الثلاثاء 11-أبريل-1978
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه؛ وبعد:
لا يخفى على الأعضاء المحترمين للمجلس العالمي الأعلى للمساجد ما يعيشه المسلمون البهاريون في بنغلادش من أوضاع مضطربة ومصير غير معلوم. والبهاريون هم أصلًا من منطقة بهار بالهند. وحينما قامت في شبه القارة الهندية حركة تأسيس باكستان، أيد البهاريون - وبكلمة أخرى أهالي بهار- وغيرهم من المسلمين الذين كانوا يقطنون شبه القارة الهندية تلك الحركة بكل حماس، إلى أن نجحت تلك الحركة في غايتها. وقامت باكستان في أغسطس 1947م، وبمجرد أن برزت باكستان إلى ساحة الوجود شن الهندوس بجميع منظماتهم الإرهابية عدوانهم العنيف على سائر المسلمين في المناطق التي قررت أن تكون نصيب الهند، بما فيها ولاية بهار، تحت مخطط مدروس مدعوم بالبوليس الهندوسي والجيش الهندوسي؛ حيث سلطت على المسلمين المجازر الرهيبة التي ذهب ضحيتها آلاف مؤلفة من المسلمين رجالًا ونساء وأطفالًا وشيوخًا. والذين نجوا منهم، بتقدير العزيز الحميد، لجئوا إلى باكستان. فالذين كانوا يعيشون في المناطق القريبة من باكستان الغربية هاجروا إلى باكستان الغربية، والذين كانوا يسكنون في المناطق المتلاحمة بباكستان الشرقية هاجروا إليها. وبما أن منطقة بهار كانت متصلة بباكستان الشرقية هاجر أهلها من المسلمين إلى باكستان الشرقية بعد أن تركوا وراءهم أموالًا وعقارات طائلة وتجارات واسعة. وكان لهم إزاء كل هذه الأموال والزروع الكفاية في أن يتخذوا باكستان: دولة إسلامية ناشئة موطنًا لهم، ويحققوا فيها أحلامهم حول الاستظلال بظل الدولة الإسلامية، وخدمتها بكل نفس ونفيس في تطورها ورفع شأنها في العالم.
وفعلًا كان وجود المهاجرين البهاريين في باكستان الشرقية مبعث خير وبركة لها؛ حيث إنهم استفرغوا كل كفاءاتهم وخبراتهم في مجال الصناعة والتجارة في إنعاش باكستان الشرقية ماديًّا وحضاريًّا. ومن الجدير بالذكر أن معظم مصانع باكستان الشرقية كمصانع الجوت ومصانع الورق قامت على جهود البهاريين وأموالهم، وكانت الأخوة الإسلامية هي التي تسود بين المهاجرين من البهاريين وبين الأنصار من البنغاليين.. كانوا أمة واحدة تؤمن بالكتاب الواحد والرسول الواحد، لا تعرف فوارق الجنس واللون واللغة. وكان الأمر إلى خير وتضامن حتى جاء مجيب في مسرح الأحداث، وأثار حركة عنصرية عنيفة برعاية الهند من الخارج والجاليات الهندوسية من الداخل، وبدعم من أمريكا أولًا وروسيا ثانيًا. ونتيجة لهذه الحركة ودعايتها الواسعة نشأت قومية بنغالية فرقت شمل الأشقاء، وأثارت الأحقاد والضغائن بين البنغالي وغير البنغالي، وكانت تلك الحركة على قدم وساق حين شنت الهند هجومها على باكستان الشرقية بمساندة روسيا في عام 1971م. وأقيمت بنجلاديش على أنقاض باكستان الشرقية. والبهاريون الذين لاقوا ما لاقوا من اضطهاد وتنكيل على أيدي القوميين من البنغاليين أيام الحركة الانفصالية أصبحوا بعد قيام بنجلاديش يعانون ظروفًا أقسى وأوضاعًا أخطر، وخاصة بعد أن أعلنت حكومة مجيب بصراحة أن البهاريين ليس لهم مقام في بنجلاديش، فليرحلوا إلى وطنهم باكستان. وحكومة باكستان -التي كان زمام أمرها حينذاك بيد شخص لم يعرف في مؤمن إلا ولا ذمة- رفضت قبولهم كمواطنين. وهكذا أصبح أمر البهاريين في وضع غريب شاذ، لا تقبلهم حكومة بنجلاديش، ولا تقبلهم حكومة باكستان كمواطنين أيضًا؛ على رغم أنهم شاركوا في إنشاء باكستان وقدموا التضحيات الجسيمة في سبيلها. هل من محنة أشد مما وقع فيها البهاريون؟ وهل من ظلم أعتى مما صب عليهم؟
لماذا؟ لأنهم مسلمون، وليس ذنبهم إلا أنهم شاركوا في إنشاء دولة باسم الإسلام واستوطنوا حبًّا فيها وخدمة لها.
وأخيرًا، وبعد خمس سنوات عاشها البهاريون في مصير مظلم قاتم في معسكرات اللاجئين يفترشون فيها الأرض ويلتحفون السماء، أعلنت حكومة باكستان الحالية أنها مستعدة لقبول البهاريين في باكستان كمواطنين باكستانيين، وبعد هذا الإعلان عاد إلى البهاريين أملهم في الحياة، وصاروا ينتظرون يومًا يصلون فيه باكستان ويستأنفون فيها حياتهم بعد الهجرة الثانية. ولكن المشكلة التي يعانونها هي: من يتحمل نفقات نقلهم من داكة إلى كراتشي؟
أما حكومة بنجلاديش فهي تلقي هذه المسئولية على أكتاف باكستان، ثم هي من الناحية الاقتصادية لا تقدر على تغطية تكاليف نقل خمسة وعشرين ألف نسمة جوًّا أو بحرًا. وأما حكومة باكستان فهي لا تختلف في مواجهة المشكلات الاقتصادية عن بنجلاديش. وجل ما تستطيع تجاه هذه المسألة الإنسانية أن تستقبل البهاريين وتتولى توطينهم أراضيها على رغم إرهاقها اقتصاديًّا وتضخم سكانها.
وعلى هذا، لنا أمل في رابطة العالم الإسلامي وفي المجلس العالمي الأعلى للمساجد تحمل نفقات خمسة وعشرين ألف بهاري من داكة إلى كراتشي بحرًا إن لم يكن جوًّا، وبما أن رابطة العالم الإسلامي لها أياد بيضاء على المسلمين في العالم، نرجو أن رجاءنا في حل هذه المشكلة لن يذهب سدى بإذن الله. وجزى الله خيرًا كل من يشارك هذه المسألة ماديًّا أو معنويًّا، والله يحب المحسنين.
موجز قرار المحكمة العليا في لاهور في قضية ذو الفقار علي بوتو ورفاقه
حكمت المحكمة العليا في لاهور بالموت على رئيس الوزراء الباكستاني السابق ذو الفقار علي بوتو وأربعة من ضباط الأمن المتعاونين معه. وقد نشرت صحيفة «الأزمنة الباكستانية» موجزًا وافيًا لقرار المحكمة في عددها الصادر في 19 مارس- آذار الجاري، وفيما يلي ترجمة لبعض فقراته.
ذكرت المحكمة أن التوتر ساد علاقات الرجلين، بوتو، وأحمد رضا قصوري، وهو أحد مؤسسي حزب الشعب الباكستاني. وقد سعى بوتو إلى التخلص من أحمد رضا قصوري عبر التآمر مع مسعود محمود، عن طريق ضابط الأمن الاتحادي ميان محمد عباس، وغلام حسين، وأرشد إقبال، ورانا افتخار أحمد. وقام ميان محمد عباس بتهيئة الأسلحة اللازمة لقتل أحمد رضا قصوري.
وفي ليلة العاشر من تشرين الثاني- نوفمبر عام 1974 أطلق كل من غلام مصطفى، وغلا حسين، وأرشد إقبال، ورانا افتخار النار على سيارة أحمد رضا قصوري، وقد أدى ذلك إلى مقتل نواب قصوري، والد أحمد قصوري، الذي استطاع أن يهرب. وبعد تحقيق أولي حفظت القضية، وقيدت ضد مجهولين في أيلول- سبتمبر عام 1975م.
وقد صرح السيد عبد الخالق نائب مدير وكالة التحقيقات الاتحادية العوامل التي أدت إلى كشف جريمة القتل التي تورط فيها بوتو، وقال، عندما مثل كشاهد أمام المحكمة: إن الحكومة أمرته، بعد قيام الحكم العسكري في تموز 1977، بالتحقيق في أعمال قوات الأمن الاتحادية. وقد كشفت التحقيقات عن عدد من جرائم القتل والخطف السياسية. وأدت هذه الاكتشافات إلى تزايد الشك في احتمال تورط قوات الأمن الاتحادية في قضية مقتل السيد نواب قصوري. وبعد إجراء التحقيقات ألقي القبض على أرشد إقبال، ورنا افتخار، في 25 تموز، وقد اعترفا في اليوم التالي. ثم ألقي القبض على المتهمين الآخرين الذين اعترفوا جميعًا بذنبهم.
وقد قدم الادعاء الأدلة لإثبات الحقائق التالية:
أولًا: إن العداوة والتوتر في علاقة الرجلين، دفع بوتو إلى تهديد قصوري في قاعة البرلمان في حزيران 1974.
ثانيًا: وجود تآمر على قتل أحمد رضا قصوري بين مسعود محمود والمتهمين الآخرين.
ثالثًا: حصل هجوم على السيد قصوري، كجزء من التآمر عليه، أولًا في إسلام آباد، وأخيرًا في لاهور.
رابعًا: إن بوتو ورفاقه قاموا بالتدخل في التحقيق للتأثير على مسراه، وتوجيهه بطريقة تخدم مصالحهم.
خامسًا: لقد قدمت بيانات خاطئة من قبل البوليس وبتوجيه من ضباط الحكومة بقصد إبعاد الشبهة عن المجرمين الحقيقيين.
وقد حضر إلى المحكمة السيد أحمد رضا قصوري وقدم بيانًا وافيًا عن الخلافات التي برزت بينه وبين بوتو، والتي أدت إلى النفرة والتوتر بينهما. وذكر أنه كان العضو الوحيد من حزب الشعب الذي ذهب إلى دكا لحضور اجتماع للجمعية الوطنية كان مقدرًا له أن يعقد في آذار عام 1971م، قبل قيام بنغلاديش، مخالفًا بذلك رغبات بوتو المعلنة. وقال قصوري إنه لم يوقع، ولم يوافق على دستور باكستان لعام 1973، ولم يوافق على الاعتراف بدولة بنغلاديش التي قامت نتيجة لطموحات بوتو، كما يقول قصوري. وأشار قصوري أنه هادن بوتو، بعد الهجوم المسلح عليه في 17 كانون الثاني عام 1972، كأسلوب سياسي، آخذًا بعين الاعتبار أن بوتو أصبح الحاكم العسكري العام، مما يمنحه سلطات واسعة تتيح له التخلص من خصومه السياسيين بسرعة. إلا أنه قال: إنهما كثيرًا ما تبادلا الكلمات «الساخنة». وقد سرد السيد أحمد قصوري تفاصيل محاولتي اغتياله في إسلام آباد ولاهور. وقد أشار إلى أنه اختط طريقًا سياسيًّا خاصًّا به عندما أسس «جماعة رضا التقدمية» ثم ارتبط بجماعة طريق الاستقلال عام 1973. وذكر شهود أمام المحكمة أنه جرت محاولات من قبل بوتو لإجبار أحمد رضا قصوري على الانضمام مجددًا إلى حزب الشعب الباكستاني، إلا أن السيد قصوري رفض ذلك قائلًا إنه لا يستطيع أن ينتمي إلى حزب قتل والده.
وقد ذكر ميان عباس أن الأوامر التي كانت بحوزته تقضي بإزاحة قصوري من طريق بوتو، وقال: إن مسعود محمود هو الذي أعطاه هذه الأوامر، مع الوعد بالحماية الكاملة، وإلا فإن وظيفته، بالإضافة إلى حياته، سيكونان معرضين للخطر. وقال ميان عباس: إن الوعد بالحماية والتهديد هما اللذان دفعاه إلى الاشتراك في هذا العمل.
وحكى الشهود الآخرون ممن ساهموا في محاولة اغتيال السيد أحمد رضا قصوري، تفاصيل المؤامرة التي أودت بحياة أبيه.
ثم ذكرت المحكمة أن المتهم ذو الفقار علي بوتو قام بتصرفات كثيرة أمام المحكمة لا تنم إلا عن عدم احترام لها، وللقانون.. وقالت: إن التغاضي عن هذه التصرفات يؤدي إلى فقدان ثقة الناس بالمحكمة، التي ما وجدت إلا لإقرار القانون والعدل في المجتمع..
وقد ادعى بوتو أنه يشك في إمكانية إجراء محاكمة عادلة له، قائلًا: إن هذه القضية «فبركت» ضده. وفي أثناء المحكمة تكلم بوتو طويلًا لإثبات براءته وإنكار التهم الموجهة إليه؛ إلا أنه لم يقدم دليلًا واحدًا على ذلك.
وأخيرًا قررت المحكمة أنه من الثابت أن وفاة نواب قصوري حصلت نتيجة للهجوم الذي قام به أرشد إقبال، ورانا افتخار أحمد، تحت إشراف غلام حسين قرب شارع شاه جمال شادمان، في لاهور، مستخدمين أسلحة جلبها لهم غلام مصطفى، بأوامر من ميان محمد عباس.
وقالت المحكمة: إن حلقات المؤامرة تكاملت حالما وافق مسعود محمود عليها، ونقل أوامر بوتو غير القانونية إلى ميان عباس، ثم دخلت المؤامرة مرحلة جديدة عندما أمر بوتو مسعود محمود بالاهتمام بأحمد قصوري أثناء زيارته كويتا، حيث أمر مسعود أحد رجاله بالتخلص من قصوري.
وقد خصصت المحكمة 6 صفحات للحديث عن بوتو باعتباره «المجرم الرئيسي» في القضية، وقالت: إنه استخدم قوات الأمن الاتحادية لتحقيق أغراضه الشخصية، وللانتقام من شخص اعتبره عدوًّا له.
وقد حكمت المحكمة بأن يدفع بوتو دية قدرها 25 ألف روبية إلى ورثة نواب.