العنوان مشروع الميثاق من أجل السلم يحمل في أحشائه «جنين أزمة جديدة».
الكاتب تقية الحواس
تاريخ النشر السبت 10-سبتمبر-2005
مشاهدات 98
نشر في العدد 1668
نشر في الصفحة 36
السبت 10-سبتمبر-2005
كيف تخرج الجزائر من الأزمة التي أدمتها ما يزيد على عقد كامل من الزمن؟ حين أعلن الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة عن الميثاق من أجل السلم والمصالحة الوطنية ودعًا إلى الاستفتاء عليه، أكد أن ذلك سيوفر الجو الملائم للتنمية الوطنية المنشودة. وعند تأمل خطاب بوتفليقة الذي دعا الجزائريين فيه إلى الاستفتاء حول الميثاق المزمع عقده في ٢٦ من سبتمبر الجاري، ورد في هذا الخطاب عبارات متعارضة تكشف أنه لا يؤمن كثيرًا بوعود الميثاق الذي يدعو إليه.
الجزائر: إذا لم يحسم السجال بين العسكريين والمسلحين.
واحتوت كلمته على بعض العبارات التي أثارت زوبعة من الشكوك والحيرة في جدية هذا الميثاق وهي قوله إن هذا الميثاق هو ما تسمح به التوازنات الوطنية حاليًا، ثم بعدها أكد أنه المشروع الوحيد الذي سيشفي الجزائر إلى الأبد من أزمتها.
وما ينبغي لإصلاح الأزمة ليس هو بالضرورة ما تسمح به التوازنات الوطنية. وليست هذه المرة الأولى التي يبدي فيها بوتفليقة موقفًا مخالفًا لموقف قادة الجيش من الأزمة؛ حيث قال في بداية عهدته الأولى: إن أول اعتداء هو توقيف مسار الانتخابات التي فازت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ، لكنه في مشروع الميثاق تبنى موقف قادة الجيش الذين ينسبون أول اعتداء حدث إلى الجبهة الإسلامية للإنقاذ التي حاولت - بحسب كلام قادة الجيش - أن تهدم الجمهورية وتقيم مكانها خلافة إسلامية بالدعوة إلى جهاد مزعوم كاد يقضي على الدولة ويتضح في كل تلك العبارات التردد الذي يشكك في إيمان الداعين إلى الميثاق ويصعب عليهم أن يقنعوا الجزائريين بمشروع هم غير مقتنعين به.
كما يقدم مشروع الميثاق تحليلًا للأزمة ولعلاجها يتفق اتفاقًا كاملًا مع ما ظلت قيادة الجيش، تردده ويتكون خطابهم من رواية للأحداث تعطي لمواقفهم وقراراتهم شرعية تمنحهم حق حرمان خصومهم من فوزهم في الانتخابات التي أشرفوا عليها وأعلنوا عن صحة نتائجها.
ويبدؤون بالحديث عن أن بعض رؤوس الفتنة دعت إلى ما يشبه الجهاد للقضاء على الجمهورية حتى يقيموا مكانها خلافة دينية لكن قيادة الجيش والقوى الوطنية الحية فطنتا للمؤامرة فحاربتا مشروعهم الشيطاني وهزمته، وستمنعان في المستقبل كل استغلال للإسلام من أجل الوصول للسلطة. ويلخص قادة الجيش أصل الأزمة في استغلال خاطئ للدين الإسلامي وهم بذلك ينكرون أن يكون هو أصل الأزمة في النظام السياسي ويؤسسون كل تحليلاتهم ومعالجاتهم على هذا الإنكار وهذا ما يعيدونه في الميثاق ويبنون عليه إجراءات العلاج، ويعطون وعدًا بأنه سيمنع في المستقبل تكرار الأزمة، وينهض بالتنمية الوطنية.
رفض إقامة أحزاب
أما الذين حملوا السلاح فإنهم يقولون: إن السلطات لم تترك لهم خيارًا آخر إلا القتال لأنها تمنع كل السبل السلمية من أجل المطالبة بالحقوق والدفاع عنها، ويضربون المثل على رفض قيادة الجيش وأعوانها من السياسيين الطرق السلمية القانونية من أجل الوصول إلى السلطة والبقاء فيها: بإلغائها نتائج الانتخابات التشريعية التي فازت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ. ويؤسسون على ذلك دعوتهم إلى خيار حمل السلاح لأنها في اعتقادهم سلطة لا تفهم إلا لغة الرصاص والعنف والقوة هما إذن مشروعان: الأول: مشروع السلطات العسكرية الذي يزعم أن أساس الأزمة ليس سياسيًا بل مع بعض دعاة الخلافة المستغلين للإسلام من أجل الوصول إلى السلطة، بل إنها تزعم أنها حاربت. المسلحين حتى تحمي القوى الديمقراطية ودولة الحق والقانون من بطش الإسلاميين. والثاني هو مشروع المسلحين الذي يزعم أن الأزمة سياسية وتتمثل في رفض السلطات العسكرية وأعوانها كل معارضة سياسية حقيقية ملتزمة بالطرق السلمية القانونية، وإذا لم يحسم مشروع الميثاق من أجل السلم هذا السجال السياسي، فإنه لن يكون إلا فرصة أخرى تضيع على الجزائريين، لما يحمل في أحشائه من جنين أزمة قادمة قد تكون أخطر من السابقة.
ونخلص هنا إلى أن أغلب إجراءات السلطات الجزائرية التي قامت بها طوال العشرية السابقة بغلق مجال المشاركة السياسية لم تحم - كما زعمت - القوى الديمقراطية من الغول الإسلامي، وإنما حرمتها من كل عمل سياسي قانوني، ولم تبق من هذه القوى إلا من وافقت على تبرير عمليات التزوير الهائلة التي جرت في الانتخابات. وبذلك تطعن في زعمها أن المتسببين في الأزمة هم دعاة الجهاد المزعوم. لقد رفضت السلطات الجزائرية طلبات الحصول على تراخيص لإقامة أحزاب سياسية
هناك مشروعان متنازعان مشروع العسكر الذي يزعم محاربة من يسميهم بدعاة الخلافة لمنعهم من الوصول إلى السلطة ومشروع المسلحين الذي يتهم السلطة برفض كل معارضة سياسية حقيقية ملتزمة بالقانون
منها حزب سيد أحمد غزالي وهو رئيس الحكومة الذي أوقف بأمر من الجنرالات المسار الانتخابي الذي فازت فيه الجبهة الإسلامية للإنقاذ كما رفضت ترخيص حزب «البديل»، وهو حزب أسسه قياديون منشقون عن أحزاب علمانية، مثل حزب جبهة القوى الاشتراكية، وحزب التجمع الديمقراطي الأمازيغي، ولم تقدم أيضًا السلطات تبريرًا لهذا الرفض، ورفضت أيضًا «حزب وطني» الذي أسسه وزير الخارجية الأسبق أحمد طالب الإبراهيمي. فكيف يمكن للسلطات أن تقنع أحدًا بأنها تحمي الديمقراطية من الخطر الإسلامي؟ وأن ما يدعيه المسلحون من أنها لم تترك لهم خيارًا إلا حمل السلاح ليس إلا أكاذيب باطلة؟ وكيف تنكر أن الأزمة سياسية إذا كانت ترفض فتح مجال العمل السياسي لمن تزعم أنها تحميهم من دعاة الخلافة؟
لماذا رفضت السلطات الجزائرية الترخيص لأحزاب سياسية ومنها حزب سيد أحمد غزالي وهو رئيس الحكومة الذي أوقف المسار الانتخابي الذي فازت فيه الجبهة الإسلامية للإنقاذ؟
ولا ينحصر التضييق على النشطاء السياسيين في الحصول على تراخيص للأحزاب، بل يطول العمل الاجتماعي المستقل حيث رفضت السلطات إعطاء ترخيص لنقابات مستقلة أن هذه النقابات حصلت على اعتراف هيئات العمل الدولية، وتدأب السلطات على محاصرة الهيئات المنتخبة والتخلص منها أو إفراغها من
صلاحياتها.
التشجيع على العصيان
لا تكتفي السلطات بغلق السبل القانونية السلمية فقط في وجه كل من يريد مشاركتها في السلطة، بل إنها تعطي في تعاملها مع ازمات أخرى كل التشجيع والدعم، فعندما نشبت أزمة منطقة القبائل اتهمت في البداية قيادة الاحتجاج بالعمل لصالح دوائر أجنبية، ثم حکمت عليهم بالسجن كمجرمين، لكنها بعد أن أغلقوا في وجهها منطقة القبائل ونجحوا في إفشال المواعيد الانتخابية اعترفت بهم كزعامات وطنية وفاوضتهم كممثلين المنطقة كاملة، وأعطتهم تنازلات دون استفتاء شعبي في مسائل حيوية تخص اللغة الأمازيغية في وقت لم ينسه التاريخ، فإن الرئيس بوتفليقة أقسم من قبل إنه لن يجعلها لغة دستورية إلا بعد استفتاء شعبي مع أن قادة عروش القبائل لم يحصلوا على اعتماد قانوني يسمح لهم بالنشاط السياسي. وعندما سألوا قائدهم بلعيد عبريكا، عن إشاعات حصوله على ترخيص قانوني لتنظيمه أجاب ساخرًا: وماذا أفعل به؟
ومادام مشروع الميثاق من أجل المسلم والمصالحة لم يفتح الأبواب أمام من يريد أن يشارك في صنع مصير الوطن بالطرق القانونية السلمية فإنه لم يطرق إلا بابًا وحيدًا هو باب الخروج على القانون.
ويرى المحللون أنه ليست كل الإجراءات التي اتخذت من قبل استفادت منها الفئات الخمس: المسلحون، وقوات الجيش والأمن والمفقودون وضحايا الإرهاب وقادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ، إلا إجراءات قانونية واجتماعية لا تعالج أصل الأزمة، وإنما تحاول أن تضع عليه مكياجًا، يجعلها تبدو جميلة: دوليًا، بحرمان المطالبين بمحاسبة المتورطين في الجرائم ضد الإنسانية من حقوقهم ووطنيًا بتعويض الفئات الأخرى ماديًا على حقوقها أو شراء سكوتها إذا كانت كل إجراءات السلطات في السابق هي الغلق الفعلي لباب العمل السياسي القانوني السلمي.
الجزائر
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل