الأمريكي على اتفاق NAFTA أو السوق الحرة لشمال أمريكا التي تضم الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، وكان سؤال السيادة الخاصة بالدولة هو أهم تلك الأسئلة، فعلى سبيل المثال تقرر الاتفاقية بنسبة محددة للغازات الملوثة للجو لا يجب أن تتعداها المصانع في هذا التجمع، هل يعني ذلك أن يفتش فريق كندي على مستوى الغازات في البيئة الأمريكية اليس ذلك تدخلًا في شؤون دولة ذات سيادة وسؤال سيادة هذا ليس فيما يخص أمريكا وحسب، ولكن سيادة كل الدول في هذا العالم الجديد تتآكل تدريجيًا من خلال وسائل الاتصال والشركات عابرة القوميات والتداخل المالي والاقتصادي إلخ....... فمثلًا في الوقت الذي يطالب فيه كثير من الأمريكيين برفع التعريفة الجمركية على المنتجات القادمة من اليابان والصين وألمانيا، هناك فريق آخر في المجتمع الأمريكي يحذر من أن تدفع اليابان والصين، وألمانيا لاتخاذ إجراءات مماثلة تؤثر على الاقتصاد الأمريكي.
كذلك يتخبط الأمريكيون في رؤيتهم لعالم يزداد التجانس بين دوله وشعوبه، وفي ذات الوقت تزداد حدة التنافر في الدولة الواحدة نتيجة للاختلافات العرقية والثقافية، وإذا كانت القوميات فيما سبق هي مصدر الخلافات بين الدول، نجد أن القوميات الآن هي بؤرة الصراع داخل الدولة الواحدة، وأن زيادة الهجرة ربما تؤدي بأمريكا إلى نفس المصير وتتفتت الدولة من الداخل.
الصناعة المعقدة للسياسة الأمريكية
كذلك يظهر سؤال حول التكنولوجيا وأسلحة الدمار الشامل وقدرة الدول المعادية لأمريكا على امتلاكها، سواء عن طريق الشراء المباشر «حالة إيران، وشراء الصواريخ والغواصات من روسيا» أو تهريب التكنولوجيا المتقدمة.
«إن الخطر يحاصر أمريكا من جوانب كثيرة، وعليها أن تمشي بخطا حثيثة نحو عالم فيه من المخاطر أكثر مما فيه من المكاسب». هذه هي الرؤية التي تشكل طبيعة الحوار في أمريكا حول دورها في عالم جديد متغير، وتزداد الأمور تعقيدًا إذا ما أدركنا أن صناعة السياسة الأمريكية ذاتها معقدة، فلا يوجد شخص واحد –حتى الرئيس– يملك أن يتخذ قرارًا منفردًا في نظام تتقاسم السلطة فيه مؤسسات عدة. ذات رؤى مختلفة في فهمها «للصالح الأمريكي العام» ولها طريقتها الخاصة في الوصول إلى هذا الهدف في إطار استراتيجية كبرى خاصة أيضًا، قد تتفق أو تختلف مع رؤى المؤسسات الأخرى.
فلليمين في الكونجرس مثلًا مفكروه الذين يصورون له العالم الخارجي مرة على أنه صراع حضارات يتحالف فيه المسلمون مع الصينيين ضد الغرب، وبعضهم يصور لهم العالم الخارجي على أنه مليء بالوباءات والأمراض، وكذلك بمحترفي الإرهاب.
وللوسط كذلك مفكروه الذين يرون العالم في إطار اعتماد اقتصادي متبادل بين أوروبا واليابان وأمريكا، وعلى أمريكا أن تقتحم كل الأسواق.
وكذلك للديمقراطيين مفكروهم الذين يصورون لهم العالم على أنه في انتظار رؤية أخلاقية أمريكية، وعلى الأمريكيين أن يعلموا فقراء العالم أساليب الحياة الأمريكية، وأن ذلك هو الطريق الوحيد لمنع الهجرة، وفي ظل هذا التخبط تجيء القرارات الأمريكية متضاربة، وأحيانًا تؤخذ القرارات في التو واللحظة، وفي أحيان أخرى متجانسة مع الصالح العام. ولم يعد الحوار في أمريكا حول متغيرات السياسة الأمريكية فقط.
ففي بعض الأحيان وصل الحوار إلى ما يمكن أن يعتبر ثابتًا أساسيًا في التخديم على صناع القرار الأمريكيين كمؤسسة الاستخبارات الأمريكية CIA، ففي مقابلة صحفية مع مدير الـ CIA جون دويتش حول الأولويات في السياسة الخارجية الأمريكية قال: إن إدارته تولي اهتمامًا خاصًا بجمع المعلومات حول قضايا الأمن الاقتصادي، وكذلك تولي اهتمامًا خاصًا للإرهاب وتجارة المخدرات، ومع ذلك في رده على دويتش قال السيناتور باترك مونهان «ديمقراطي – نيويورك»: إن هذه الوظائف لا تحتاج إلى وكالة CIA كاملة للتعامل معها، فيرى مونهان أن دور الـ CIA قد انتهى (۳)
فهل كان منا من يتصور أن يدور الحديث حول بقاء الCIA وإلغائها، هذا ما وصل إليه الحوار الأمريكي الداخلي، وهذا ما تفرضه معطيات عالم متغير، وبدايات قرن جديد، يتملك فيه الخوف أكبر دولة في العالم: فما بالك بالدول المتوسطة والدول الصغيرة وما هي مدلولات هذا الحوار على السياسة الأمريكية في القرن القادم، وعلى مؤسسات صناعة السياسة الأمريكية تلك أسئلة لابد وأن يدور حولها نقاش عربي أيضًا..