العنوان مشكلات العصر في ضوء الفقه الإسلامي.. التنمص
الكاتب الدكتور محمد رواس قلعجي
تاريخ النشر الثلاثاء 24-أبريل-1979
مشاهدات 94
نشر في العدد 442
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 24-أبريل-1979
لو تلفت حولك لوجدت تلك المدنية الصاخبة. يعج فيها الناس عجًا، قد فتحت الدنيا عليهم أفواه القرب، فهي تدفق المال عليهم دفقًا، وبتوفر المال ملأت المصانع الأسواق بإنتاجها. ومن هذا الإنتاج ما هو ضروري لهذه الحياة الحديثة، ومنه ما هو حاجي لها، ومنه ما هو كمالي- تحسيني.
وتوسع الناس في عيشهم، فلم يعودوا يقتصرون على الضروريات ولا على الحاجيات، بل طلبوا الكماليات أيضًا، وبتطور الحياة أصبح ما هو كمالي بالأمس من الضروريات اليوم.
وقد أصاب التطور «حسن المظهر» فلم يعد مقبولًا أن يلبس ميسور الحال الثوب المرقع بله الأمير والقاضي وذي الولاية.
وأعطت المرأة جمالها القسط الأكبر من اهتمامها، وبات ينظر إلى المرأة التي لا تعير جمالها شيئًا من اهتمامها على أنها امرأة متخلفة، أو بدائية، إن لم تكن على حظ كبير من الثقافة أو المنزلة الاجتماعية.
تلك أعراف، إذا لم تستغلاستغلالًا قبيحًا لا تتناقض مع الإسلام في شيء، وذلك تطور فرضه الزمن، لا نستطيع له دفعًا، وإن من يحاول دفعه كأنه ينكر سنة الحياة في التطور، ونحن كمسلمين لا نرضى أن ينظر إلى بناتنا ونسائنا نظرة التخلف لأنهن داعيات، وقدوة، إذ كيف يقتدي أمرء بأحد يعتقد فيه التخلف، لذلك كان لا بد من ظهور المرأة المسلمة بالمظهر اللائق المناسب للعصر من غير اقتراف ما يخالف أحكام الشرع الحنيف، لتستطيع أن تمكن لإقدامها من الرسوخ في هذا المجتمع الذي تباشر إصلاحه.
فرض الغربة على أبناء العصر
إننا نعيش في عصر أخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أن القابض فيه على دينه، كالقابض على الجمر»، كما ظهر فيه من الانحرافات المغريات التي تفتن المؤمن عن دينه الشيء الكثير.
وفي هذا العصر بالذات يحتاج المسلم إلى فهم الدين في أوسع دوائره متلمسًا روحه ومقاصده، ليحمل النفس على الأخذ بها.
وهذا ما يفسح المجال أمام المسلم فيوفق بين أحكام الإسلام والعصر الذي يعيش فيه، وبذلك يعيش في يسر من أمره ويخفف عنه غربته في مجتمعه.
ورغم أن هذا الأمر كما يبدو بديهيًا، إلا أن طائفة من المحدثين -أعني الذين ليس لهم باع في فهم النصوص التشريعية واستنباط فقهها- يحاولون أخذ الناس بألفاظ النصوص دون روحها وأهدافها، فيتمخض تفكيرهم الفقهي على نمط من الأحكام التي تحمل الكثير من التشدد الذي يجعل المفكر بها والآخذ غريبًا عن عصره مع أن النص لو فهم على وجه آخر -وليس في هذا الفهم مخالفة لمنهج التفكيرالإسلامي- لأمكن إزالة الغربة من الأخذ بالحكم وعصره، مع أن تحقيق أهداف الشريعة هو هدف النصوص التشريعية.
إن هذا النمط من التفكير يوقع المسلمين الملتزمين في كثير من العنت، ويفقد الحركة الإسلامية الكثير من الكفاءات التي تأبى الانضواء تحت لوائها، وبذلك يكون الضرر مزدوجًا.
الأصل في النصوص التعليل
ونحن إذا جمعنا آيات الأحكام في كتاب الله تعالى، وأحاديث الأحكام في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمعنا النظر فيها قليلًا لوجدناها تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: نصوص تعبدية، وهي النصوص التي لم يدرك وجه العلة فيها، كعدد ركعات الصلاة، وتخصيص الصيام بشهر لا أكثر ولا أقل، وأن هذا الشهر هو شهر رمضان، وأن مقدار الزكاة هو كذا.. إلخ، وبامتثال أحكام هذه النصوص يبرهن المؤمن على عبوديته الله تعالى.
القسم الثاني: نصوص يمكن إدراك وجه العلة فيها وهي جملة نصوص الشريعة -إلا ما ندر منها- ولذلك أطلق الفقهاء قولهم «الأصل في نصوص الشريعة التعليل» -انظر حاشية بن عابدين ۱- ۳۰۱- واستنباط العلة هو الميدان الذي يتبارى فيه الفقهاء، فيخبو فيه نجم أناس ويسطع فيم نجم آخرين، فتكون لاجتهاداتهم الصدارة بين الاجتهادات الفقهية، وإن وقوف أناس أمام النص لا يعملون عقولهم في أبعد من ألفاظه، ولا يجاوزونها بحال، ولا يلتمسون علة النص ولا هدف الشارع الحكيم منه، هو عمل من شأنه أن يفرض الجمود على الشريعة ويسهم في تعجيزها عن مسايرةالتطور.
حديث النامصة:
ولعل حديث النامصة واجتهادات الفقهاء فيه أحسن ما يمثل ذلك.. فقد أخرج البخاري ومسلم أن عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه قال: «لعن الله الواشمات والمتوشمات، والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله، فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها أم يعقوب فجاءت فقالت: إنه بلغني أنك لعنت كيت وكيت فقال: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم».
والمراد بالتنمص: هو نتف النمص وهو الشعيرات الدقيقة- من الوجه.
لقد انقسم الفقهاء في وقوفهم من هذا الحديث إلى فريقين، فريق تمسك بألفاظه، ولم ينظر إلى أهدافه فوقع في مفارقات عجيبة غير مقبولة فكان مما قالوه:
لما كان التنمص هو نتف النمص من الوجه، والحديث يحرم التنمص، يحرم على المرأة أن تنتف النمص الذي في وجهها تزيينًا لوجهها، وطلبًا لانتزاع إعجاب الناظر إليها، من زوج أو غيره، ولما كان الحديث لا يفرق بين المتزوجة وغير المتزوجة، فإن التنمص يحرم على المتزوجة وغير المتزوجة على حد سواء.
أما حف المرأة وجهها -وهو حلق هذا النمص بالموسى- فلا شيء فيه، وهو مباح، لأن الحديث منع التنمص- وهو نتف النمص، وسكت عن الحف -وهو الحلق-.
مع أن قصد المرأة من الحف هو قصدها من النتف، فهي تبغي الزينة سواء استعملت هذا أو استعملت هذا. وإن مظهر المرأة بعد الحف يشبه مظهرها بعد النتف، ولكن الآثار السيئة التي يتركها الحف هي أكثر من الآثار السيئة التي يتركها النتف، إذ بالحف يقوى الشعر ويشتد ويغلظ ويقسو ويسود لونه، وهذا يعني أن المرأة لن تستعمل الحف مرة بعد مرة حتى تجد نفسها وقد أصبحت أشبه بالرجل منها بالمرأة.
وفي تصوري أن هذا الفهم للحديث ليس بالفهم السديد - والله أعلم.
أما الفريق الثاني من الفقهاء فقد حاول تطويع ألفاظ الحديث لمقاصد الشارع، وطالما أن جمال المرأة هو جزء لا يستهان به من عدتها إلى جانب الأخلاق والدين، فإن الشارع لم يمنع المرأة من التزين، على شرط ألا تضر تلك الزينة بالغير، فتكون تلك الزينة وسيلة غش وخداع،ومن ذلك التنمص.
ولما كانت المرأة غير المتزوجة عرضة لزيارات الخطاب لها وتأملهم في وجهها وكان من الصفات المرغوبة في المرأة خلو وجهها وجسدها من الشعر، فإن إزالة الشعر من وجهها والأماكن الظاهرة من جسدها بالحف أو النتف، يحمل في طياته معاني الغش للخطاب، حيث يظهر لهم الفتاة المعرضة للخطبة على غير الصورة الحقيقية لها، ولذلك حرم على غير المتزوجة الحف أو النتف.
أما المتزوجة فإن الغش بالنسبة إليها غير وارد، وإنما يفسر عملها في التنمص على أنه تجمل لزوجها، وهي مأمورة بأن تتجمل وتتزين له.
وإننا إذا ما رجعنا إلى الحديث الشريف الناهي عن التنمص، وحاولنا استنباط العلة التي حرم التنمص من أجلها -باعتبار أن الأصل في النصوص الشرعية أن تكون معللة لوجدنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينه عن التنمص إلا لما فيه من التغرير -أعني الغش- وهو متوفر في الشابة المتعرضة للنكاح، دون المتزوجة، ولذلك حرم التنمص على غير المتزوجة، وحل للمتزوجة لانتفاء الغش في حقها وإلى هذا الفهم للحديث ذهب جماعة من الصحابة منهم عائشة رضيالله عنها، وتبعهم في ذلك طوائف من الفقهاء، فقد روى الإمام عبد الرزاق الصنعاني في كتابه العظيم «المصنف» -وهو من أوائل من صنف في السنة النبوية- أن امرأة ابن أبي الصقر-وهي العالية بنت أيفع- أنها كانت عند عائشة فسألتها امرأة فقالت: يا أم المؤمنين إن في وجهي شعرات أفأنتفهن أتزين بذلك لزوجي، فقالت عائشة أميطي عنك الأذى وتصنعي لزوجك كما تصنعين للزيارة، وإن أمرك فأطيعيه، وإذا أقسم عليك فأبريه، ولا تأذني في بيته لمن يكره أ هـ.
- انظر: مصنف عبد الرزاق 3/146-
وبهذا أخذ فقهاء الحنفية رحمهم الله تعالى -انظر حاشية ابن عابدين 5/239- وهو فهم تطوري لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ضروري في عصرنا الحاضر.
لأنه من المرفوض رفضًا باتًا أن تقع عين الرجل في عصرنا وهو يسير في الشارع على وجوه الفاسقات وهي في غاية من التبرج والزينة، وتكون زوجه على خلاف ذلك.
إن على المؤمنة أن تبذل قصارى جهدها لتشد زوجها إليها، وتجعله متعلقًا بها، شاعرًا بجمالها وأنوثتها، إلى جانب خلق كريم ودين قويم.
والخلاصة: إنه لا يجوز لغير المتزوجة التنمص لما في ذلك من الغش إلا إذا كثر الشعر في وجهها فجعلها شبيهة بالرجال، فيجوز لها إزالته، منعًا للتشبه بالرجال.
أما المتزوجة فيجوز لها نتف الحاجب وإزالة النمص من الوجه تزينًا لزوجها لانتفاء الغش بذلك.
اللهم إنا نسألك السداد في القول والعمل.
د. قلعه جي
المجلة: نرجو أن يكون في هذا المقال جواب لكثير من الرسائل والهواتف التي وردتنا تسأل عن هذا الموضوع.