; مشروعية الدفاع عن النفس | مجلة المجتمع

العنوان مشروعية الدفاع عن النفس

الكاتب الشيخ نادر النوري

تاريخ النشر الثلاثاء 03-يناير-1995

مشاهدات 76

نشر في العدد 1132

نشر في الصفحة 47

الثلاثاء 03-يناير-1995


من أصول الشريعة الإسلامية المقطوع بصحتها رفع الحرج عن الناس وإرادة اليسر بهم، وعلى هذا الأصل دل القرآن الكريم والسنة المطهرة؛ فهذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، وما خير رسول الله ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس عنه. ولكن قد تحمل الضرورة بعض الناس في بعض الأحوال الملجئة إلى تناول الممنوع عنه شرعًا دفعًا لأنفسهم عن الهلاك، فهل هذه الضرورة تصير المحرم مباحًا؟ أو ترفع الإثم عن مرتكبه بصورة مطردة بحيث يحق له أن يقتل غيره المعصوم الدم ليدفع الهلاك عن نفسه؟

علماً أنه قد تقرر في القاعدة الشرعية أنه لا يجوز للمضطر قتل غيره المعصوم الدم ليدفع الهلاك عن نفسه، إلا في حالات استثنائية نص عليها الفقهاء؛ لأن إبقاء حياته ليس بأولى من إبقاء حياة غيره والله تعالى يقول: (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ) (سورة الإسراء: 33)، فمن أكره على قتل غيره إكراهًا ملجئًا لم يحل له ارتكاب جريمة القتل؛ لأن الاضطرار لا يسقط حرمة القتل ولا يرفع الإثم عن القاتل ولو كان مضطرًا، وكذا لا يجوز الشهادة بالإكراه على شخص بريء وحكم القاضي بالقصاص عليه ونفذ فعلاً حكم الإعدام على هذا البريء.

وفي حال ضرورة الجوع لا يجوز قتل إنسان لأكل لحمه أو إلقاء بعض ركاب السفينة الموشكة على الغرق في البحر للإبقاء على حياة الباقين. أما ما استثناه الفقهاء في حالات الاضطرار فهو مثل لو تترس العدو بعدد من المسلمين ودعت الحاجة إلى رميهم للخوف على عموم المسلمين وديارهم جاز ذلك، ولو تعرض هؤلاء للضرر أو القتل؛ لأنه من قبيل تحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام، واستيلاء الكفرة على ديار المسلمين أشد ضررًا في نظر الشرع من قتل النفوس؛ لأن في ذلك إذلالاً للمسلمين وتعطيلاً لأحكام الدين وإعلاء كلمة الكفر التي من حقها أن تكون السفلى.

ومما نص عليه الفقهاء هو دفع الصائل المعتدي على نفس الغير أو عرضه أو ماله، فيجوز للمعتدي عليه المصول عليه أن يدفع هذا الاعتداء بما يندفع به ولو بقتله إذا تعين القتل طريقًا لدفع اعتدائه؛ لأن المعتدي عليه يعتبر في حالة دفاع شرعي عن النفس أو العرض أو المال، ويشترط لوجود هذه الحالة التي تبيح دفع المعتدي ولو بالقتل عند الاقتضاء أن يكون هناك اعتداء حال لا يجد معه المعتدي فسحة من الوقت للالتجاء إلى جهة لحمايته، كما لا يجد وسيلة أخرى غير الدفاع بما يستطيعه لرد الاعتداء. فمن قتل دون نفسه فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد، ومن قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون مظلمته فهو شهيد، والمسلم إنما يقتل شهيدًا إذا كان محقًا في قتاله.

والدفاع الشرعي لا يقتصر على من وقع عليه الاعتداء، بل يجوز معاونته في ذلك؛ فمن رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، ولا شك أن الاعتداء على الغير منكر تجب إزالته، ويجب نصرة المظلوم بأن تقف إلى جانبه وأن ترد عنه الظلم، والصائل باغ وظالم، والله تعالى أمر بقتال الطائفة الباغية حتى تفيء إلى أمر الله، واستسلام المصول عليه للاعتداء استسلام للظلم وترك له، وهذا لا يجوز شرعًا؛ فنفس الإنسان ليست ملكه وليس من حقه أن يعرضها للتلف باستسلامه إلى من يريد قتله بغير حق مع قدرته على رد هذا الاعتداء.

وكذا الدفع عن العرض واجب ولو كان بالقتل؛ فإذا أراد رجل الزنا بامرأة، ولم تستطع دفعه عن نفسها إلا بالقتل وجب عليها قتله إن أمكنها ذلك، وكذا للزوج أن يقتل من أراد الزنا بزوجته، وإن أمكن دفعه بدون القتل "الفتاوى 15/ 122".

أما الدفع عن المال فإنه حق لا واجب؛ فيجوز أن يتركه يأخذ ماله أو يعطيه هو المال ولا يقاتله "الفتاوى 202/2"، كما يجوز له أن يدفعه ولو بالقتل، ومن قتل دون ماله فهو شهيد.

والضابط في هذه الأحوال هو الدفاع الشرعي لا الإسراف فيه، فيتوقف فيه المسلم عند حد دفع شر المعتدي لا معاقبته وعليه أن يدفعه بالأسهل فالأسهل، وإن لم يلتزم بهذا التدرج فهو أثم آثم في ذلك وتحمل مسؤولية ما يرتكبه من خطأ؛ لأن الضرورات تقدر بقدرها، وتنص القاعدة الفقهية على أنه لا ضرورة بالأشد مع تحصيل المقصود بالأخف، وعلى هذا الأساس يدفعه بالزجر والتهديد والاستغاثة إن أمكن، وإلا انتقل إلى الضرب باليد، فإن اندفع بالضرب فليس له جرحه، فإذا جرحه كان مسؤولاً عن الجرح، وإذا لم يندفع إلا بالجرح فله جرحه، فإن قتله كان مسؤولاً عن القتل، وإذا لم يندفع إلا بالقتل فله قتله ولا مسؤولية عليه، وإذا قتل المصول عليه فهو شهيد "الفتاوى 202/4".

ولكن إذا اضطر المصول عليه إلى عدم الالتزام بالتدرج في دفع الصائل وعاجله بالجرح أو القتل خوفًا من أن يسبقه الصائل أو يقتله، جاز له ذلك ولا مسؤولية عليه في هذه الحالة كما يقول "السرخسي" في المبسوط "24/ 50".

ولا يترتب على استعمال حق أو واجب الدفاع الشرعي بحدوده وضوابطه مسؤولية جنائية على القائم به؛ لأن فعله مأذون من جهة الشرع ولا حرج ولا إثم عليه في ذلك.

والمستند الشرعي في ذلك قوله تعالى: (فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (البقرة: 194)، وقوله ﷺ: "فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا".

إذن فالدفاع عن الحرمات مشروع سواء أكانت خاصة أو عامة(1).


(1) مجموعة بحوث فقهية لعبد الكريم زيدان

 

الرابط المختصر :