العنوان مشكلة بنجلاديش
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 23-يناير-1973
مشاهدات 0
نشر في العدد 134
نشر في الصفحة 15
الثلاثاء 23-يناير-1973
باكستان في نهاية عام ۱۹۷۱م واريد ان اذكر لكم الأخطاء الكبيرة في تلك التي
أدت بنا إلى هذا المصير القائم ، مغمضا النظر عن الأخطاء الصغيرة :
1- بعد أن ظهرت نتائج
الانتخابات التي أجراها يحيى خان نفسه فمهما كانت تلك النتائج معاكسة لاماله كان
يجب عليه دعوة البرلمان الجديد بأقصى السرعة ليتم وضع الدستور في داخل البرلمان.
وفي هذه الصورة كان من المحتمل أن يتبع كل فريق طريق الاتزان والتفاهم ويتخلى عن
الموقف المتطرف متخذا مبدأ«الأخذ بشيء مقابل إعطاء شيء ».
في المناقشات العلنية ولكن
ما اختير هذا الطريق وياللأسف ، وشرعت سلسلة المفاوضات والمساومات خارج البرلمان
في الغرف المغلقة ، هذه المفاوضات لم تكن لها علاقة بحل المسائل الدستورية إلا
قليلا . وإنما كانت تتركز في معظمها على المساومة في تحقيق المدرب الأخرى .
2- وأخيرا
و بعد حيص و بيص حدد یحیی خان موعدا لعقد جلسة البرلمان المركزي الجديد. ثم أجله
لأجل غير مسمى تجاوبا مع رغبة زعيم حزب واحد في هذا التاجل( أي ذو الفقار علي بوتو
: زعيم حزب الشعب ) دون زعماء الأحزاب البرلمانية الاخرى وكان هذا غلطة جسيمة ،
وأمرا لم يكن له مبرر أبدا.
3- بل نفس الزعيم الذي أجل موعد جلسة البرلمان طالب یحیی خان بأحد
الأمرين: أما التأجيل ، أو الإلغاء شرط مائة وعشرين يوما لوضع الدستور(أي كان
الإطار القانوني للعمل اشترط على البرلمان الجديد أنه إذا لم يتمكن من وضع الدستور
في خلال مدة مائة وعشرين يوما يلغى تلقائيا ، وينتخب بعد ذلك مجلس جدید بنفس
الطريقة ).
ولكن يحيى خان عوضا عن أن
يقبل الرأي الثاني المعقول فضل التأجيل لأمد غير مسمى ولم يفهم أحد من ذوي العقل
والرأي سبب تفضيله على الرأي الثاني في ذلك الوقت ، ولا يفهمونه اليوم أيضا .
4-ونيران العصبية البنغالية ونزعة الانفصال التي أثارها مجيب
الرحمن تفاقم خطبها لحد ان مجيب الرحمن نفسه لم يعد قادرا على الوضع و متحكما فيه
كما يشاء . بل أصبحت العناصر الأخرى من الهندوس والشيوعيين و الهدامين هي الآن
سيدة الموقف ، وما أن أعلن یحیی خان تأجيل البرلمان حتى ثارت تلك العناصر وأعلنت
التمرد العام .
ومجيب الرحمن أيضا انجرف في هذا التيار رضي به أم ابی لأنه سد على نفسه جميع
أبواب الخروج من المأزق بحماقاته العديدة ، أو بتسليمه الموقف للايدي الهدامة ،
التي لم ترد أبدا أن تتيح لباكستان الشرقية لتحكم باكستان كلها بل أرادت بترها من
باكستان الغربية بأي ثمن. ولو كان مجيب الرحمن على شيء من الحنكة والبصيرة اوكان
هو سيد الموقف لكان له أن يصبر على إجراء تأجيل البرلمان ولو كان معه التزام جانب
الأناة والصبر ولو قليلا لما كان لیحیی خان من مناص في نهاية المطاف من تجديد جلسة
البرلمان وفي نفس الشهر حتما. واضح ان مجيب الرحمن هو الذي كان مرشحا في هذه
الصورة لان يتسلم زعامة باكستان كلها بحکم کونه زعيما لأكبر حزب في البرلمان.
5 - أن الأحداث التي حدثت من أول مارس لغاية 25 مارس 1971 م ليست
أحداثا غامضة المعالم وليست معظمها في طي الكتمان . وكل من درسها ونظر فيها اعترف
بأن المفاوضات التي أجريت بين المثلث السياسي : يحيى ومجيب وبوتو كانت تدفع البلاد
دفعا إلى التمزق والانقسام : أن يكون لبلد واحد حزبان كلاهما يوصف بالاغلبية ، وان
تكون لبلد واحد جمعیتان تأسیسیتان ، وان يكون لبلد واحد رئيسان للوزارة ، لم الشعار القائل : « لكم
الشرق ولنا الغرب »( أطلق بوتو هذا الشعار في تلك الأوضاع الحرجة ) هذه وأمثالها
من المقترحات التي طرحت في مفاوضات المثلث السياسي كانت تنطوي على تشطير باكستان
بدون ما ريب . ولكن المعضلة التي لم تكن لتنحل في هذه المفاوضات هي كيف لهذا البلد
أن يبقى بلدا موحدا حتى بعد الانشطار.
6 - وفي خلال تلك المفاوضات فوجئنا من قبل يحيى خان باتخاذ الإجراء
العسكري في باكستان الشرقية . ولا ندري من ذا الذي إشاره عليه في هذا الباب .
ولعله كان يضمن في نفسه هذا الاجراء بمجرد أن بدأ التمرد من اول مارس . ولكنه تابع
المفاوضات لغاية ٢٥ مارس منه لاعداد العدة لتنفيذ هذا الإجراء .
واستطيع ان اقول عنه بكل ثقة : أنه لم يكن ليصدر من عقلية عسكرية صحيحة ولا
من عقلية سياسية متزنة وكان عدد القوات الباكستانية في باكستان الشرقية انذاك يكاد
لا يتجاوز عشرة آلاف جندي وبعد إعلان الإجراء بدأوا بنقل القوات الأخرى والعتاد
الحربي إليها برا وبحرا .
ولكن الهند منعت مرور الطائرات الباكستانية في الأجواء الهندية إلى باكستان
الشرقية في شهر فبراير من نفس العام. ولذلك اضطرت الطائرات الباكستانية الى ان
تأخذ طريق سيلون المطول وإذا كان من الميسور بهذه الطريقة إرسال القوات اللازمة
إلى داكة فلم يكن من الميسور إرسال العتاد الحربي بقدر يكفي لمواجهة الحرب الكبيرة
. ثم كان على المسؤولين أن يقدروا جيدا أن الهند لن تتورع أبدا من التدخل العسكري
في باكستان الشرقية في مرحلة من المراحل . وسيكون الدفاع عنها أمرا مستحيلا عند
نشوب الحرب مع الهند . لأنه من المستحيل تزويد القوات المحاربة بالمعونة العسكرية
من القطر الغربي خلال الحرب.
7- واستطاع الجيش الباكستاني التحكم في الموقف والقدرة على
المتمردين خلال بضعة أسابيع فقط. واستتب الأمن. ولكن الحكومة المركزية بعد ذلك
فاجأت بإعلان العفو العام عن المتمردين . وبعد هذا الإعلان الغريب ظل يتسرب الى
باكستان الشرقية لا المتمردون البنغاليون فحسب ، بل عصابات متدربة من الهند ،
وجماعات من الجيوش الهندية في اللباس المدني أيضا بكثرة كاثرة وباحدث سلاح واجوده.
وانشغل الجيش الباكستاني في الاشتباكات معها. ولما شعرت الهند بأن قوات ما
يسمى « الموكتي باهني » لا تستطيع مواجهة جيش باكستان النظامي شنت الهجوم السافر
على باكستان الشرقية بدون الانذار في ۲۲ من نوفمبر ۱۹۷۱م . وهنا يطرح هذا السؤال
نفسه : من كان هذا العاقل الحكيم الذي أشار على الحكومة أن تعلن العفو العام عن
العناصر المتمردة ؟
8- ثم إن يحيى خان لم يفتح الجبهة من باكستان الغربية على رغم
العدوان الهندي السافر على باکستان الشرقية ، بل بقي ينتظر هجوم الهند على باكستان
الغربية إلى أن بادرت الهند الى الهجوم عليها أيضا لترى العجب العجاب من الجنرالات
الباكستانيين الذين اقتصروا على الحرب الدفاعية فقط ، واضاعوا فيها الوفا من
الأميال المربعة من المساحة في باكستان الغربية . ثم ما أعلنت الهند عن وقف القتال
بعد سقوط باكستان الشرقية في ديسمبر ۱۹۷۱م سارع يحيى خان ايضا وفي اليوم التالي
الى وقف القتال مع أن الفكرة التي كانت تسود حينذاك هي أن الدفاع عن الجبهة
الشرقية لا يتحقق إلا من الجبهة الغربية ، وأن الهند اذا هجمت على الشرق يهجم
عليها من الغرب بقوة ترغمها على تخفيف الوطأة على الشرق . ولكن الله يعلم فقط
لماذا تنبع هذه الفكرة العتيدة في هذه الحرب . ولكن الذي واضح وضوح الشمس في رابعة
النهار أن باكستان لم تدخل الحرب من الجبهة الغربية متعمدة.
9 - والأمر الأخير الذي كان يستطيع أن يحول دون سقوط باکستان
الشرقية واستسلام مائة ألف نفر من الجيش الباكستاني هو قبول القرارات التي تقدمت
بها روسيا وبولندا في الأمم المتحدة . إذ كان من المحتمل بموجب هذه القرارات ان
تقف الحرب بالتدخل الدولي وأن تنسحب جيوش البلدين من الجبهتين : الشرقية والغربية
الى حدودهما ، وأن تقرن القضية بحل من الحلول السياسية ولكن نائب رئيس الوزراء
ووزير الخارجية الباكستاني آنذاك : السيد / ذو الفقار علي بوتو مزق هذه القرارات
وهو في قاعة الأمم المتحدة وأمام ممثلي العالم... موقف في منتهى الغرابة .
والعقوبة التي ذقناها نحن الباكستانيين من جراء هذا الموقف هي : أن الهند فتحت
باكستان الشرقية عنوة واسرت الجيش الباكستاني عن آخر جندي منه وقبضت على آلاف
مؤلفة من الموظفين المدنيين ونتساءل : هذه العاقبة الوخيمة التي نالتها باکستان
نرجع بها الى سفاهة من أو الى حصافة من ؟
ويتضح من هذا البيان الموجز أن سقوط باكستان الشرقية لم يكن بغتة أو صدقة بل
ثمرة حتمية لأخطاء وغلطات تتابعت حلقاتها منذ قيام باكستان في كل مرحلة من مراحل
تاریخها . دفعت بنا في النهاية الى هذا اليوم العصيب والدور الذي لعبه كل خطأ من
تلك الأخطاء يتضح من البيان الاجمالي الذي سردته آنفا.
(البقية في العدد القادم
)
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل