العنوان مشهد تاريخي.. وتضيء قناديل العدل مکة
الكاتب شاكر عمر قبا
تاريخ النشر الثلاثاء 15-أبريل-1975
مشاهدات 92
نشر في العدد 245
نشر في الصفحة 15
الثلاثاء 15-أبريل-1975
دخل المسلمون مكة وهم يهتفون: «جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا» وقريش ملأت المسجد صفوفًا تنتظر ماذا يصنع، ثم يقف الرسول صلى الله عليه وسلم خطيبًا فيهم: «يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم»؟
فتنطلق الذكريات من عالم غابر، مثقلة بصنوف التعذيب والتنكيل، مسربلة بالدماء. فيشيح القرشيون عن هذه الصور المؤلمة، ولكن تتسرب إلى آذانهم قيثارة تنزف!... كيف يعرضون عن قصيدة هم ناظموها.. كيف يشيحون عن قواف انتقوا كلماتها من قواميس الظلم والعدوان!!
هل يسمعون ما يقوله محمد؟
«ما ترون أني فاعل بكم»؟
ينظرون إليه نظرات تومیء بالهوان.. لكم قابلوا هذا الوجه الكريم بالإعراض، والسخرية، والعدوان. حاربوه بشتى صنوف التعذيب، وصور التعذيب قريبة العهد ميلادها الأمس القريب!!
صور تجسد رحلة الألم في طريق العذاب يسير فيه دامية قدماه.
وتردد الأرجاء صوت محمد:
«ما ترون أني فاعل بكم»؟
نجيل أبصارنا في تلك الشخوص الشاخصة فنلمح نوافذ ترشح دموعًا! وأخرى ارتسم عليها الذهول.
ما زالت الأصداء تردد كلمة الرسول: «ما ترون أني فاعل بكم»؟
فيستجمع القرشيون قواهم قائلين: أخ كريم وابن أخ كريم!!
.. وتنفلت من أحشاء التاريخ كلمات وكلمات ساحر!... كاهن! ... أبتر! ... ثم يعلو الصوت يعم الأرجاء، وهربًا من هذا الصوت يجعلون أصابعهم في آذانهم، ولكن هذا الصوت القوي يسمع مع هذا.. إنه يا للغرابة ينبع من داخلهم!.. تنفجر كلماته من أعماقهم!
.. ومن خزانة الذكريات تتطاير صحف مكة ويحاول القرشيون جمع الحقائق المبعثرة جاهدين دفن الحقائق وكبت الوقائع. ولكن هلا سأل القرشيون أنفسهم: ألم تحفر في جدران ضمائرهم؟
ألم تنحت في ضمير التاريخ؟
«ما ترون أني فاعل بكم»؟
...ولكن ماذا فعل القرشيون به وبأصحابه؟
وتبدو أمامهم مواكب التعذيب.. «يفرشون» في طريق الرسول الشوك يلقون عليه القاذورات ويطلقون عليه ألقاب السحر والكهانة. أما أصحابه فإن صورة بلال لا تفارقهم وهـم يبطحونه على الرمضاء في حر مكة.. يلبسونه درع حديد حتى يزيد النار ضرامًا! ولا تكتفي قريش بهذا بل يضعون في عنقه حبلا ويسلمونه للصبيان يطوفون به!
وهل نسيت قريش تضييقها العيش على محمد وأصحابه.. حين تعاهد القرشيون تلك المعاهدة التي أسفرت عن مقاطعة محمد وأهله؟.. كيف فرضوا عليهم حصارًا امتد ثلاث سنوات في شِعب أبي طالب، فلا تحرك صيحات الأطفال القلوب ولا الضمائر!!
... وما من مؤمن في مكة إلا وحاربته قريش في رزقه، واضطهدته من أجل عقيدته، فهاجر نفر من المؤمنين، بحثًا عن ركن قصي لا تمتد إليه أيدي القرشيين ففارقوا ديارهم وأهليهم وذكرياتهم، راحلين في دنيا الاغتراب.. صابرين على جمر الغربة ولكن قريشًا لم تشأ أن «يستمتع» هؤلاء «براحة» الغربة! أو أن «ينعموا» «بمباهج» الاغتراب!!
فأرسلت وفدًا تطلب هؤلاء الغرباء!!
تواصل قريش معارضتها العنيفة لمحمد صلى الله عليه وسلم وما أن تشعر أن أصحابه بدأوا يهاجرون إلى المدينة حتى تصمم على إحباط هذا المخطط، فتخير المسلم بين الهجرة ومصادرة أمواله وأملاكه. فيختار المسلم أن تصادر أمواله لا أن تصادر الهجرة.
وترى قريش أن الفرصة سانحة لاغتيال محمد فتطوق بيته حتى لا يفلت منها.. ولكنه يفلت فتطارده، بل ترصد الجوائز لمن يجيء به! تواصل سعيها الدؤوب فلا تترك ممرًا أو تلاً وعرًا أو جبلاً أو غارًا تظن أنه طرقه أو دخله.
ثم تبدأ مرحلة أخرى...
ففي المدينة حيث الأتباع والشوكة، تخوض قريش حروبًا يائسة من أجل إزهاق دعوته.
فتضع قريش يدها في أيدي اليهود، أولئك الذين امتصوا خيرات المدينة على حين غفلة من أهلها.. ولما حط محمد رحاله بالمدينة أدركت الجالية اليهودية أن نهايتها قد شارفت!
لأجل هذا دعمت جبهة الرفض اليهودية بالقرشيين للقضاء على محمد ودعوته.
لقد رمت جبهة الرفض عن قوس واحدة، ولكم تعرض المسلمون لحلول تصفوية.. كما زلزلت الأرض تحت أقدامهم فشنت عليهم حربًا نفسية، حتى حار الذين كانت حصيلتهم من الإيمان ضئيلة.
أما جمهور المسلمين لم يستسلموا للحلول الانهزامية.. بل تدثروا بأغطية الصبر متطلعين نحو غد تشرق فيه الأرض بالإيمان.
ترنو عيونهم نحو أفق تنبع من عيونه البشرى لأمة الإيمان.. تطوف بهم الذكريات الأليمة.. تصور المشاهد العصيبة. هذا محمد يبني جسورًا سليمة حقنًا للدماء، وتهيئة لمناخ صالح لإجراء حوار فكري سياسي اجتماعي.. حتى يضعوا خاتمة لحياة عربد في عرصاتها اللافكر! ونبت في ساحاتها الانحلال، فذاقت مذاقه الحنظلي طلائع الأخلاق من الحنفاء فلاذت بالعزلة.
ومع هذا فقريش لغمت أرض المعاهدات بألغام الغدر والعدوان!!
يأتي صوت محمد قويًّا: «ما ترون أني فاعل بكم»؟
.. فتظهر أمامهم لوحة أحد فيصيح القريشيون لا.. لا.. لا.. ولكن اللوحة أقوى من لاءات قريش هذه اللوحة التي يغلب عليها الأحمر القاني.. تجسد عدوان قريش وهي تعدو مستهدفة قتل محمد، فتجد متاريس بشرية ... يتساقط بعضها دفاعًا عن بني الإسلام.. وإبقاء لرائد الدعاة ولكنْ قريش تنال من محمد، فتكسر رباعيته اليمنى والسفلى كما هشمت البيضة في رأسه!
... تمعن قريش في لوحة أحد فتزداد ضربات القلوب، وتتفصد الجباه عرقًا وهي تلمح محمدًا بين شهداء أحد ... يقف أمام عمه حمزة المضرج بالدماء لقد رسمت قريش أحقادها على جسد حمزة.. فبقرت بطنه، ولاكت كبده.
لقد مثّلت بحمزة أبشع تمثيل.
فتتطلع القلوب إلى محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام فيأتي صوتًا قويًّا:
«فإني أقول لكم كما قال يوسف لإخوته: لا تثريب عليكم اليوم اذهبوا فأنتم الطلقاء».