; مشكلات عقائدية معاصرة | مجلة المجتمع

العنوان مشكلات عقائدية معاصرة

الكاتب الشيخ عثمان صافي

تاريخ النشر الثلاثاء 26-أغسطس-1975

مشاهدات 1

نشر في العدد 263

نشر في الصفحة 20

الثلاثاء 26-أغسطس-1975


لماذا هذه السلسلة من الأبحاث ليعلم المسلمون كيف تشترى ضمائر المفكرين؟

منذ سنوات -على وجه الدقة-عام ظهر كتاب في لبنان افتعلت له ضجة، باسم - نقد الفكر الديني للدكتور صادق جلال العظم - وتبنت الدعاية له والتشهير به صحيفة معروفة خصصت قسمًا من ملحقها على أسابيع لهذا الغرض وألمت بالمسلمين انفعالية حملت العديد من الكتاب على مناقشته، ولكنها كانت ردود مرتجلة. أرسل - أحدهم موضوعًا من سلسلة لينقض ما أورده المصنف من ترهات إلى الصحيفة المذكورة التي تولت كبر القضية فنشرت المقال الأول، ولكنها حين استشعرت أن ما سوف توافي به من حلقات سيتعذر الرد عليها وإفساد أثرها على غرار ما حدث للعديد من مقالات الغيارى الإسلاميين، لم تظهر الحلقة الثانية على صفحات الملحق؛ وذلك لأنها تسدي إدارة تحرير الملحق خدمة جلية للأمة الإسلامية تشكر عليها على حد ما ورد في الخطاب المرفق بالمقال ونشره فما كان من كاتب المقال، إلى أن وسعه - وعسى أن نوافيكم بصورة عن المقال ـ إن شاء الله ـ ونشره في كتاب، ولكنه لقي عقبة في مواجهة طبعه ونشره، وذلك لأسباب تتعلق بالموقف الذي اتخذته جهات مختصة من المؤلف، إذ بدلًا من أن تؤلف لجنة لنقد الكتاب ونقض ما ورد فيه، إذا بالمؤلف يتلقى ما يشبه السباب والشتائم.

والذي رآه - صاحبنا - أن الأسلوب الذي زاوله مؤلف الكتاب الدكتور صادق جلال العظم - وهو التصدي المباشر على حد تعبيره – لم يكن مألوفًا لدى المسلمين ولا منتظرًا مع أنه لم يحدث فجأة. ومن ثم جاءت الردود على الكتاب غير موفية بالغرض، الأمر الذي خلق مشكلة فيما يتعلق بالصراع الفكري والعقائدي بين الإسلام وخصومه، حيث ظهر المسلمون دون المستوى المطلوب، الأمر الذي غدا بشكل ما يشبه الكارثة. وهكذا ظهر- المقال الذي رفضت نشره الصحيفة - في كتاب يعالج القضية هذه من جوانبها، باسم - على هامش نقد الفكر الديني.

ليس هنا بيت القصيد...

بعيد أسابيع من نشر الكتاب، اتصل أحد الشيوخ في بيروت هاتفيًا بصاحبنا، يطلب الموافقة على زيارة يقوم بها إليه مدير معهد استشراق غربي. كانت مفاجأة ولكن لم يكن هناك مانع من استقبال الزائر، الذي كان في غاية الاهتمام بأن يشاهد هذا المؤلف الجديد، ويتعرف عليه، ويعرب عن بالغ إعجابه بالكتاب، الذي لم ينشر فيما يتعلق بما أسماه ظاهرة نقد الفكر الديني - مثيلًا له.

على أثر المقابلة دعا المستشرق مؤلف الكتاب على هامش - إلى إلقاء محاضرة فى معهد الاستشراق عندهم في بيروت أمام المدير وطلابه وطلب - حينذاك - أن يكون عنوان المحاضرة - المعاهد والكليات الإسلامية في العالم - وحين رفض الطلب، قبل موضوع اقترحه المؤلف بعنوان:- الكفر والإيمان، وعقب إلقاء المحاضرة المذكورة ، في معهد الاستشراق في بيروت، تجدد البلاء، إذ عرض مدير المعهد مبلغًا من المال وضعه في مظروف، وآثار هذا العرض الفعالية من المحاضر الذي قال:- العلم أمانة في أعناقنا، ولا نبيعه للناس ونحن على أتم استعداد للاستجابة إلى أمثال هذه اللقاءات. ولكن المستشرق أصر إصرارًا شديدًا لدرجة أزعجت المحاضر، الذي رفض رفضًا قاطعًا أم كان أخذ مقابل. قال المستشرق : "ولكنها عادة تقليدية لكل من ندعوه ليحاضر عندنا - ولم يستطع - صاحبنا التخلص منه إلا بعد أن قال له :- اعتبر أن المبلغ قد وصل، وأشكرك. ومرت الأيام ... ودعي المسلم إلى عدد من المحاضرات التي تلقى بالعربية من قبل مستشرقين يرسلون من المؤسسة الأم، وتجددت المحاولات لتوثيق الصلة مع المسلم، الذي لم يبد أي معارضة في ذلك، ولكن لم على أساس أن يؤثر، ولا يتأثر وبذلت المحاولات تترى من المستشرق؛ لهدف توطيد العلاقات، واجتذاب الشخصية التي غدت محل النظر والاهتمام. وأخذ التجاذب دورًا بين الفريقين : المستشرق يرغب في ضم المسلم إلى قائمة أصدقاء مؤسسته، والمسلم يدرس احتمالات التأثير، لا في مدير المعهد وحسب ، بل وطلابه أيضًا عسى أن يهتدوا وفي أحد اللقاءات، سأل مدير المعهد المؤلف المسلم عن خططه للمستقبل بعد كتاب هامش نقد الفكر الديني فقال : "ما الذي يأتي بعد الكلام على الهامش بالطبع إنه في الصميم، والنية متجهة إلى مناقشة العظم في المشكلات التي طرحها في كتابه وأثار حولها الشبهات، ومن الجدير ذكره أن المؤلف كان قد اشترط على الدار التي نشرت له كتابه أن يثبت على غلافه الخارجي العبارة التالية: مسودة لسلسلة أبحاث تعالج أمهات المشكلات الفلسفية والدينية المعاصرة، وعلى الرغم من أن الشرط المذكور أصر المؤلف على أن يثبته على التعاقد بينه وبين الدار الناشر، فإنها أخلت به، وخرج الكتاب خلوًا من العبارة. الأمر الذي كشف حقيقة أن الدار التي نشرت الكتاب إنما فعلت ذلك تحت ضغط ظروف قاهرة، وقبلت ما فيه من نقض مجمل لكتاب العظم وإعادة ماء الوجه إلى الفكر الإسلامي بعد أن لوثت ساحته بكتابات ضحلة، لغاية في نفسها، وهي أن الكاتب استنكر الأسلوب الذي انتهج بشأن القضية ولنعد إلى الحوار مع المستشرق ما أن سمع عبارة الدخول في الصميم ومناقشة ما أورده العظم من الشبهات حتى ثارت ثائرته، و انفعل بشكل ملحوظ كان محل دهشة؛ لكونه لا يليق بمثله، وظهر بعقله الباطن، وقال بغضب شديد مكبوت: ماذا؟ تناقش المشكلات التي ذكرها العظم في كتابه؟ هذا محال أنه محال كيف فلان يمكن هذا؟ عجبًا یا دكتور، وما في ذلك؟ إنني لا أفهم وجه استنكارك مستحيل ! وهل يرضى ؟وذكر اسم شخصية إسلامية لبنانية كبرى مسؤولة أنه سيعارض دون شك؟؟؟

ولكن أسمح أن أبدي عجبي ودهشتي مرة أخرى: وما علاقة فلان بالموضوع؟ واستغرب أن يرفض فلان ذلك، هذا التكهن عندك لا يصدق، ولكن سواء رضي فلان أم لم يرض، هل يصح أن يكون المذكور أو غيره قيمًا على الفكر الإسلامي؟ واستشعر المستشرق الكبير أنه قد خرج عن صوابه، فتمالك نفسه وهدأ من روعه، ولكنه لم ينبس بكلمة تنم عن تراجعه ما معنى ذلك كله؟؟ نترك الأمر مؤقتا - للقارئ الكريم - ليتأمل، كيف ننقله إلى مشهد آخر، في لقاء أيضًا، سأل فيه المسلم عن العظم ما الذي جرى له؟ ولماذا لم يسمع له صوت بعد ذلك؟

أجاب بالحرف الواحد:"إنه مسكين طرد من الجامعة الأمريكية وكان مدرسًا فيها" وذكر عبارات تدل على تعاطف نحوه ثم استطرد قائلا: "ما رأيك في أن نجمعك به في ندوة تلفزيونية؟

قال المسلم : "يا حبذا، إنها أمنية، وإن كانت لك به صلة ففاتحه بالموضوع ". ولكن لم يعد بجواب .. والذي يبدو أن الدكتور العظم تهيب مثل هذه المقابلة، سيما بعد أن قرأ كتابًا على هامش نقد الفكر الديني. ثم مرت الأيام، والعلاقات لا تزال في تجاذب وشاهد المسلم بعض الكتب التي بدأ أن المؤسسة توزعها بالمجان فطلب نسخًا منها، وصورة عن دراسة المستشرق حول الموضوع، وتلكأ المذكور، حتى جاءته رسالة تذکره بوعده، فوفى بالبعض، وأهمل البعض.. ولكن، كان لابد للعلاقة بين الطرفين أن تتبلور، وتتمخض عن نتيجة ما، والذي استعجلها كان المستشرق، الذي بعث في إحدى رسائله يقول : "نحن على استعداد لاستقبالكم في معهدنا في أي وقت تطلبون ! في (٥/٦ / ١٩٧١ ) وسرعان ما وافاه المسلم بالجواب الذي جاء فيه: "إننا نرجو أن تسمحوا لنا بالإعراب عن وجهة نظرنا بشأن مرور الزمن، إننا لا نرتضيه بحد ذاته معيارًا لصداقة ذات ثمرة، فضلًا عن أن يحكم بها أو على أساسها، بحكم هو هدف نطمح إليه. إن من أعز آمالنا أن تنمو علاقتنا، وتتمخض عن أهم مما وصفتم، غير أن ذلك يفتقر إلى الفرص، والأمر متروك للمستقبل في (١٢ – ٥ – ۱۹۷۱)وتمت زيارة بعد ذلك، ثم فترت العلاقة وفجأة - وبعد مدة طويلة -إذا برنين الهاتف، ورغبة بزيارة من المستشرق ! يعلم الله الذي استلم السماعة مسلم لم يعرف الكذب أوجس خيفة: ما هو هدف تلك الزيارة يا ترى؟ هل عند الرجل مشروع إغراء جديد؟

ولكن كان لا بد من القبول، ثم كان ما يشبه أن يكون عجبا ! لقد كان هدف الزيارة ممحضًا لنصح المسلم أن يكتب ! نعم أن يكتب؛ لأن أمثاله لا يجوز أن تجف أقلامهم، ولكن یا دکتور: أین أكتب؟ أنت تعلم صعوبة النشر وشروطه.

قال : إن لم يكن كتبًا، فلتكن مقالات في الصحافة، ولكن أليست شروط الصحافة لا تقل قسوة وضراوة عن شروط دور نشر الكتب؟ قال - وبالحرف – "المهم أن تكتب أكتب ولو لم ينشر أكتب وأدخــر للمستقبل، وإنني مسافر .. سوف أترك بيروت إلى مهمة أخرى في المركز.

المركز الأم وجئتك ناصحًا، بلسان مستشرق مؤمن برسالته.

ولكن ما هدف هذه الزيارة؟ هل هناك من جديد؟ أجاب: "كلا لا غاية منها سوى ما ذكرته لك، وكان لهذه الزيارة وقع حساس وعاطفي لدى المسلم، الذي أشفق على هؤلاء، الذين تتنازعهم روح العلم والاستشراق بمعناه السليم، والتعصب البغيض الذي يحول بينهم وبين الكثير منهم، وبين الأمر الذي جدد الأمل.

أما بعد، فهذه صورة صادقة، حية، مقتبسة من صميم واقـع المسلمين وتعبر بصراحة عما يجري وراء كواليس ما يدعى بالساحـة الفكرية. وهي منقولة من واقع حي بمنتهى الأمانة والصدق، ما ورد فيها من كلمات منسوبة، فما كان منها عن رسائل فمنقول بالنص الحرفي، وأما المواجهات الشفوية فمأخوذة من مذكرات سجلت في مواعيدها .

مشکلات عقائدية معاصرة

ولقد سبق وتنازعت كاتب هذه السلسة، ترددات حول نشر وكشف، ما روي، فما يدعى باللياقة الأدبية والمحافظة على الأسرار الشخصية، ولكن وجدت في ذلك خيانة للإسلام والمسلمين، بل للفكر أيضًا أن الصورة هذه، قد تكون بل هي كذلك واحدة من أمثال لها تجري دونما انقطاع، وما من شك عند من مارس هذه التجربة وهو كاتب هذه الأسطر، أن ما لا يحصى من المفكرين المسلمين قد وقعوا فريسة لتلك الأجهزة التي تنتشـر في عالمنا الإسلامي، ولو تسنى للشيطان أن يكون له سلطان على المسلم في القضية هذه، إذن لما رئي اسمه على صفحات هذه المجلة المسلمة ولعلنا لا نغرب في القول، أو نعتدي على الحقيقة ، إن راودتنا شكوك حول ما لا يحصى من الأقلام الجانحة ، التي اشتطت عن الصراط السوي، أن تكون أقلام مشتراة، من مستشرقين، ومبشرين، وسفراء ورؤساء دور ثقافة، وما أشبه، وعن أناس بلغوا مناصب عليا في المجالات الثقافية والتوجيهية أن القصة في هذا المقال تميط اللثام عن أحد أهم أسباب الزيغ عند من يدعون بالمفكرين، الذين هيأت لهم أن يهتدوا، ما لم تكن أهداف أقلامهم ممحضة لوجه الله تعالى ويضيق المقام عن تعداد ما توحيه القصة هذه من المعاني ، ونترك ذلك لعقل القارئ الكريم وتأملاته، ولنا ملء الثقة أن الخطر كل الخطر في أفواه وأقلام ملوثة ، ارتضت انتمائيات غير إسلامية مع استمرار حملها لوصف الإسلام، الثوب الذي لم يعد ثوبًا لكثير من مرتديه وأما أغرب ما حدث بعد ذلك وله صلة بالقضية، أني زرت دار النشر ذات الاتجاه الشيوعي؛ لهدف شراء بعض الكتب، وهي تطبع ما اسم سلسلة نقد الفكر الديني ، قلت للمسؤول عن الدار:" وهل انتم على ثقة مما تنشرون؟ استدعى أحد الكتاب الذين يعتمدون عليهم.

قال: " إنه فكر، ونحن ننشره كذلك، إما أن يكون حقًأ أم لا فليس هذا من شاننا. قلت : "أنه لأمر يدعو إلى الغرابة إنكم إن كنتم غير واثقين بما تنشرونه وتعلمون أنه مدمر ويسيء إلى قناعات ويقينيات موروثة، فهل قضية هي تجارة القضية وحسب.

قال وبالحرف : - "إنني أعجب لكم أيها الشيوخ! لماذا تعترضون على النشر لا تفضلوا وناقشوا، أنت أحسنت صنعًا حين كتبت فما يمنعك أن تتابع وكنت قد سبق وعرضت على رئيسه – مدير الدار- فكرة متابعة السلسلة على الأساس الذي اتفقنا عليه فاستجمع عددًا من المعاذير، وعلى رأسها التكاليف .. ثم استطرد قائلًا بانفعال: "ولكن صاحبك، ويقصد الشخصية الإسلامية الكبيرة، ألا يستحي ويكلمنا بالهاتف، راجيًا إيقاف السلسلة إننا لن نوقفها بناءًا على رغبته! ... رجاء على الهاتف وخرجت من الدار وأنا على أشد ما أكون من الامتعاض، من إهمال مسؤولينا ورضاهم بالخنوع، وقبولهم الانهزامية، وأن يكونوا في موقف المتخاذلين، ويتردد في ذهني التساؤل الآتي : حتى لو توقفت هذه الدار عن نشر تلك السلسلة فماذا عن ملايين الكتب التي غدت بين أيدي المسلمين الصادر عنها وعن سواها ؟

( البحوث العقائدية ، والتعصب )

إن مبدأ التحقيق والنظر، في الوقت الذي له أفقه بل آفاقه الفسيحة فإن رحابة مجالات الفكر لا تعني استباحة المتأمـل للعشوائية في البحث بل يتحتم على كل ناظر بحكم الضرورة التي يمليها الاختصاص بناحية معينة أو نواح ذات صفة علائقية أو تلاحمية، أن يكون موضوعيًا في مقالته. والموضوعية تعني التركيز على المجال أو القضية محل النظر، وعدم الحيدة عنها. وذلك لما أن الحيدة هي آفة التحقيق، لا لما تسببه من تشعيب قد يؤدي بالناظر إلى الخلط بين مجالات التفكير وحسب بل ربما تذهب بالناظر بعيدًا بحيث يفسد عملية التفكير الأمر الذي قد يضيع الهدف، ويعطل الغاية المرجوة من البحث، والمبدأ هذا ينطبق على كل مجال من مجالات النظر. من ثم كان من أولى مهام المختص في شأن من الشئون في المجالات الفكرية أن يكون على تمام الوعي خشية الجنوح، والالتزام الموضوعي هذا ليس سهل المنال كما قد يبدو لأول وهلة، بل يكلف جهدًا ومعاناة، على الأخص في الظروف التي نعيش فيها نحن اليوم، والتي تداخلت فيها الأفكار بشكل مذهل وألبست الأمور، وموهت الحقائق وإذا كان هذا المبدأ الذي يعتبر التزاما منهجيًا في البحث، يتوجب التقيد به لضمان انتظام العملية الفكرية في مختلف المجالات النظرية، فإنه فيما يخص البحوث العقائدية أشد توكيدًا والمخاطر والمنزلقات التي يتعرض لها الذين يخوضون هذا المعترك كثيرة ، نعرض في المقال هذا والذي يبين ناحيتين منها ذاتي أهمية، وكلتا الناحيتين كان لهما وجود طيلة العصور التاريخية التي انتهت إلينا أنباؤها، ولكنهما اكتسبنا أهمية خاصة في الظروف الحالية التي نعيشها نحن اليوم لاعتبارات شتى، إحدى تلك الناحيتين المؤثـرات والعوامل السياسية، والثانية التعصب الذي يعكر صفو التفكـير الطليق الحر، ولعلنا نستطيع أن نسوق شاهدًا على ما نقول ، المقالات هذه ذاتها، التي بين يدي القارئ، فما مدى ما يمكن لمن تقع بين يديه أن يثق بأنها غير ذات هدف سياسي، وأن يطمئن إلى أن أهدافها عقائدية محضة؟ أن هذا الاشتباه يعرض للأذهان من جراء موجات الإعلام الدعائي الموجه، والذي هو سياسي على أوسع نطاق سواء كان هذا الهدف مكشوفًا ومعلنًا كما هو الحال في افتتاحيات الصحف والجرائد على وجه الخصوص، أو خفيًا وموريًا ، كما يستشف من الصفحات التي تخصص للثقافة والترفيه، وحتى الدعاية فى تلك الصحف. لا بد من التنبيه هنا إلى أن استغلال البحوث العقائدية وضرورة الالتزام بموضوعيتها، لا يعني أنها ليس لها صلة بالسياسة البتة، فقضايا الفكر تصل بينا أواصر تجعل من المحال أن يكون لأي منها استقلال تام عن الأخرى، فالحياة الإنسانية ذات جوانب يتعذر حصرها مترابطة الأطراف، بل هي متلاحمة مع الحياة الكونية ككل. ولكن الملاحظة الجديرة بالاهتمام هنا تتلخص في أن البحوث العقائدية هي بحوث أصلية ، بينما تصف السياسة ضمن الشئون الحياتية العملية. فالأولى نظرية وترتبط بالأفكار الأساسية عن الكون والحياة والإنسان والرسالات والمبدأ والمعار إلخ ، فتحتل أرفع مرتبة بين أنماط الفكر لجهة أهميتها، وأما المسائل السياسية فهي ذات سمة فرعية. وأما أهم رابط بينهما فهو أن العقائد طالما كانت تدخل في الأصول بل هي أصلها جميعا، والمسالة السياسية من الفروع فإنه على ضوء ما يتمخض من حقائق كنتائج للتحقيق العقائدي، يحدد المنهـج السياسي، من وجهه الفلسفي وليس العلمي، دون العكس .قد يقال هنا : "ولكن هذا الرابط بعيد الاشتباه في أن يتأثر البحث العقائدي بالسياسة طالما كانت تلك الصلة محكمة بينهما " والاشتباه هذا ، هو المقصود إزالته من الأذهان فى هذا البحث. والأساس الذي يتوجب الاعتماد عليه لتحرير البحث العقائدي من المؤثرات السياسية ، وضـوح الضرورة القصوى التي توجب أن يتحرر البحث العقائدي ولا سبيل إلى تحريره، ما لم تكن الحقيقة هي المستهدفة. وأما المذهبية السياسية فإنها تأتي تبعا لحصيلة تلك التحقيقات التي أسميناها عقائدية وأولية لا يقال هنا أنه من الصعب على المفكر ذي الانتمائية السياسية أن يتحرر من ميوله حتى يتمخض نظره عقائديًا فتنساب أفكاره السياسية مــن خلال تأمله الفلسفي ، وبدأ يتعذر بل ينتفي التجرد ، لا يقال هذا ، لأن تجرد المفكر في الأمور العقائدية إن كان يكلف المتأمل عناء حقًا، ويضطره إلى أن يواجه صعوبة ، غير أن تمخض التفكير في مسألة عقائدية ليس ضربًا من المحال ولما كان ضرورة، فإنه يمكننا تقرير حقيقة أنه لا حق لمن لا يجد من نفسه طاقة التحمل والتجرد أن يخوض معترك الملاددات الكلامية، وإذا كانت هذه حقيقة بالنسبة إلى من يعتريهم الضعف، فكيف بالذين يحملون الأقلام المعروضة في الأسواق السوداء؟

إن الذي جعلنا نستشعر ضرورة إعطاء هذا الموضوع صفة تجعله في مصاف المسائل الكلامية، بل يشكل في واقعنا الذي نعيش فيه قضية أنه من خلال ما نشهده من الحمأة الإعلامية على عامة الأصعدة المحلية والإقليمية العربية وغير العربية والدولية ، نرى واقعًا شاذًا يبدو مخيفًا، إذ أن كلا من العقائد والاتجاهات السياسية ، مسخـر بعضها للبعض الآخر ، حتى ليبلغ الأمر درجة من التعقد وشمت السياسة لتحمل صفة العقائدية، مع أن هذا مرفوض من الوجهة النظرية على الأقل. إذا صحت التأملات السابقة فإنه يتوجب على المشتغلين بقضايا العقائد أن يكونوا على حذر، لا من المعلقين السياسيين الذين يعرضون آراء عقائد بالسنة وأقلام سياسية وحسب، بل من محاضرين وكتاب يتكلمون بألسنة أرباب العقائد، وهم على العكس من أولئك، يسقون الناس مفاهيم سياسية بمنطق مزعوم عقائديًا. وهذه إحدى آفات التفكير العقائدي والسياسي وإن كان الأول هـو موضوع بحثنا، وإنما كانت آفة، لما تحمل من المغالطات الخطيرة التي يتسبب عنها تمويه الحقائق العقائدية وذلك خدمة للمذهبيات السياسية التي لها السيادة في عصرنا الحاضر، والصور التي تشهد للحقيقة هذه لا تقتصر على استلام الصحفيين زمام المبادرة في توجيه الرأي العام، وعرضها تلك التوجيهات على شكل مزيج عجيب من الآراء المتناقضة التي تعمل هدمًا وتدميرًا لانتظام العقلية الإنسانية وحسب، بل نجد ملامح تلك الصورة واضحة في الكتب التي تطبع وتنشر بأعداد هائلة ، بأسماء تحمل معاني نقد الفكر الديني أحيانًا وتصطبغ بألوان العلمية أحيانًا ، أو تطعن برسالة محمد عليه الصلاة و السلام تحت ستار المدح بها أحيانًا أخرى لهدف تدعيم آلية سياسية غير إسلامية، مع أن المدقق في دوافع ذلك النشاط الإعلامي والكتابي والمتحري خلفياته ، يجد العنصـر السياسي، بل وباعث الانتفاع المادي، وهذه وصمة عار، لاتسم أولئك الكتاب الممتهنين بالخيانة الفكرية وحسب، بل تسقط تلك المؤلفات أن تكون محل احترام، وتجعلها تمثل إحدى اللوثات التي مني بها المسرح الفكري المعاصر، ومن العار - أشد العار - أن تحفظ كوثائق تاريخية، وحري بها أن تحرق أو أن تلقى مع النفايات إننا لا ننفي ألبتة أن يكون في كل مقالة أو كتاب ما هو جدير بالحفظ بصرف النظر عن أن يكون بشكل خدمة للحقيقة أو مطعنًا بها، ولكن الذي نود تقريره هنا، أن الحيدة على الموضوعية، وعلى الأخص إن كانت تلك الحيدة تكشف خداع الكاتب بأن يكون هدفه المضمر هو غـير الظاهر، مثل هذه الحيدة، تسقط الكلمة، وتفقدها مبرر احترامها، وتغدو أهمية مقالة أو كتاب من هذا القبيل أن يمثل شاهدًا للحقيقة التي ناصبها الكاتب العداء، وليس شاهدًا عليها. من هنا كان العقائديون يتحملون مسؤولية إضافية تجاه هذه المسألة وواجبهم يتسع ليشمل لا مناقشة ما قد يحويه مصنف من أضاليل وخدع، بل وعدم نبل القصد، والتآمر على الحقيقة تحت ستار البحث منها والغيرة عليها .


الرابط المختصر :