العنوان مشروع التسوية وأزمة حزب البعث السوري
الكاتب الطاهر إبراهيم
تاريخ النشر الثلاثاء 16-مايو-2000
مشاهدات 155
نشر في العدد 1400
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 16-مايو-2000
■ أسقط البعث السوري مقولاته السابقة، التي تجعل الانتماء القومي فوق الانتماء القطري، وتناسى مقولة الرئيس الأسد: القنيطرة ليست أكثر أهمية من حيفا أو يافا أو الجليل.
■ تتعهد الورقة السورية بإقامة علاقة حسن جوار مع إسرائيل، بينما لم يقم النظام البعثي علاقات حسن جوار مع بعض الدول العربية!.
■ حقوق التقاضي أمام المحاكم السورية تصبح مكفولة للإسرائيليين، بينما يحرم منها عشرات الآلاف من المعتقلين والممنوعين من السفر والمحرومين من العودة للوطن.
إذا كان إلغاء الخلافة الإسلامية يعتبر أهم زلزال أصاب الأمة الإسلامية، على وجه العموم، والأمة العربية على وجه الخصوص، في الربع الأول من القرن العشرين، فإن قيام الدولة الصهيونية في فلسطين في نهاية النصف الأول من ذلك القرن لا يقل في كارثيته عن إلغاء الخلافة، وإذا كانت الحكومات العربية، التي استقلت دولها عن المستعمر الأوروبي لم تكن لتشعر بالأسف لزوال الخلافة؛ لأسباب عدة ليس هنا مجال بسطها، فإن هذه الدول كانت تحس أنها مدانة في نظر مواطنيها؛ لأنها كانت لسبب أو لآخر متسببة في سقوط فلسطين في براثن الصهيونية العالمية، التي عملت وهيأت الأسباب لتحقق حلمها، وتستحوذ على هذا الجزء الغالي من الأرض الإسلامية، ولذا عملت هذه الدول على إظهار نفسها إعلاميًّا على الأقل، بأن قضية فلسطين هي قضيتها الأولى.
وقد أصبحت هذه القضية مجالًا للمزايدة بين الحكومات المتعاقبة، وقد أثبتت الأيام أن الدول العربية عمومًا، والثورية منها على وجه الخصوص لم تقم باتخاذ الأسباب المكافئة للتصدي للاستعمار الاستيطاني الصهيوني في فلسطين، بل كانت منشغلة بترويض شعوبها أكثر من انشغالها بتقوية جيوشها لمقارعة الكيان الصهيوني، وأثبتت مشاريع التسوية التي تم تداولها في المنطقة في عقد التسعينيات أن معظم الدول العربية كانت مهيئة لتقبل أي حل يزيح عن كاهلها عبء هذه القضية.
الحروب العربية الإسرائيلية ومشاريع التسوية
وقد ترتب على عدم جدية الدول العربية في التعامل مع القضية الفلسطينية، أن تعرضت للهزائم في حروبها مع الكيان الصهيوني في أعوام ١٩٤٨م و١٩٥٦م و١٩٦٧م، وحتى في حرب عام ۱۹۷۳م، التي شنتها مصر وسورية لتحرير سيناء والجولان من الاحتلال الصهيوني، لم تكد تبدأ جيوش سورية ومصر تقدمها في الجولان وسيناء حتى رأينا رياح الهزيمة تعصف بالجيشين العربيين، فقد عبر الجيش الصهيوني وشكل ثغرة غرب قناة السويس، بعد أن حطم الجيش المصري خط بارليف المنيع، أما على الجبهة السورية، وبعد أن تقدم الجيش السوري في الأراضي المحتلة، شن الصهاينة هجومًا معاكسًا ما جعل الجيش الصهيوني يتوغل بعمق يزيد على ثلاثين كيلو مترًا في شمال الجولان المحتل، واحتل مساحات أخرى غير التي احتلتها عام ١٩٦٧م، ما خلق تعقيدات جديدة على الجبهتين السورية والمصرية، حفزت أمريكا لإرسال وزير خارجيتها هنري كيسنجر، فقام بجولاته المكوكية المعروفة، وتم فض الاشتباك مع إسرائيل على الجبهتين السورية والمصرية، ووقع بعد ذلك خلاف بين سورية ومصر، انفرد بعدها الرئيس المصري أنور السادات بزيارته الشهيرة إلى فلسطين المحتلة، ثم وقع اتفاقية «كامب ديفيد»، ما شكل أول شرخ حقيقي ظاهر في الجسم العربي المنهك، بعدها استغلت أمريكا نتائج حرب الخليج الثانية؛ لدفع العرب بمن فيهم سورية للجلوس إلى طاولة المفاوضات في «مدريد» مع إسرائيل، ثم توالت الشروخ، فانفردت منظمة التحرير ووقعت اتفاقات «أوسلو»، التي لقيت استنكارًا وتنديدًا شعبيين في الوطن العربي، وتحفظًا خجلًا من بعض الدول العربية، وسكوتًا من بعضها الآخر، ثم تبعتها الأردن بتوقيع اتفاق «وادي عربة»، دخلت بعدها منظمة التحرير إلى غزة وأريحا تحت مسمى سلطة «الحكم الذاتي»، وقد صعدت الحكومة السورية لهجتها ضد اتفاقية «كامب ديفيد» ابتداء، ثم اتفاقيتي «أوسلو» و«وادي عربة»، وقاطعت اللقاءات الاقتصادية متعددة الجنسيات، وسعت إلى ربط المسار التفاوضي اللبناني بالمسار التفاوضي السوري؛ سعيًا منها لحمل إسرائيل على الانسحاب من الجولان عندما شعرت أن إسرائيل كانت راغبة بالخروج من وحل المستنقع اللبناني «كان يمكن لسورية أن ترغم إسرائيل على الانسحاب من الجولان لو أنها حذت حذو المقاومة في جنوب لبنان، وسمحت للمقاومة السورية والفلسطينية بالانطلاق من الأراضي السورية باتجاه فلسطين المحتلة».
وعندما أحست سورية أن إسرائيل عازمة على الانسحاب من جنوب لبنان أعلنت فجأة موافقتها على العودة إلى المفاوضات مع إسرائيل تحت صيغة «من حيث توقفت المفاوضات»، وهي صيغة ضبابية، أثبت سير المفاوضات في «شيردزتاون» أنها لم تضف مكاسب تذكر لموقف سورية، وعندما قدم كلينتون للمتفاوضين ورقة، اعتبرها تمثل حلًّا وسطا، وقد تبين عندما سريتها «هارتس» الإسرائيلية، أنها تفرض الشروط الإسرائيلية كاملة، شعرت سورية على إثرها بالإحراج، ومن ثم قامت بتسريب ورقة سميت «الورقة السورية» نشرتها صحيفة الحياة في ١٦ يناير ۲۰۰۰م، وتتمثل خطورة هذه الورقة في أنها تمثل الحد الأعلى الذي تطلبه سورية من إسرائيل.
إن من يلقي نظرة متأنية على هذه «الورقة السورية» يجد فيها تفريطا واضحًا في الحق، سوريًّا وعربيًّا وإسلاميًّا، والغريب إني لم أجد - باستثناء مجلة المجتمع الكويتية التي نشرت مقالة تسلط الضوء على بنود هذه الورقة - من الصحف العربية المناصرة أو المعارضة لسورية، من تصدى لهذه الورقة، وبين ما لها وما عليها؛ لذا اقتضت المصلحة تسليط الضوء على هذه الورقة، وقراءتها على ضوء الثوابت العربية والإسلامية بموضوعية كاملة، علمًا أن هذه الصيغة التي تسعى إليها سورية في الاتفاقية المنشودة لا تختلف في الجوهر عن اتفاقيتي «كامب ديفيد» و«وادي عرب» رغم أن سورية قالت في هاتين الاتفاقيتين ما لم يقله مالك في الخمر.
وسنحاول في قراءتنا للورقة السورية أن نسلط الضوء على أهم ما احتوته، وأن نشير إلى بعض القضايا الخطيرة التي اختلف موقف حزب البعث، والنظام السوري منها في هذه الورقة عن مواقفه السابقة من خلال الشعارات التي كان يطرحها منذ استولى على الحكم في انقلاب ٨ مارس ١٩٦٨م.
أولًا: إنهاء حالة الحرب مع إسرائيل
إن الوضع الذي كان قائمًا بين سورية وإسرائيل - قبل يونيو ١٩٦٧م - هو وضع الهدنة التي أعقبت حرب عام ١٩٤٨م، وهي حالة مؤقتة المفروض أن سورية - شأنها شأن جميع الدول العربية - كانت تسعى لحشد إمكاناتها العسكرية والتعبوية؛ انتظارًا لليوم الذي تستطيع فيه تغيير الوضع الراهن، والمتمثل في اغتصاب عصابات إسرائيل أرضًا فلسطينية هي جزء من بلاد الشام، وقد كان من المفترض أن يتأكد موقف سورية هذا بعد هزيمة ١٩٦٧م، بعد أن احتلت إسرائيل مرتفعات الجولان السورية الحصينة، وهذا الموقف المبدئي كان راسخًا منذ بدء الحكم الوطني بعد الاستقلال عام ١٩٤٦م، وقد حاول حزب البعث أن يتمسك بهذا الموقف بعد وصوله إلى السلطة بعد انقلاب مارس عام ١٩٦٣م، ولكن لننظر إلى ما آل إليه موقف حزب البعث ونظام الحكم السوري.
لقد نصت المادة الأولى من «الورقة السورية» على ما يلي:
مادة ١ - إقامة السلام وترسيم الحدود:
1 - تنتهي حالة الحرب بين سورية وإسرائيل يقوم السلام بينهما بعد دخول هذا الاتفاق حيز النفاذ.
2 - الحدود الدولية المعترف بها والآمنة بين سورية وإسرائيل هي الحدود المبينة في المادة الثانية أدناه.
لقد نددت سورية دائمًا باتفاقيات التسوية المصرية والفلسطينية والأردنية، واعتبرتها تفريطًا في الحق العربي، وها هي اليوم تتقدم بمشروع اتفاق ينهي حالة الحرب، ويوافق على الحدود الآمنة والمعترف بها لإسرائيل.
ثانيًا: التسليم لإسرائيل بحقها الأبدي بما اغتصبته من فلسطين
إن إعلان حالة السلام مع إسرائيل قضية من الخطورة بمكان بحيث لا يجرؤ الجيل السوري الحالي بأكمله على القيام به، فكيف أعطى المفاوض السوري لنفسه هذا الحق، وهو مخالفة صريحة لنص الدستور السوري الذي تم تعديله إلى الصيغة الحالية في عهد حكم حزب البعث عام ١٩٧٣م.
كما أن اعتراف الورقة السورية بحدود آمنة لإسرائيل هو اعتراف وبنص صريح لا يحتمل التأويل بأن ما وراء هذه الحدود هو ملك أبدي لدولة الصهاينة، وهو أيضًا: سحب للشرعية من الفلسطيني مالك الأرض وصاحب الحق الشرعي فيها، وإسباغ هذه الشرعية على المغتصب الإسرائيلي.
إن أي أرض عربية عمومًا، وأرض فلسطين المحتلة خصوصًا، هي وقف على الشعوب العربية والمسلمة، لا يحق لأي كان أن يفرط بها، وهي بهذه الصفة، ليست ملكًا لحكومات أو حكام، يمكنهم التنازل عنها مهما كانت الظروف.
وها نحن نرى اليوم حزب البعث السوري يدفع فلسطين كلها ثمنًا لاستعادة هضبة الجولان منقوصة الحدود والسيادة - كما هو واضح من خلال الورقة السورية التي تقبل بنزع السلاح من الجولان، وتواجد الأمريكي فيها - ظنًا منه أن استعادته للجولان بهذا الشكل المنقوص، سوف يبرئ ساحته من جريرة تفريطه فيها في حرب يونيو ١٩٦٧م، وذلك عندما أعلن البلاغ العسكري السوري، عن سقوط القنيطرة قبل ٤٨ ساعة من دخول الصهاينة إليها.
أسقط حكام سورية البعثيون مقولاتهم السابقة، التي تجعل انتماءهم القومي فوق الانتماء القطري، وتناسوا ما كان يقوله الرئيس الأسد: «القنيطرة ليست أكثر أهمية من حيفا أو يافا أو الجليل».
لقد اتخذ البعثيون في سورية من قضية فلسطين منبرًا؛ ليزايدوا بها على كل الأنظمة العربية التي اختلفوا معها في المواقف، وها نحن نرى النظام السوري وقد نفض يده كليًّا من القضية الفلسطينية، وتحولت القضية بأكملها من خلال ما نصت عليه الورقة السورية إلى مشكلة لاجئين ليس إلا «الفقرة - و -من المادة 3» تحت عنوان «ترتيبات أمنية أخرى»؛ حيث تم اختصار قضية فلسطين كلها في جملة واحدة فقط من ست كلمات هي: «وإيجاد حل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين».
ثالثا: خروج سورية من دائرة الصراع
بعد توقيعها اتفاق الصلح مع إسرائيل، سوف تصبح سورية أسيرة لهذا الاتفاق، وسيمنعها من أن تقف مستقبلًا إلى جانب أي بلد عربي أو إسلامي ينشأ بينه وبين إسرائيل صراع من أي نوع كان، فقد نصت الورقة السورية في الفرقة ٤ - من المادة ٦- على ما يلي: يتعهد الطرفان ألا يخلا بأي التزام يناقض هذا الاتفاق، بل إن الجامعة العربية الرمز الوحيد المتبقي للعرب ستفرغ مما بقي فيها من مضمون؛ حيث دعا شيمون بيريز، إلى نسف هذه الجامعة التي أسماها جامعة الكراهية؛ ليحل محلها جامعة شرق أوسطية تكون إسرائيل طرفًا مؤسسًا ومهيمنًا فيها، بل إن قدرات الجيش السوري سوف تنحسر عن أجزاء مهمة من الأراضي السورية، فقد نصت الورقة السورية البند ج - من المادة ٣- المناطق المنزوعة السلاح والمناطق المحدودة القوات» على:
1 - منطقة منزوعة السلاح على جانبي الحدود، لا يسمح فيها بتواجد قوات عسكرية أو معدات عسكرية أو أنظمة أسلحة أو قدرات عسكرية أو بنية تحتية عسكرية من قبل أي طرف، وتتواجد فيها قوات شرطة مدنية، في الغالب سوف تشمل هذه المنطقة كل هضبة الجولان.
2 - منطقة محدودة القوات والقدرات تلي المنطقة المنزوعة السلاح لدى الجانبين «في الغالب ستكون العاصمة السورية دمشق وما حولها من ضمن هذه المنطقة».
3 - ولن يقتصر الأمر على خروج سورية من الصف المناوئ لإسرائيل، بل ستصبح مكبلة باتفاقات أمنية تلزمها بملاحقة من تزعم إسرائيل أنهم يهددون أمنها شأن سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني، فقد نصت الفقرة «و» من المادة 3- من «الورقة السورية» على «و» ترتيبات أمنية أخرى: يدرك الطرفان أن الإرهاب الدولي بكل أشكاله يهدد أمن كل الدول، ولذلك لهما مصلحة مشتركة في تعزيز الجهود الدولية لمعالجة هذه المشكلة، ويتعهد الطرفان بالامتناع عن تنظيم أي عمل تهديد بالعنف ضد الطرف الآخر أو ضد مواطنيه أو ممتلكاته ويتخذ كل طرف الإجراءات الضرورية لضمان عدم انطلاق مثل هذه الأعمال من أراضيه، وهكذا ستجد سورية نفسها مهددة من قبل أمريكا وإسرائيل باتهاماتها بمناصرة الإرهاب - الذي حاولت سورية كثيرًا إخراج نفسها من دائرته - في أي وقت تشعر إسرائيل أن سورية تتلكأ في تنفيذ الاتفاق معها.
4 - وفي الوقت الذي ستلتزم سورية بالبنود العسكرية والأمنية في اتفاقها مع إسرائيل، فإن إسرائيل لن تلزم نفسها بهذه الاتفاقات، فقد رأينا إسرائيل ترسل عناصر من الموساد إلى عمان لاغتيال خالد مشعل - رئيس المكتب السياسي لحركة حماس - رغم أن اتفاق وادي عربة يلزم إسرائيل الامتناع عن القيام بمثل هذه الأعمال.
رابعًا: إنهاء حالة العداء «التطبيع».
تؤطر الورقة السورية التي طرحها المفاوض السوري في شبردزتاون، من خلال الترتيبات التي تطرحها إلى إزالة روح العداء بين السوريين والإسرائيليين، وإقامة علاقات السلم العادية حسب ما ورد في المادة «۱ فقرة 1» «ويحافظ الطرفان على علاقات سلم عادية كما هي موضحة في المادة 4 من هذا الاتفاق».
وإذا كان القرآن الكريم قد أكد أن روح الحقد والعداء متأصلة في نفوس اليهود لا يمكن أن تزول: ﴿ ۞ لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ (المائدة: ٨٢)، فإننا نجد أن نظام الحكم في سورية تناسى هذه الحقيقة، فنص في المادة ٤ من «الورقة السورية» على:
المادة -٤- علاقات السلم العادية:
۱ - يقر الطرفان بسيادة كل منهما وسلامته الإقليمية واستقلاله السياسي ضمن حدود آمنة ومعترف بها.
وهكذا وبعد أن كانت سورية، من خلال أيديولوجية حزب البعث الحاكم، تسمي إسرائيل دولة العصابات الصهيونية، إذا بها تبادر من تلقاء نفسها بالاعتراف بسيادة دولة العصابات هذه، وتعترف بحدودها الآمنة، وليبقى أهل الشتات الفلسطيني، الذي يقيم أكثر من نصف مليون منهم في سورية مبعثرين؛ حيث هم في المخيمات بدون دولة تحميهم، أو وطن ينتسبون إليه.
2 - يقيم الطرفان علاقات حسن جوار بينهما، ويمتنعان عن استخدام القوة أو التهديد باستخدامها «يلاحظ أن سورية لا تقيم علاقات حسن جوار مع بعض دول الجوار العربية، فقد حشدت قواتها على حدود العراق عام ١٩٧٦م، بل وتميزت العلاقة معه بالتوتر منذ عام ١٩٨٠م وحتى عهد قريب، ثم من الذي يمنع إسرائيل من القيام بالاعتداء على سورية، وهي لا تقيم لسيادة الدول أي اعتبار عندما تجد أن من مصلحتها خرق هذه السيادة، كما فعلت عندما اغتالت خليل الوزير في تونس عام ۱۹۸۸م، وعندما قامت باغتيال الفلسطينيين في بيروت عام ۱۹۷۲م».
3 - يقيم الطرفان فيما بينهما علاقات دبلوماسية وقنصلية بما في ذلك سفراء مقيمون «يلاحظ أن سورية لا تقيم مثل هذه العلاقات مع بعض دول الجوار العربية مثل العراق، ولم تنشئ أي علاقة قنصلية مع لبنان منذ استقلال الدولتين».
4 - يحق لمواطني كل طرف التقاضي أمام المحاكم في بلد الطرف الآخر: تبين هذه الفقرة أن اليهود أصبحوا متساوين في الحقوق مع المواطنين السوريين «هذا الحق محروم منه كثير من المواطنين السوريين، فهناك عشرات الآلاف من السوريين المعتقلين، ومئات الآلاف من الممنوعين من الخروج من سورية، وعشرات الآلاف خارج سورية حرموا من الحصول على وثائق السفر السورية، كل هؤلاء لا يستطيعون التظلم أمام المحاكم السورية لرفع الظلم الواقع عليهم، بل إن معظم السوريين المقيمين في الخارج، لا يستطيعون العودة؛ بسبب خوفهم من أن تلجأ أجهزة الأمن إلى اعتقالهم فور عودتهم».
خامسًا: سقوط الشعارات القومية التي نادى بها البعث
منذ اليوم الأول للإعلان عن تأسيس حزب البعث في سورية عام ١٩٤٧م، رفع هذا الحزب شعارات القومية العربية والوحدة العربية والأمن العربية الواحدة ذات الرسالة الخالدة، وكان يؤكد في كل مناسبة على وحدة الوطن العربي من المحيط إلى الخليج، واستكمال تحرير الأقطار العربية التي كانت ما تزال منقوصة الحرية بشكل أو بآخر، وقد جرى التأكيد على هذه الشعارات بعد انقلاب ۸ مارس ١٩٦٣م، الذي جاء بحزب البعث إلى السلطة، فما الموقف السوري الذي يمكن أن نقرأه من خلال الورقة السورية؟
1 - وافق النظام في سورية على التخلي عن جزء مهم من الوطن العربي «فلسطين» لإسرائيل، وذلك عندما اعترف بحدود دولية آمنة ومعترف بها لهذا الكيان، وقد كان من أهم شعاراته التي كان ينادي بها تحرير جميع أجزاء الوطن العربي المحتل.
٢ - رغم تأكيد النظام السوري على وحدة المسارين بين لبنان وسورية، فإن المفاوض السوري ذهب إلى شبيردزتاون من دون أن يصطحب معه المفاوض اللبناني.
3 - اختارت الورقة السورية الولايات المتحدة وفرنسا لتشغيل محطة الإنذار في جبل الشيخ «المادة 3 الإنذار المبكر فقرة –1، تتولى الولايات المتحدة وفرنسا ودول أخرى تشغيل محطة الإنذار المبكر. فقرة- ٢: يعهد بمهمة المراقبة الفضائية إلى الولايات المتحدة»، وهكذا نجد أن النظام السوري قد وافق على وجود أمريكي في هضبة الجولان، وقد كانت أمريكا حتى الأمس القريب العدوة اللدودة للعرب، وزعيمة الإمبريالية العالمية، حسب شعارات حزب البعث السوري.
4 - أسقط النظام السوري شعاراته البراقة التي زايد بها على كل دول المنطقة من أمثال شعار «دولة الصمود والتصدي» وشعار «لا صوت يعلو على صوت المعركة» وشعار «إزالة آثار العدوان»، وهذه الشعارات وغيرها كثير قد أصبح هباء منثورًا.
سادسًا: امتيازات جديدة لإسرائيل
بعد استعراض أهم بنود التسوية التي حوتها الورقة السورية، يتضح أن هناك تنازلات سورية حقيقية - وخصوصًا على مستوى السيادة والتطبيع وحضور الأمن الأمريكي على الأرض السورية -، وهي تشكل انتقاصًا في الحقوق الأساسية لسورية، وإذا كان الإعلام السوري يحاول إخفاء الحقائق، وإظهار صلابة الموقف السوري، من خلال رفض المفاوض السوري عودة الجولان بدون بحيرة طبريا، والطريق المحيط بها، فإن ذلك لا يخفى إلا على من أغمض عينيه عن رؤية الشمس في رائعة النهار، فإن الورقة السورية تتحدث عن استعادة الجولان بكاملها، ولكنها منزوعة السلاح ومعلومة بالمخابرات الأمريكية «مادة - ٣ فقرة - ١، وفقرة -٢ سالفة الذكر»، كذلك فإن الورقة السورية تنازلت وباعتراف رسمي عن فلسطين بكاملها.
بقي أن ننبه إلى أن ما تطلبه إسرائيل أكثر بكثير مما ورد في الورقة السورية، لدرجة أن الرئيس السوري قال لبعض معاونيه بعد لقاء مطول مع أولبرايت - وزيرة الخارجية الأمريكية -: «إن إيهود باراك يريد أن يعيد إلينا الجولان ويأخذ منا سورية بأكملها».