; مشكلة جنوب السودان: هل يستفيد الغرب لتفجيرها من جديد؟ | مجلة المجتمع

العنوان مشكلة جنوب السودان: هل يستفيد الغرب لتفجيرها من جديد؟

الكاتب عبدالله الخطيب

تاريخ النشر الثلاثاء 27-أكتوبر-1981

مشاهدات 121

نشر في العدد 548

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 27-أكتوبر-1981

الهدف الصليبي الاستعماري تطويق معظم المواقع الاستراتيجية في القارة الأفريقية بالحزام النصراني

المشكل في جنوب السودان قديم تم بتخطيط صليبي بريطاني منذ أيام الاحتلال في الربع الأول من هذا القرن

قبل سنوات حصلت البداية الغربية الاستعمارية بواسطة أمريكا وبريطانيا وألمانيا الغربية حيث بدأت بتفجير مشكلة جنوب السودان عندما قام الانفصاليون بالأسلحة والذخيرة معلنين انفصال الجنوب عن السودان، والجنوب السوداني غني بموارده الطبيعية التي يسيل لها لعاب الغرب كما أن النشاط التبشيري المسيحي قد استطاع من خلال تغلغله وتنصير مجموعة كبيرة من السودانيين بلغت في سنة ‎1955 30.000 ألف من المذهب البروتستانت و 200.000 ألف من المذهب الكاثوليكي المسيحي أن يثبت جذوره أما الآن فقد بلغت أعداد المسيحيين في السودان أضعافًا مضاعفة وتركزت في الجنوب كقوة قابلة للانفصال من جديد.

ولقد دأبت بريطانيا منذ سنة ‎١٩٢٢‏ على إيجاد مناطق يحرم على السودانيين الشماليين والأجانب دخولها إلا بإذن من المديرية وأطلق عليها اسم الجهات المقفلة، بحجة أن هذه المنطقة وهي جنوب السودان لا تصلح للسير وفق نظام الإدارة المحلي بسبب تأخر سكانها عن الشمال وأنها مناطق متخلفة.

ثم أكدت بريطانيا على تعميق جذور الانفصال عندما وضعت سياسة خاصة تقوم على الاختلاف بين الجنس الزنجي في الجنوب والجنس العربي في شمال السودان ووضعت الشروط الخاصة المبدئية وهي:

1-إقصاء المتكلمين بالعربية عن الوظائف الإدارية والفنية بالجنوب.

2- منع الهجرة من الشمال.

3- استعمال اللغة الإنجليزية للتفاهم العام.

وقد أدى ذلك إلى عودة السوداني العربي إلى الشمال، كما أدى إلى منع المسلمين من أدى شعائرهم الإسلامية علنًا وإلى منع تدريس اللغة العربية في المدارس الجنوبية ومنع ارتداء الزي العربي.

- ثم تحركت الإرساليات التبشيرية المسيحية بكل قوة بمساندة الإنجليز واستطاعت احتواء الشباب السوداني في الجنوب مع تربية الأطفال تربيه انفصالية وتدريب كوادر مسيحيه سودانية على السياسة ليكونوا بذلك نواة الانفصال.

وفي 16‏ آب أغسطس ‎١٩٥٥‏ عندما قرر البرلمان السوداني جلاء القوات الأجنبية وصلت إشارة بعد يومين من القائد العام لقوة الدفاع السوداني بوجود تمرد في الجنوب حيث قامت الفرقة الجنوبية بكسر مخازن الأسلحة في «توريت» والاستيلاء على السلاح وكانت هذه التحركات بإيعاز من الحكومة الأوغندية آنذاك وحصلت اشتباكات عنيفة راح ضحيتها 400‏ قتيل وانتهت بسيطرة القوات الشمالية على الوضع في الجنوب.

ولم تكتف بريطانيا بما تم بل حركت الأحقاد الاستعمارية الوضع من جديد ولكن بداية هذه المرة كانت من المناطق المحيطة بالسودان مثل أوغندا وكينيا حيث بعثت بريطانيا بالمرتزقة ليقوموا بالاتصال بالعناصر الجنوبية وتحريك المشكلة من جديد.

وفي سنة ‎١٩٦٢‏ تم إصدار قانون لتنظيم عمل الهيئات التبشيرية في الجنوب وضم مدارسها إلى وزارة المعارف السودانية الأمر الذي أثار الجنوبيين فحدثت عمليات نهب وسرقات وبوادر تمرد جنوبي جديد وتطور الوضع حيث دخل المرتزقة المدربون على أحدث الأسلحة عبر التسلسل من كينيا وأوغندا لمساندة الانفصاليين فتحركت القوات السودانية من جديد لقمع هذه الفئات الجنوبية بالقوة وطلبت من الحكومات المجاورة عدم السماح للمرتزقة بالتسلسل إلى الأراضي السودانية عبر حدودهم وأصدرت الحكومة السودانية قرارها بطرد المبشرين المسيحيين فورًا خارج الأراضي السودانية وفر 150‏ ألف جندي انفصالي جنوبي إلى أوغندا والكونغو وكينيا وانتهى التمرد وتمت سيطرة القوات السودانية الشمالية على الوضع.

وبعد ذلك عقد مؤتمر (المائدة المستديرة) لحل مشكلة الجنوب سنة ‎١٩٦٥‏ بداية الحل الفاشل للمشكلة حيث رفض حزب «جبهة الجنوب الحر» وحزب الوحدة اللذان يمثلان الغالبية المسيحية الحضور، وقد أقر المؤتمر ضرورة الوحدة السودانية وإعادة الأوضاع في الجنوب إلى حالتها الطبيعية بما يضمن مصالح الجنوب وإلغاء روح التفرقة بين الشمال والجنوب السوداني.

وتحرك «جري جادين» الانفصالي الأول بإجراء اتصالات مع تشومبى لإمداد المتمردين بالأسلحة ودعا إلى مؤتمر كمبالا بأوغندا، مايو 1965‏ بعد المؤتمر الذي عقد للتوفيق بين «الشمال والجنوب» حيث أكد مؤتمر كمبالا علي رفض الاعتراف بالجمعية التأسيسية المكونة من نتائج الانتخابات التي جرت في الشمال ما لم يمثل فيها الجنوب، وبهذا استمر الوضع وعندما استولى «جعفر نميري» على السلطة كان أول تحرك له بعد أسبوعين بمنح الحكم الذاتي للجنوب سنة ‎١٩٦٩‏ وسعى نحو التحرك الإيجابي الذي حدد في سنة ‎١٩٧٢‏ موعدا لممارسة الحكم الذاتي في الجنوب.

وكان استيلاء الرئيس الأوغندي السابق عيدي أمين على مقاليد الحكم في أوغندا أكبر ضربة للجنوبيين السودانيين حيث سعى إلى ضرب الحركات التبشيرية في أوغندا وضرب الذين يمدون الانفصاليين في الجنوب السوداني بالأسلحة. وسعى إلى رفض حلف «شرق أفريقيا» بين «أوغندا- وتنزانيا – وكينيا» وانسحابه منه الأمر الذي جعل الرئيس جعفر النميري يقوم بزيارات إلى كل من كينيا وتنزانيا للطلب من رؤساء هذه الدول عدم مساندة الجنوب للانفصال عن السودان وتمت اتفاقات مبدئية بهذا الشأن الأمر الذي لم ترض عنه بريطانيا وأمريكا فحركت القسيس «جوليس نيريرى» حاكم تنزانيا إلى افتعال أزمة على الحدود الأوغندية الأمر الذي سعى معه عيدي أمين إلى طلب قوات ليبية للتدخل ضد تنزانيا الأمر الذي أدى إلى حصر القوات التنزانية ونهاية الحرب الأولى بالنصر الأوغندي على تنزانيا.

وهذا الأمر لم يرض عنه «جوليس نيريرۍ» الذي سعى لإجراء الاتصالات السرية مع روسيا بأن يقوم بمساندة الثوار الماركسيين على أن يمنع الاتحاد السوفيتي ليبيا من التدخل لمساعدة أوغندا‏ في حالة حربها مع تنزانيا الأمر الذي مهد بعد ذلك لنجاح المخطط البريطاني بالإطاحة بالرئيس الأوغندي عيدي أمين والاستيلاء على أوغندا. ثم مهد بعد ذلك للعمل من أجل عودة الحلف المكون من حكومات شرق أفريقيا الثلاث «أوغندا- كينيا- تنزانيا» تحت مباركة بريطانيا وأمريكا حتى يتم إيجاد ذلك السند القوي للمخططات الإمبريالية على المدى البعيد بوجود الحزام الأمني المساند لحلف الأطلسي من ناحية- ومن أجل مساندة ثوار الجنوب السوداني لاحتمالات المستقبل والمحافظة على فتيل قابل للانفجار في السودان يتم تحريكه بأي لحظه.

وتمت الأمور تحت قلق جعفر نميري الذي كان ينتظر اللحظة حتى يثبت لأسياده الأمريكان مدى ولائه لهم وظن ذلك من خلال مساندة ثوار أريتريا ضد حكومة منغستو الأثيوبية الأمر الذي أوقعه بمشاكل حدودية أصبحت مصدر خطر على السودان مما حدا بجعفر نميري بالقيام بزيارة لأثيوبيا لإنهاء مصدر الخطر وإعلان تخليه عن مساندة الثوار الأرتيريين- وبقي الخطر الليبي الذي حصل بتدخل قواته في تشاد المحرك الأول الذي حرك جعفر نميري للارتماء في أحضان السادات بكل قوة بل وللمرة الأولى يطلب من أمريكا إنشاء قواعد عسكرية في السودان بكل مذلة بل ويعتب على أمريكا لعدم قيامها بذلك الأمر، وكل ذلك حتى يضمن بقاء كرسي الحكم في يده وحتى لا يحرك حلف شرق أفريقيا مشكلة الجنوب من جديد.

وهكذا أبقى التحالف الاستعماري مشكلة الجنوب لتكون مصدر الضغط علن السودان في الوقت الحالي على أقل تقدير، أما احتمالات المستقبل فإذا ظهرت الدولة المسيحية في مصر وهذا الاحتمال تضعه الدول الغربية نصب أعينها، ووصول المسيحية إلى السلطة بمساندة الغرب لن يمنع ذلك احتمالين الأول انضمام الجنوب السوداني إلى القيادة المسيحية المصرية المحتملة أو المطالبة بالانفصال من جديد عن السودان الشمالي.

على أن هذا الأمر يجعل جعفر نميري يراقب الأحداث بقلق فهو ينظر إلى بقاء السادات في الحكم على أنه بقاء له في حكمه للسودان أما إذا حدثت ثورة على السادات فسيعني ذلك اهتزاز حكمه وسقوطه ولذلك فهو يطلب رغم تجاهل الأمريكان إنشاء قواعد لهم في بلاده ليس حبًا فيهم ولكن حتى يضمن الحماية الأمريكية له ولحمايته من السقوط ويكفي الاطلاع على خريطة القارة الأفريقية حتى نعرف المخطط الأمريكي الذي تنفذه المخابرات الأمريكية على مراحل وهو شريط أمني للولايات المتحدة الأمريكية وحلف الأطلسي يمتد من مصر إلى السودان إلى زائير ثم ينحرف بطريقة التفاف إلى تنزانيا وكينيا وأوغندا والصومال وهي الدول التي ستكون مع الصومال التفافًا حول أثيوبيا.

أما الامتداد الآخر للشريط فإنه يشمل على روديسيا وجنوب أفريقيا -وهذا الحاجز الأمني سيحقق آمال الغرب الرأسمالي في تقسيم أفريقيا ومنع تغلغل النفوذ السوفيتي بسرعة في هذه القارة الغنية.

إن المشكلة في الجنوب السوداني ستظل رغم التغطية الإعلامية الفتيل القابل للانفجار عندما تطلب المخابرات الأمريكية ذلك ولكن متى يحدث ذلك؟

فهذا الاحتمال يسير وفق المخطط الزمني الرأسمالي.

الرابط المختصر :