; مشروع كاثوليكي لترميم الموقف الأوربي في مواجهة تحديات الصحوة الإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان مشروع كاثوليكي لترميم الموقف الأوربي في مواجهة تحديات الصحوة الإسلامية

الكاتب أحمد إبراهيم خضر

تاريخ النشر الثلاثاء 07-يونيو-1988

مشاهدات 67

نشر في العدد 869

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 07-يونيو-1988

نداء من أجل إيجاد صيغة لبعث أوروبي مضاد للبعث الإسلامي

•       حقد دفين على الإسلام والمسلمين.

قس كاثوليكي يعترف:

•       البعث الإسلامي هو بحث متحمس عن الهوية الأصيلة والعودة إلى المصادر الأساسية للإسلام.

•       البعث الإسلامي بعث غير عادي ظهر في وقت يقول فيه الغرب إن الله قد مات.

 

مشروع كاثوليكي لامتصاص الإسلام تقدم به القس YAKIM MOUBARA لدول أوروبا يطلب منها تبنيه.

نُشر هذا المشروع في المجلة الكاثوليكية البلجيكية ثم أُعيد نشره في مجلة الصليب المعاصر.

كان "القس" يحفز قادة الغرب والشرق على تبني المشروع على المستوى السياسي، ويذكرهم بما اعتاد البابا جون بول الثاني أن يقوله مرارًا حينما كان مطرانًا في وطنه بولندا، وما زال يقوله دائمًا في مناسبات مختلفة: "لا يوجد اليوم سياسة أوروبية قادرة على إعادة توحيد أوروبا تمسح بضربة واحدة هذا الحائط الذي يقسمنا من البلطيق إلى البحر المتوسط".

ومطالبة القس والبابوات بإعادة توحيد أوروبا ليس إلا من منطلق مواجهة الإسلام. فالقس صاحب المشروع ينادي بوحدة القارة الأوروبية المسيحية لتكون أوروبا قادرة على قبول ما يسميه "بتحدي الإسلام الجديد"، فهو ينادي ببعث أوروبي مساوٍ للبعث الإسلامي. ويحاول "القس" إخفاء مراميه الحقيقية وتغليفها بثوب آخر تحت ستار التعاون مع الإسلام، فيقول في ذلك: "أنا لا أحلم بحملة صليبية تحت رعاية البابا ولا بمحاولة بناء إمبراطورية أوروبية، لكننا نريد أن ننفذ مع الإسلام برنامجًا هائلًا للسلام والمدنية ليس فقط من خلال بناء مؤسسة أوروبية ضرورية قادرة على الحوار مع الإسلام وإيجاد منطقة مشتركة من الاهتمام، ندافع عنها سويًا وإنما عبر استئناف سلطة روحية عالمية مستقلة يعترف بها العالم المسيحي كله... ولعلنا نستفيد من وجود هذا البابا البولندي في هذه المحاولة".

ويستطرد "القس" قائلًا: "إنه إذا لم يكن كافيًا أن نحرر أنفسنا من كل المخاوف التي تصاحب هذا العالم الذي يتحرك بسرعة فإنه لا بد على الأقل من أن نفكر في تصميم كوكب يوفق بين المسلمين والمسيحيين لمستقبل مشترك كهدف نسعى إليه جميعًا".

وكان "القس المذكور" قد شارك طويلًا فيما يسمى بالملتقى الإسلامي المسيحي وكتب كثيرًا عن القيم الدينية في الإسلام، ولعل دعوته للتعاون مع الإسلام كانت بحكم عضويته في هذه اللقاءات. لكن السؤال هنا: أيعني ذلك أن النصارى قد رضوا عنا حتى إنهم يودون أن نشاركهم في مستقبل أفضل؟ إن ذلك لا يمكن أن يكون ولن يكون لأن الله تعالى قد أخبرنا عن الحقد الذي يحملونه لنا في كتابه عز وجل: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ (البقرة:217).

ويبدو هذا الحقد في مشروع "القس" لا يستطيع أن يخفيه مهما غلفه بعبارات تمتدح الإسلام وتطلب التعاون معه.

 

يصدر "القس" مشروعه بالتنويه إلى التعامل مع الإسلام كدول مختلفة بدلًا من كيان واحد وعدم اعتبار ذلك استعمارًا جديدًا أو تدخلًا على النمط القديم، فيقول: "تحتل أخبار الإسلام دائمًا واجهات الصحف، كما يشغل عقول الناس جميعًا، بالرغم من ذلك فإن المراقبين يكررون دائمًا نفس الصيغ القديمة التي تثير الشك وتدعو إلى عداء المسلمين الصريح، وفي مشروعنا هذا سنتخلص من النظرة الواحدة الواضحة لعالم المسلمين ونتبنى نظرة تركز على البلاد الإسلامية - مختلفة - دون أن نبدو في صورة استعمار جديد مُبعث أو نظهر كدخلاء على النمط القديم".

ويحذر القس من ازدياد عدد المسلمين وتقلص أعداد النصارى، فيوجه انتباه أوروبا إلى هذا التطور الديموغرافي السكاني الإسلامي فيقول: "إن الحقيقة اللافتة للنظر هو أن المسلمين قد تضاعفوا عبر 30 سنة من 350 مليون نسمة إلى 700 مليون نسمة، فشكلوا خُمس سكان العالم بعد أن كانوا يشكلون السبع فقط". ثم يحمل على أوروبا أن عدد سكانها يأخذ معدلًا ثابتًا إن لم يكن يتناقص وذلك على عكس أعداد المسلمين.

ويشير القس أيضًا إلى توالي تضاعف الدول الأعضاء في الجامعة العربية مع نهاية الحرب العالمية الثانية، وإلى عضوية أكثر من 40 دولة في المؤتمر الإسلامي بعد أن كان العالم الإسلامي تحت السيطرة الأجنبية تمامًا عند بدء الحرب العالمية الأولى.

وصحيح أن العالم الإسلامي قد تخلف طويلًا بسبب استعماره بالمقارنة مع الدول الصناعية، لكن "القس" يشير إلى أن هذه المرحلة ذاتها قد طورت نخبة تمتد إلى جيلين أو أكثر من العلماء والفنيين الذين يحتلون أوضاعًا رائدة في كل دولة إسلامية كما يشير أيضًا إلى هذه الأقليات التي يراها - أقل حظًا - كالمسيحيين، ويرى أنها ساهمت في تحديث العالم الإسلامي نحو الاتجاه الغربي أو الاتجاه الماركسي دون أن يُبين أن ذلك من شأنه أن يعوق الإسلام الصحيح. لكنه من زاوية أخرى يندب حظ "الإسرائيليين" ويحسد الفلسطينيين على حصولهم على درجات أعلى من "الإسرائيليين" وعلى تواجدهم في مختلف المستويات الإدارية في دول الخليج العربي التي يعملون بها. وقد تعني إشارته هذه أنه لا داعي لأن ينزعج "الإسرائيليون"، فدول الخليج قد امتصت الفلسطينيين وهم بدورهم أحسن حالًا من "الإسرائيليين" سواء في درجاتهم أو رواتبهم.

ولم ينس القس بالطبع ثروة المسلمين البترولية الدولارية واحتياطها الهائل منها، لكنه على الجانب الآخر يرى أن هذه المزايا التي يتمتع بها العالم الإسلامي تضم بداخلها نقائص أيضًا، فالعدد السكاني الهائل يعيش معظمه في مستوى الفقر، كما أن البلاد الإسلامية هي من أكثر مناطق العالم اضطرابًا. كما ولد تعدد الدول الإسلامية مفاهيم تتناقض مع مفهوم "الأمة" في الإسلام. كما زاد اعتماد المسلمين على الغرب وعلى الكتلة السوفيتية. ويرى القس أن تقدم العالم الإسلامي لم يمح من نفوس المسلمين ذكريات احتلالهم، وما ترسب في أعماقهم بأن حرماتهم قد انتهكت.

 

يذكر القس أوروبا بدور التناحرات الداخلية والهجوم الخارجي في إذلال المسلمين فيقول مشيرًا إلى مشكلة المسلمين مع "إسرائيل": "لم يعبر الإسلام عن نفسه مطلقًا في أشكال متناقضة كدين تسامح وضيافة إلا إذا نجح الآخرون في تقسيمه أو إذلاله بهجوم خارجي". ويقول عن أسباب تحول هذه الروح المتسامحة المضيافة إلى روح الرفض والعنف: "إننا لا نعجب من رد فعل العالم العربي نحو الصهيونية، فإن إنشاء دولة لليهود في فلسطين أعاد فتح جرح عميق كاد أن يندمل بعد أن اعتقد المسلمون أنهم أفاقوا من حقبة استعمارية طويلة".

ربط القس الإسلام بالإرهاب دون أن يستخدم مدلول الإرهاب صراحة، وإنما أسماه "محاولات الهجوم على المبادئ المستقرة والقوانين الأساسية للعلاقات الدولية كأحداث تجري في العالم الإسلامي". ويستخدم القس كثيرًا كلمة "إذلال الإسلام" فيقول: "حينما يشكو الغرب اليوم من هذه الأحداث، فإنه يجب ألا ينسى أنه أذل الإسلام لأجيال عديدة وحول أشكاله التسامحية إلى أشكال عنيفة".

وواضح تمامًا أن القس يخشى من قيام أنظمة على أساس من القرآن، ولهذا فهو يحاول ربطها بالثيوقراطية، ويعتقد أن قيام أنظمة إسلامية يعني القضاء على مفهوم التسامح والضيافة الذي يتميز به الإسلام من وجهة نظره. كما يعتبر أن قيام دولة لليهود في فلسطين هو الذي أطلق العنان لهذه الأنظمة وأعطاها شرعية لإقامة دولة على أساس من القرآن بطريقة توازي تلك التي قامت عليها "إسرائيل".

والبعث الإسلامي كما يراه "القس" - بعث غير عادي - ظهر في وقت يقول فيه الغرب إن الله قد مات - تعالى الله عما يقولون -. ويرد القس هذا البعث تارة إلى ما يسميه بالإحباطات التي أصابت المسلمين، وتارة أخرى يرده إلى تحليلات ماركسية كأفيون يعطيه الدين دائمًا للمقهورين، ثم يعود ثالثة فيقول: "إنه لا يمكن أن نفسر هذا البعث ببساطة كرد فعل للصهيونية أو كعذر يبرر فيه المسلمون هزائمهم". ثم يعترف أخيرًا "بأن هذا البعث هو بحث متحمس عن الهوية الأصيلة والعودة إلى المصادر الأساسية للإسلام مكنه من تحدي ورفض النماذج الاشتراكية والليبرالية". ويقول أيضًا: "إن البعث الإسلامي في اعتماده على المصادر الديناميكية الدينية، قد اكتشف المجرى الأكيد في صراعه للاستقلال، إن هذا الإسلام ما كان أبدًا قطاعًا منفصلًا عن الحياة في هذا العالم لكنه قاعدة تقيم أساس الدولة والقانون والمجتمع المدني". فيقول: "تمثل السمة الدينية للإسلام عاملًا إيجابيًا في وحدة بلاد المسلمين بدلًا من تشتتها لأنها تقدم لهم تجربة حية لوحدة حقيقية لشعوب مختلفة جدًا لكنها ذات معتقد واحد هو مصدر فخر لها. ويجب أن نعترف بأن الإسلام في العصر الحاضر عامل من عوامل التحرر، كما كان في الفترات الأولى من تاريخه، وأن بعثه الديني الآن هو من أشد العوامل قوة في تحريره ولقد عايشت الثورة الجزائرية - والكلام هنا للقس - فتأكد لي بما لا يدع مجالًا للشك كيف كانت المشاعر الدينية الإسلامية من أهم العوامل التي ساعدت على تحرير الجزائر".

ولا يفوت "القس" أن يبرز الخلاف بين الشيعة والسنة حينما يتحدث عما يسميه بالأصولية الإسلامية التي يراها عند المسلمين السنة في العودة إلى القرآن والتطبيق الصارم للشريعة الإسلامية، ويراها عند الشيعة في اعتمادها على نموذج شخصي لا يعود إلى كتاب ولا يهدف إلى تطبيق قانون، لكن "القس" يركز على ما يسميه بالخصوصية الفارسية المعارضة لما يسميه أيضًا "بالسيطرة العربية للإسلام".

أما عن جوهر المشروع الذي يطرحه "القس" على أوروبا، فلا نراه إلا تذكيرًا للغرب بفاعلية الأساليب القديمة في مواجهة الإسلام، وامتصاصه وإعادة تركيز الأضواء عليها مرة أخرى، ثم توجيه نظر أوروبا إلى قطاعات من المسلمين يعيشون فيها، لكنها تشكل خطرًا على تكاملها مثل المهاجرين في فرنسا وبلجيكا والأتراك في ألمانيا والباكستانيين في بريطانيا من العمال والمثقفين المسلمين.

 

الرابط المختصر :