; مشكلتي- قلة التحصيل الدراسي | مجلة المجتمع

العنوان مشكلتي- قلة التحصيل الدراسي

الكاتب د. يحيى عثمان

تاريخ النشر السبت 28-مايو-2011

مشاهدات 76

نشر في العدد 1954

نشر في الصفحة 52

السبت 28-مايو-2011

  • «التركيز».. عبارة عن توجيه الطاقة الذهنية نحو موضوع محدد وأولى خطواته تعيين الموضوع محل الفكر ثم إعمال العمليات الذهنية نحو الغاية المستهدفة ثم التدريب على استرجاعها
  • ضعف درجة التركيز قد تكون لأسباب عارضة مثل: الانشغال الطارئ أو الإجهاد الذهني أو العضوي أو تعاطي بعض الأدوية

أنا طالبة في الثانوية العامة الصف العاشر، أعاني من مشكلة قلة التحصيل الدراسي على الرغم من أني كنت من الأُوَل في الابتدائية، أريد نصائح تساعدني على أن أتقدم وأحسّن من تحصيلي الدراسي كما كنت سابقًا، خصوصًا وأنا حسنة الأخلاق، وبفضل الله من عائلة ملتزمة.

كما أنني أوشكت على إنهاء حفظ القرآن الكريم، وحفظي للقرآن يساعدني على تنشيط الذاكرة وأتميز بقوة الملاحظة، لكني ضعيفة التركيز، ضعيفة البنية الجسمية، لذلك أرهق بسرعة ولا أستطيع الدراسة لوقت طويل، وأحيانًا لا أستطيع التوفيق بين حلقات القرآن والدراسة، وأُقْهَر بشدة عندما أرى من هن أسوأ مني خلقًا، وأقل في المستوى الدراسي يحصلن على درجات أعلى «بالغش»، وأنا لا ألجأ للغش مهما كان الأمر، لكن استسهلت الأمر؛ لأن كلهن حولي - إلا القلة - يفعلن هذا الأمر لتكميل درجاتهن.

وعندي مشكلة أخرى أني لا أستطيع اختيار صديقاتي، خصوصًا أن كل سنة - لسوء حظي - أكون في صف تكن كل زميلاتي فكرهن لا يتناسب مع فكري، أو غير «مهذبات آسفة على اللفظ»، وأنا كنت أنصحهن؛ لكن دون فائدة أو استجابة وكن يقلن: إني معقدة ولا يوجد في حياتي إلا القرآن؛ لمجرد رؤيتهن لي أراجع الحفظ في الحصص الاحتياطية، وأنا أتجنبهن وأفضل انطوائي على أن أجلس مع هؤلاء البنات ولا يجمعني بهن إلا المشاريع.. وفي بعض السنوات ارتفع مستواي الدراسي؛ لأن في هذه السنة كانت صديقاتي في المدرسة هن زميلاتي في حفظ القرآن، فكان حديثنا مثمرًا ومفيدًا وكنت سعيدة بهذه الصحبة، وكان التنافس بيننا في الدراسة والقرآن، أتمنى أن تفيدوني وجزاكم الله خيرًا.

 التحليل

التركيز هو توجيه الطاقة الذهنية نحو موضوع ما، وأولى خطوات التركيز تعيين الموضوع محل الفكر، ثم إعمال العمليات الذهنية نحو الغاية المستهدفة، والتي قد تكون حفظًا «أي استيعاب المادة المراد تخزينها»، ومن ثم التدريب على استرجاعها، والتي قد تكون مادة نصية كحفظ كتاب الله أو شكلية مثل الخرائط أو معالم الطريق، أو ملامح شخص ما أو طريق أو منهجية ما: مثل طريق إعداد طعام، أو تحضير مركب كيميائي.. إلخ. وقد تكون استنتاج خلاصة، أو ما يُعرف بالمعلومات من البيانات نتيجة إجراء التحليلات بأنواعها المختلفة، وهناك العديد من أنواع المجموعات الذهنية التي تتأثر كفاءتها، والوقت المستغرق لاستيعابها على درجة تركيزنا، وضعف درجة التركيز قد تكون لأسباب عارضة مثل: الانشغال الطارئ بموضوع ما، أو الإجهاد الذهني أو العضوي أو تعاطي بعض الأدوية، أو الحالة النفسية نتيجة حدث مفاجئ فرحًا أو حزنًا... إلخ، وبالتالي فليس لها أي أثر إلا أثرًا لحظيًا ثم سرعان ما يعود الإنسان إلى حالته الطبيعية من التركيز بزوال السبب.

لكن هناك حالات شبه مستديمة يمكن تقسيمها إلى نوعين:

النوع الأول: خاص بالصحة البدنية مثل الأنيميا الحادة حيث يؤثر نقص الهيموجلوبين على المعدل اللازم لتزويد المخ بالأكسجين الذي يتأثر أيضًا بمدى انتظام الدورة الدموية، ووصول الدم بالقدر المناسب للمخ، كما أن اختلال معدلات بعض الأملاح والأنزيمات، وكذلك بعض الغدد الصماء مثل الغدة الدرقية تؤدي إلى اضطراب القدرة الذهنية على التركيز.

النوع الثاني: خاص بالصحة النفسية بصفة عامة، تؤثر معظم الأمراض النفسية على قدرة الذهن على التركيز مثل أمراض الاكتئاب والوسواس القهري والهوس والزهايمر.

وهناك أيضًا أسباب طارئة تؤثر على قدرتنا الذهنية على التركيز وهي نوعان النوع الأول خاص بتهيئة أنفسنا على التركيز، ويتطلب ذلك ما يلي:

 1- إفراغ الذهن من كل الموضوعات التي تشده أو على الأقل تجميدها:

 إن انشغال الذهن بموضوع أو أكثر غير الذي يركز عليه يؤثر في درجة تركيزه، فإما أن الموضوع الذي يشد ذهننا أكثر أهمية لنا، فلا بد من اتخاذ قرار بشأنه وإنهائه، وإن كنا لا نستطيع أن نتخذ قرارًا بشأنه، فلا بد من تجميده وإفراغ الذهن منه كلية؛ لأن سيطرته علينا يؤرقنا ويشتت ذهننا ويستهلك طاقتنا في اللاشيء، ونفقد التركيز في الموضوع الراهن.

إن الثقة في وعد الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ (الكهف:30)، والحديث القدسي: «أنا عند ظن عبدي بي، فليظن عبدي ما شاء»، والحديث الشريف الذي رواه معاذ ابن جبل: «ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، واعلم أنه لو اجتمع القوم على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف». لذا، فإذا علم المؤمن أن واجبه الاستشارة والاستخارة قبل الأمر، ثم بذل الجهد مع الدعاء، ويسلم أمره لله جل وعلا، فلم يحمل الهم ويتخوف من الغد؟ وقد قال الحسن البصري: «علمت أن رزقي لن يأخذه غيري فاطمأن قلبي وعلمت أن عملي لن يسأل عنه غيري، فاشتغلت به».

إذًا لا بد من الرفق بعقولنا ولا نحملها ما لا طاقة لها به.

 ٢ - بيان قيمة ما أفكر به، فإما أنه ذو قيمة لي فأنجزه وإما فلا:

إن بيان قيمة الموضوع الذي أتناوله يساعد على التركيز الذهني، وشحذ الهمة نحو إنجازه، وإطلاق الطاقات الكامنة نحو الإبداع والتميز فيه.

 3- من المهم أيضًا ترتيب الموضوعات وجدولتها طبقًا لأهميتها النسبية، وإمكاناتنا على إنجازها في الوقت المحدد:

إن عدم ترتيب مهماتنا يجعلنا نبدأ بموضوع ما، ولكن ذهننا يكون مشغولًا بباقي الموضوعات، ومشتتًا وسرعان ما نترك الموضوع الذي بدأناه قبل أن ننجزه فنبدأ بآخر الذي لن يكون حظه أفضل من سابقه، فنتركه ونبدأ بثالث وهكذا نشتت جهودنا نتيجة عدم التركيز.

 4- تحسين الصورة الذهنية عن الذات:

نحن نتصرف بناء عن معتقداتنا عن أنفسنا، فتصوراتنا عن أنفسنا أننا قادرون على أن نركز ذهننا، وننجز مهماتنا بكفاءة يساعدنا على إطلاق الطاقات الكامنة في ذواتنا، فمن المهم إرسال رسائل إيجابية لذهننا، إنه قوي وذو إرادة حديدية وعزيمة، فهذا يحسن من صورتنا الذهنية ومن ثم نكون مهيئين أنفسنا على التركيز، أما الرسائل السلبية «أنا مشتت»، «ليس لدي القدرة على التركيز كلية»، فهي تدمر قدراتنا وتهدر طاقاتنا قبل أن نبدأ أي مهمة فتخور عزيمتنا. لذا؛ فالحذر كل الحذر من الرسائل الذاتية السلبية؛ لأنها سرعان ما تتحول إلى واقع نصدقه رغم أننا نحن الذين نضعه.

 5- تجزئة الموضوع إلى موضوعات فرعية:

قد يكون الموضوع محل الاهتمام كبيرًا ومتشعبًا بحيث يصعب على الذهن الإلمام به كلية، أما إذا جزئ إلى موضوعات فرعية بحيث يسهل التعامل مع كل جزئية، ومن ثم ربطها جميعًا معًا تحقيقًا للغاية المقصودة، مثال لذلك: الطالب الذي يجمع كل المواد الدراسية على المكتب وأمام هدفه، وهو النجاح في كل هذه المواد يشتت ذهنه بين تجارب الكيمياء، وحفظ الشعر وكتابة مقال باللغة الأجنبية، لكن إذا أعمل ذهنه في كل مادة على حدة ثم جزاها إلى معلومات نظرية يجب فهمها، ثم تدريبات عملية يتقن مهارتها، ثم اختبارات يتدرب على حلها، ثم يتناول كل جانب من ذلك ويقسم إلى موضوعات فرعية بحيث يسهل عليه تركيز ذهنه فيها، والإلمام بها بمشيئة الله.

 ٦ - استعمال أكبر قدر من الحواس كلما أمكن ذلك:

إن قراءة الموضوع بصوت مسموع وإعادته مع الكتابة واستخدام الرسومات والألوان والأشكال الحسية؛ يشد ذهن الإنسان ويساعده على تركيز ذهنه في الموضوع محل الاهتمام.

 7- تسجيل الأفكار الشاردة:

 كثيرًا ما يحدث أن يقتحم ذهننا ونحن نركز في موضوع ما أفكار عارضة لا علاقة لها بما نحن نركز عليه، وقد تكون هذه الأفكار رائعة ولكن من الخطأ ترك ما نحن مشتغلون به، والتطرق إليها والخطأ الأكبر أن نهملها، لذا فمن المهم أن نسجلها بسرعة في ورقة منفصلة بأي طريقة سواء كلمة أو شكل أو إشارة ما بحيث يمكن لنا أن نستدعيها عند فراغنا مما نحن مشتغلون به.

 8- التدريبات الذهنية تقوي الذهن:

هناك العديد من التدريبات الذهنية التي تساعد على تقوية الذهن مثل لعبة الشطرنج، وألعاب الأرقام والأشكال، وكذلك قصص الألغاز، والعقل والمولى جل وعلا خلق لنا ١٥ مليار خلية عصبية تتواصل فيما بينها بالشعيرات العصبية حتى نتمكن من إنجاز العمليات العقلية، والتي بدورها تحفز الشعيرات العصبية على النمو وربط أكبر قدر ممكن بين الخلايا العصبية وكأنها شبكة طرق متداخلة بين المناطق المختلفة، وكلما زادت تحسنت قدراتنا الذهنية، وهي تعكس خبراتنا ونوعياتها، فمثلًا الطالب الذي يفضل الرياضيات على الآداب تنمو الشعيرات العصبية في الجزء الأيسر من المخ، وتتشعب على حساب الجزء الأيمن، لذا فنحن المسؤولون عن تقوية درجة تركيزنا.

 ٩ - تلبية الاحتياجات العضوية والنفسية:

فاحتياجات البدن الملحة مثل الأكل والشرب والبرد والحر والغائط.. وكذلك الحب والحنان والاطمئنان والشعور بالأمان النفسي... إلخ، كل ذلك يؤثر على درجة تركيزنا.

الجزء الآخر خاص بالبيئة التي نحن بها، فوجود مؤثرات قد تشتت اهتماماتنا مثل الأصوات المختلفة، أو تغيرات، أو ألوان، أو أشكال غير تقليدية، وكذلك عنصر المفاجأة كل ذلك يؤثر سلبًا على قدرتنا التركيزية.

 الحل

ابنتي الفاضلة، جزاك الله خيرًا على حفظك لكتاب الله، ونسأل الله أن يبارك في والديك، وأن يجمعكم في الفردوس الأعلى، واضح أن حالة التركيز التي تعانين منها حالة طارئة، بل إنك تتمتعين بقوة تركيز عالية، بدليل أنك أوشكت على حفظ القرآن الكريم، وقوة ملاحظتك كما تقولين، ولكن ربما تعانين اضطرابات بدنية هي التي تؤثر سلبا عليك، فحالة ضعف البدن، وسرعة الإرهاق، وضعف القدرة على الدراسة لوقت كاف، وأنت في هذه المرحلة التي تتميز بالحيوية والانطلاق هذا يتطلب فحصك طبيا، وعمل التحليلات المناسبة، وعسى أن يكون مجرد «أنيميا» سرعان ما تزول بفضل الله بعلاج بسيط.

أما إنك لا تستطيعين التوفيق بين حلقات تحفيظ القرآن والمذاكرة، فرغم قيمة إتمامك لحفظ القرآن فإن تحصيلك الدراسي مهم أيضًا، ويمكن تقليل معدل حضورك للحلقات إلى مرة واحدة أسبوعيًا، وتقليل كمية الحفظ إلى النصف أو الثلث بحيث تتمكنين من توجيه الجهد المناسب لتحقيق تميزك الدراسي، لأننا محتاجون للطبيبة والمدرَّسة والتي تعمل بالقرآن الكريم في كل حياتها.

أما موضوع الغش، فيكفي قول الرسول ﷺ: «من غشنا فليس منا»، وطبعًا هو سلوك سيئ ويجب حرص كل العاملين بالتربية على مكافحته؛ لأنه يحدث خللًا خطيرًا في قيم الطالب تؤثر على قيمه في تعامله مع المجتمع بعد تخرجه، وجزاك الله خيرًا على قيمك النبيلة، وهذا هو نهج فتاة صالحة تحرص على مرضاة الله، فلا قيمة لأعلى الدرجات بالغش، ويكفي أن الغشاش يحتقر ذاته داخليا، رغم ما قد يجده من إشادة بالدرجات العليا التي سرقها، ولا يلجأ للغش إلا ضعيف النفس أما من يجد في نفسه الإباء والعزة فلا يرضى لنفسه إلا القيمة، وإن أخفق في الامتحان فيمكن تعويضه ولكن إذا فقدت القيمة!

الأصدقاء نعمة وفضل ورزق من الله وخير وبركة أن يجد المرء نفسه في بيئة وصحبة صالحة تعينه على ذكر الله ولكن لله الحكمة البالغة، فقد يبتلى المرء بصحبة في الدراسة غير ملتزمين ولكن فتاة مثلك يكون هذا خيرا، وفضلا من الله عليها حتى تكسب الحسنات وتمارس دعوتهن للخير.

يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لأن يهدي بك الله رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم». 

فهي فرصة لك بالتودد لهن بالحديث الطيب والطرفة الهادفة والهدايا، وإن قلت قيمتها، مثل إيشارب «غطاء للرأس»، أو قلم، أو كارت عليه كلمة رقيقة في إحدى المناسبات، ثم دعوتهن لمكارم الأخلاق وقيمة حفظ آية من كتاب الله، وإذا ما وجدت منهن الإعراض والسخرية فتذكري الحكمة الإلهية: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ  وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ (فصلت:34-35).

فلا بد من الصبر، يجب أن يتميز حفظة كتاب الله بسمو الخلق وعلو الهمة، وإعطاء المثل، والنموذج كيف يكون المسلم أسأل الله أن يبارك فيك، وتكوني من خيرة المتفوقات في الدارين.

 أرسل مشكلتك أو أسئلتك باسمك أو بالأحرف الأولى من اسمك على:

Moshkelty1@gmail.com

ستجد الحل على هذه الصفحة

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1282

88

الثلاثاء 30-ديسمبر-1997

المجتمع الأسري: 1282

نشر في العدد 1336

108

الثلاثاء 02-فبراير-1999

المجتمع التربوي (عدد 1336)