العنوان مشكلة العصر: الأمراض الجنسية
الكاتب عبدالقادر بن محمد العماري
تاريخ النشر الثلاثاء 25-يوليو-1989
مشاهدات 79
نشر في العدد 925
نشر في الصفحة 62
الثلاثاء 25-يوليو-1989
إن الألم ليعصر قلوبنا على شبابنا الذين نفقدهم كل يوم، ونراهم يتساقطون ويذهبون ضحايا العدوى بالأمراض الجنسية، أو ضحايا المخدرات والمسكرات، وبعضهم ضحايا حوادث السيارات، لقد دمعت عيني واعتصرت ألمًا وأنا أسمع عن حوادث ذهب ضحيتها شباب فى عمر الزهور، وإذا ذهبت إلى أقسام الكسور فى مستشفيات الخليج تجد الشباب الغض مشرعين فوق أسرَّتهم كالذبائح المهيأة للسلخ، واآسفاه على أولئك الشباب الذين أضاعوا أنفسهم أو أضعناهم، وكأني بأحدهم يقول بلسان حاله:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا *** ليوم
كريهة وسداد ثغر
إن الشباب هم ثروة الأمم الحقيقية، وعصب
الحياة فيها وعليهم تقع مسئولة حفظ الأوطان والذود عنها، والنهوض بالأمة وتقدمها،
فلا حياة لأمة إذا انهار شبابها، وسقط تحت معاول الهدم. إن معاول الأعداء تعمل
اليوم لهدم كيان شبابنا عن طريق إشاعة الفساد والمخدرات والمسكرات ففي بعض البلاد
العربية تبين أن شبابنا في الجامعات، ومن أبناء وجوه المجتمع كانوا ضحية لعصابات
من المفسدين، تمكنوا منهم حتى أصبحوا من مدمني المخدرات، أفسدوهم حتى لا يواصلوا
تعليمهم، وحتى يحطموهم عقليًّا وجسديًّا، فتفقد البلاد أعز ما تملك، وتفقد
مصدر قوتها وحركتها.
في دراسة حديثة لمنظمة الصحة العالمية تبين
أن خمسة عشر ألف حالة إصابة بمرض الإيدز في بانكوك وحدها، بخلاف المناطق الأخرى في
تايلاند، ومعنى ذلك أن هناك حالات أخرى غير معروفة في أنحاء متفرقة من تايلاند لم
تصل إلى مركز الكشف الطبي، وإذا لاحظنا أن تايلاند دولة صغيرة فإن هذه الحالات
تمثل (٥٠%) من حالات الإصابة في دول آسيا، وتقول التقارير إن درجة الوعي
بين الأفراد شبه معدومة فقد دلت نتائج دراسة إحصائية أن 77% من مدمني
المخدرات يتبادلون الإبر المخدرة.
والمعروف أن كثيرًا من الشباب يتهافتون على
السفر إلى بانكوك، وبعضهم يعود حاملًا فيروس المرض الخطير، أو يعود وقد أدمن على
المخدرات، فهل نطمع أن يتحقق رجاؤنا المتكرر بأن تقوم الدول العربية بوضع خطة
مشتركة لحماية أبنائها من هذا الخطر؟ ولو بمنع السفر إلى هذه البلاد، وتقييد السفر
إلى البلاد الأخرى المشبوهة بشروط معينة، فبعض الدول تمنع سفر أبنائها إلى بلدان
من ناحية سياسية وناحية أمنية، كما تمنع الدول السفر إلى المناطق الموبوءة
بالأمراض.. أليست هذه تعتبر موبوءة وأهم من الناحية السياسية مثلًا؟
ومع الأسف إن بعض الحكومات بدلًا من أن تشجع الشباب على الاستقامة
والسلوك الحسن تذهب لمضايقة الشباب الذين يرتادون المساجد، ويحافظون على
الأخلاق، ويحرصون على التعليم، وتطلق العنان للشباب المنحط في أخلاقه وسلوكه، الذي
يعاقر الخمر، ويرتاد محلات اللهو والفساد، ففي إحدى الدول تداهم الشرطة بيوت
الشباب المتدين، وتلقي القبض عليهم لمجرد أنهم متدينون، مستغلة ما يجري في بلدان
أخرى من محاربة ما يسمى بالتطرف الديني، والواضح والمشاهد أنه كلما أقبل الشباب
على الدين، والتزم بأداء شعائره ابتعد عن التصرفات المستنكرة في
المجتمع، وبطبيعة الحال ابتعد عن جرائم المخدرات وغيرها مما ينكره الدين والعقل،
وما يلحق الضرر بالصحة العقلية والجسمية؛ ولذلك فمن الواجب على الحكومات أن تشجع
الشباب على الالتزام بالدين، والتمسك بأهدابه أما ما يخشى من التطرف فإن التطرف في
الواقع ما هو إلا ردود أفعال لما ينافي الدين في المجتمعات، فإن لكل فعل رد فعل،
وكما يقول علماء الميكانيكا لكل فعل رد فعل مساوٍ له في القوة ومضاد له فى
الاتجاه، فالتطرف يقابله تطرف، والاعتدال يقابله اعتدال، وإذا كانت بعض
الحكومات تقابل الشباب بالتعسف، وتستفز مشاعرهم الدينية فكيف ينتظر من الشباب
التعقل والاعتدال؟ لقد قرأت عن قضية شاب اعتقل سبعًا وثلاثين مرة بدون ذنب سوى
الادعاء بأنه من المتطرفين، وفي إحدى المرات التي اعتقل فيها تعرف على شاب آخر من
المتدينين الفلسطينيين، الذين يؤيدون الانتفاضة الفلسطينية وتزوج من شقيقته بعد أن
أفرج عنه وكانت شابة متدينة منتقبة، وعاش معها يعمل ويدرس بإحدى الكليات، وفجأة
قاموا باعتقال زوجته، وحاولوا اعتقاله فهرب، وظل طريدًا من مسكن إلى مسكن، ثم حضر
إلى أحد مكاتب الصحف وشكا لهم حالته فحاول مدير المكتب مساعدته فاتصل بأحد
المحامين ليصحبه إلى أمن الدولة، ولكن بما أن التليفون كان مراقبًا فقد ألقي القبض
عليه أسفل مكتب المحامي، وقاموا بتعذيبه وضربه، وسب دينه، وأحضروا زوجته، وخلعوا
نقابها وحجابها، ومزقوا ملابسها وضربوها أمامه، وأجبروه على طلاقها، وأحضروا
مأذونًا ليسجل الطلاق وهو فى حالة الإكراه ثم أخرجوه بعد ثلاثة أيام، بعد أن هددوه
وقالوا له لدينا قضايا ينقصها المتهمون، نستطيع أن نلفق لك قضية وتبقى في
السجن طول عمرك، أو نصدمك بسيارة وتفقد حياتك إذا فتحت فمك، وجاء إلى مكتب الصحيفة
وهو يبكي وقال: يعذبونني كما يريدون ولكن ينتهكون عرضي، ويشعرونني بأنني لست رجلًا
فهذا لا أستطيع أن أحتمله وسأنتقم، ونشر شكواه فى الصحيفة، ومما يدل على صحة هذه
القضية أن الجهات المسؤولة لم تنفها وأن هذه الأمور استفاضت بما يبلغ حد
التواتر.
فإذا أردنا أن ندفع الأخطار عن مجتمعاتنا
فلنقم ميزان العدل، ونلتزم بقوانين الحق، قال تعالى: ﴿يَأيُّهَا
الَّذِيْنَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِيْنَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ للهِ وَلَوْ
عَلَى أَنْفُسَكُمْ﴾ (النساء: 135) وخراب البيوت يأتي من خراب الذمم،
وإذا اختل ميزان العدل، وتحكم الظَّلمة في المجتمع تحطمت القيم، وساءت الأحوال،
وهيأت الفرصة للأعداء المتربصين للانقضاض على الوطن، ونحن نعلم أن إسرائيل
تعمل بكل ما أوتيت من قوة وحيلة وإمكانية من أجل تخريب أوطان المسلمين، وعن طريق
ضعفاء النفوس الفقراء من القيم والمثل، الذين تجردوا من الدين والأخلاق يمكنها أن
تخترق المجتمعات الإسلامية.
والشباب المسلم باعتباره القوة والحيوية
والسياج المنيع للأمة هو المستهدف من جانب الصهيونية، لذلك فهى تسخر عملاءها
لتحطيم أولئك الشباب إما عن طريق قهرهم وتعذيبهم للتأثير على نفسياتهم، وإضعاف
نشاطهم، أو القضاء عليهم عن طريق المخدرات والخمر والنساء.
ونحن مع الأسف لا نلقي بالًا لما تتعرض له
مجتمعاتنا من هجمات المفسدين، الذين يعملون بمختلف الوسائل والطرق لتحقيق أهدافهم
القذرة، والبعض قد استبد به الطمع والجشع المادي، فهو يبحث عن المال من أي سبيل،
ولو كان ذلك على حساب دينه ووطنه، لقد دفع الجشع وحب المال البعض أن ينفذوا ما
يطلبه منهم الأعداء، أو يقدموا تسهيلات لعصابات تهريب المخدرات، أو يهيئوا الفرصة
للبغاء والدعارة في بلادهم تحت مسميات مختلفة لا يخفى على أحد الهدف منها .
لا بد أن نُعلّم شبابنا كيف يصرفون المال
في الوجوه الصحيحة، ولكي نعلمهم الحرص على المصلحة العامة فلا بد أن نزكي الشعلة
الوجدانية فيهم، ليكثر القوامون بواجباتهم، الأقوياء في شعورهم الخلقي، إن الذي
ينقصنا هو الشعور بالولاء للمصلحة العامة، فإنه لا طريق إلى التقدم في المجال
الحضاري ما لم نغلب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، فالضعف الخلقي الذي
ينتابنا الآن يتمثل في مسايرة الهوى، والخضوع لسلطان الشهوات والإغراق في
المجاملة والمداراة، وكثير من الناس تفقد محاسنهم قيمها الحقيقية بمسايرة الهوى
وإهدار المصلحة العامة لأن الحافز أصبح الشهوة، فتصبح فضائلهم شبيهة بالعملة
النحاسية الزائفة، ترن رنينًا ولكنها معدومة القيمة، نسأل الله أن يهدينا
جميعًا سواء السبيل.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل